الأخبار تغوص فى أعماق الـ Dark Web بورصة «البيانات البيولوجية » تهدد المجتمع المصرى

بورصة البيانات البيولوجية
بورصة البيانات البيولوجية


هل تعلم أن نوبة قلق واحدة رصدتها ساعتك الذكية قد تكون السبب فى رفع قيمة بوليصة تأمينك الصحى غداً؟

قد تبدو هذه العبارة مجرد مشهد افتتاحى مكثف فى فيلم رعب سينمائى يدور فى مستقبلٍ مرير، لكنها فى الواقع الاقتصادى والتقنى لعام 2026 تمثل نقطة التماس الأخطر لما بات يُعرف بـ«إنترنت الأجسام»،

أى ربط الجسد البشرى مباشرة بالشبكات الرقمية عبر أجهزة ذكية متصلة، مثل الساعات الذكية، النظارات، الشرائح المزروعة، السماعات الحديثة، وغيرها من التقنيات التى بات الإنسان يرتديها أو يعتمد عليها فى تفاصيل يومه، أحيانًا عن وعى كامل،

وأحيانًا بدافع الاعتياد أو التباهى لا الحاجة. فى هذا التحقيق، تكشف «الأخبار» كيف تحولنا من مستخدمين إلى حقول تجارب بيولوجية تُباع بياناتها فى كواليس الشبكة المظلمة، وتتابع رحلة تحويل الجسد البشرى إلى ثغرة أمنية مفتوحة، وكيف تحولت نبضات القلوب وبصمات العيون إلى سلع استراتيجية مشفرة تتداول فى أسواق البيانات السوداء والرأسمالية الموجهة.

 

جواسيس المعصم والعيون.. تحول «نبض قلبك» إلى سلعة فى مزاد القراصنة!

شفرات بيولوجية للبيع والساعات الذكية والنظارات والسماعات الحديثة فى قفص الاتهام

بصمة العين ونبرة الصوت بـ 250 دولارًا لكل 1000 مستخدم لإنشاء «توائم رقمية» وتوجيه الرأى العام

قفزة بـ 145% فى الهجمات السيبرانية الطبية والـ FDA تستدعى الأجهزة الطبية الثابتة!

الخبراء: البيانات البيولوجية أصبحت «هدف» لشركات التكنولوجيا والإعلانات

لم يكن نائب الرئيس الأمريكى الأسبق ديك تشينى يتوقع أن التطور الطبى الذى أنقذ حياته عام 2007 قد يتحول لاحقًا إلى ثغرة أمنية تضعه فى دائرة تهديد سيبرانى مباشر، فقد زُرع له جهاز لتنظيم ضربات القلب مزود بخاصية الاتصال اللاسلكي، تتيح للطواقم الطبية تعديل إعداداته عن بُعد.

لكن فى عام 2013، اتخذ قرارًا لافتًا حين طلب تعطيل هذه الخاصية بالكامل، بعد تحذيرات أمنية من احتمال استغلال ثغرات تقنية قد تتيح لقراصنة الوصول إلى الجهاز وإرسال أوامر مؤثرة على عمله الحيوي، بما فى ذلك إحداث صدمات كهربائية خطيرة.

وقال تشينى فى مذكراته: «كان بإمكانهم إرسال نبضة كهربائية مميتة إلى قلبي، لذلك أوقفت هذه الخاصية؛ فالأمن السيبرانى هنا لم يعد متعلقًا بالبيانات، بل ببقاء القلب نفسه».

وتُعد هذه الواقعة من أبرز الأمثلة المبكرة على انتقال مفهوم الأمن السيبرانى من حماية المعلومات إلى حماية الجسد البشري، وهو التحول الذى أسّس لاحقًا للنقاش حول تسليع البيانات البيولوجية الناتجة عن الأجهزة الذكية.
وفى هذا السياق، حذرت مؤسسة راند للأبحاث من التوسع المتسارع فى ما يُعرف بـ«إنترنت الأجسام»، مشيرة إلى أن الأجهزة المتصلة التى تجمع بيانات صحية دقيقة - مثل الساعات الذكية والأجهزة المزروعة - تفتح مخاطر غير مسبوقة تتعلق بالخصوصية البيولوجية، فى ظل غياب أطر تنظيمية كافية لحماية هذه البيانات من الاختراق أو الاستغلال.

وتتوافق هذه التحذيرات مع ما أعلنته منظمة الصحة العالمية من ارتفاع ملحوظ فى الهجمات السيبرانية على القطاع الصحي، بنسبة تقارب 145%، ما يجعل بيانات المرضى - وفى بعض الحالات حياتهم - عرضة لتهديد مباشر عبر الابتزاز أو الاستغلال الرقمي.

جواسيس المعصم

فى غفلة من التشريعات، تحولت الأجهزة القابلة للارتداء من «مساعدات للياقة البدنية» إلى منصات دائمة للتنميط البيولوجي،، فالأخطر أنها باتت تفكك الاستجابات اللاإرادية للإنسان، وتحول مؤشرات مثل نبرة الصوت، وتوتر الجلد، وحركة العين إلى بيانات قابلة للتسويق.

وتشير دراسات دولية إلى أن معظم تطبيقات الصحة تجمع بيانات حيوية للمستخدمين، فيما تشارك نسبة منها هذه البيانات مع أطراف ثالثة لأغراض تجارية أو بحثية، ما يثير مخاوف متزايدة حول الخصوصية البيولوجية.

وفى كثير من الحالات، لا يتم جمع هذه البيانات خلسة، بل عبر ما يُعرف بـ«العقود المظلمة»، حيث يوافق المستخدم ضمنيًا على شروط معقدة تمنح الشركات حق استخدام بياناته الحيوية.

وبذلك، تحولت هذه الأجهزة من أدوات مساعدة إلى أنظمة تتبع للمشاعر والتنبؤ الصحي، تعمل فى مسارين: قانونى تجارى تُباع فيه البيانات لشركات الإعلانات والتأمين، ومسار غير قانونى عبر تسريبها فى الشبكة المظلمة لاستخدامها فى الابتزاز أو الاستهداف، بأسعار تتراوح من مبالغ زهيدة إلى آلاف الدولارات حسب حساسية البيانات وقيمة الضحية.

ماذا تعرف الساعة عن صاحبها؟

للوقوف على حجم البيانات التى تجمعها الأجهزة القابلة للارتداء عمليًا، أجرى محرر «الأخبار» تجربة ميدانية استمرت عدة أيام باستخدام ساعة ذكية مرتبطة بهاتف محمول وتطبيقها الرسمي.

وخلال التجربة، سجّل التطبيق تلقائيًا مؤشرات حيوية وسلوكية متعددة دون أى تدخل، شملت عدد الخطوات اليومية، ومعدل ضربات القلب فى حالتى الراحة والحركة، وساعات النوم بمراحله المختلفة، ومستوى النشاط البدني، والموقع الجغرافى التقريبي، إضافة إلى أوقات النوم والاستيقاظ ونمط الحركة اليومي.

ولم يتوقف الأمر عند حدود الجمع، إذ لاحظ المحرر أنه بعد تفعيل بعض الأذونات المتعلقة بالصحة والنشاط، بدأت المنظومة فى تقديم تحليلات مفصلة لنمط الحياة، مع مؤشرات عن التوتر والنشاط وجودة النوم، كما تبيّن أن جزءًا من هذه البيانات يُرفع إلى خوادم سحابية تابعة للشركة بهدف المزامنة وتشغيل الخدمات الذكية.

وبمراجعة سياسة الخصوصية، اتضح أن الشركة تحتفظ بحق مشاركة بعض البيانات المجمعة أو المجهولة مع شركاء لأغراض التطوير والتحليل، ما يثير تساؤلات حول حدود التحكم الفعلى للمستخدم فى بياناته البيولوجية.

وتشير التجربة إلى أن كثيرًا من المستخدمين يمنحون هذه التطبيقات صلاحيات واسعة عند التثبيت دون قراءة شروط الاستخدام، ما يحوّل الساعة الذكية من أداة للياقة البدنية إلى سجل رقمى يومى للحياة البيولوجية والسلوكية.

 فى مواجهة هذه المخاطر، يؤكد الدكتور وليد حجاج، خبير أمن المعلومات وعضو الهيئة الاستشارية العليا لتكنولوجيا المعلومات، أن خطورة الأجهزة القابلة للارتداء لم تعد تقتصر على انتهاك الخصوصية الفردية، بل امتدت لتلامس الأمن القومى للدول، إذ تتحول هذه الأجهزة أحيانًا إلى أدوات غير مقصودة لكشف معلومات حساسة.

ويستشهد بحادثة تطبيق اللياقة البدنية «سترافا»، حين أدى نشر خرائط حرارية لمسارات المستخدمين إلى كشف مواقع عسكرية حساسة فى مناطق نزاع، بعدما وثّق التطبيق تحركات جنود وضباط أثناء استخدامهم للساعات الذكية، ما أتاح - بشكل غير مباشر - تحليل أنماط الحركة والوصول إلى مواقع يُفترض أنها سرية.

ومن زاوية طبية، يوضح الأستاذ الدكتور أشرف عقبة، رئيس قسم الباطنة العامة والمناعة بجامعة عين شمس سابقًا، أن هذه الأجهزة وُجدت أساسًا لدعم الممارسة الطبية عبر جمع مؤشرات حيوية تساعد الطبيب فى فهم حالة المريض، مثل قياس ضغط الدم ومعدل التوتر وتغيراته اللحظية، وهو ما أسهم فى تطوير المتابعة المنزلية وتحسين فرص التدخل المبكر.

إنترنت الأجسام مفيد

 أكد الأستاذ الدكتور عبد اللطيف المر، أستاذ الصحة العامة بكلية الطب جامعة الزقازيق، أن العالم يشهد تحولًا جذريًا غير مسبوق فى منظومة الرعاية الصحية مع بزوغ عصر «إنترنت الأجسام»، بوصفه الجيل الثالث والامتداد الطبيعى لإنترنت الأشياء، حيث تُدمج التكنولوجيا والشرائح الذكية مباشرة داخل جسم الإنسان أو على سطحه.

وأشار إلى أن المؤشرات الرقمية تعكس حجم هذا التحول؛ إذ تشير بيانات إلى أن أكثر من 500 مليون شخص استخدموا الأجهزة القابلة للارتداء عام 2024، مع توقعات بوصول الأجهزة المزروعة داخل الجسم إلى نحو 40 مليون جهاز عالميًا.

 كما أسهمت تقنيات مثل مزيلات الرجفان القلبى ومحفزات الدماغ العميق ومضخات الأنسولين الذكية وأجهزة المراقبة المستمرة فى خفض معدلات الوفاة وتحسين جودة حياة المرضى بنسب ملحوظة، إضافة إلى عوائد اقتصادية كبيرة للأنظمة الصحية تُقدَّر بعشرات المليارات سنويًا وفق تقديرات مؤسسة راند للأبحاث..

لكن الدكتور المر حذر فى الوقت نفسه من أن هذا التطور يضع البشرية أمام «معضلة القرن الحادى والعشرين»، إذ لم يعد السؤال مقتصرًا على الكفاءة الطبية، بل امتد إلى ملكية البيانات البيولوجية: من يملك هذه المعلومات الحساسة وكيف تُدار؟
وأضاف أن المخاطر لا تتوقف عند الجوانب التقنية أو الجراحية للأجهزة، بل تمتد إلى تهديدات سيبرانية محتملة قد تستهدف الأنظمة الطبية أو الأجهزة المزروعة، ما قد يحولها إلى نقاط ضعف تمس أمن الإنسان مباشرة، سواء عبر الاختراق أو المراقبة أو التلاعب بالبيانات الحيوية.

القرصنة البيولوجية

مع الانتقال من الأجهزة القابلة للارتداء (الجيل الأول) إلى الأجهزة الداخلية المزروعة فى الجسم مثل منظمات ضربات القلب ومضخات الأنسولين (الجيل الثاني)، تكتسب التهديدات السيبرانية بُعدًا أكثر خطورة يمس حق الإنسان فى الحياة مباشرة، وفى هذا السياق، يفتح الدكتور محمد محسن رمضان، مستشار الأمن السيبرانى ومكافحة الجرائم الإلكترونية، ملف «القرصنة البيولوجية»، مؤكدًا أن ساحة الصراع الرقمى لم تعد محصورة فى الهاتف أو الحاسوب، بل امتدت إلى قلب الإنسان وأعصابه ودماغه.

ويشير إلى أن اختراق الإنسان فى عصر إنترنت الأجسام (IoB) أخطر من اختراق أى نظام تقني، لأن الهجوم لا يستهدف بيانات فقط، بل كيانًا فيزيائيًا يمكن التلاعب بوظائفه الحيوية، بما يفتح سيناريوهات تتراوح بين تغيير بيانات طبية حساسة تؤثر على قرارات علاجية، وصولًا إلى الابتزاز المباشر بسلامة المريض الجسدية.

ومن جانبه، يستعرض الدكتور محمد الظواهري، خبير الأمن السيبرانى ومكافحة الجرائم الإلكترونية، ما يعتبره أدلة عملية على قابلية هذه الأنظمة للاختراق، مشيرًا إلى تحذيرات واستدعاءات رسمية صادرة عن إدارة الغذاء والدواء الأمريكية، ومن ذلك استدعاء مضخات الأنسولين التابعة لشركة «ميدترونيك» عام 2019، ووحدات التحكم اللاسلكية الخاصة بها عام 2021، بسبب ثغرات سمحت بإمكانية التلاعب بالإشارات. كما يشير إلى تحديثات أمنية طالت أجهزة تنظيم ضربات القلب عام 2017، وصولًا إلى تحذيرات عام 2025 بشأن أجهزة مراقبة المرضى فى المستشفيات والمنازل، والتى قد تُستخدم كبوابات لاختراق الشبكات الطبية.

وفى المقابل، يرى الأستاذ الدكتور محمود عبد اللطيف، أستاذ الإعلام بجامعة الزقازيق، أن مواجهة هذا النوع من القضايا لا تقتصر على البعد التقني، بل تتطلب ما يسميه «الاتصال العلمي»، القائم على الشفافية والدقة وتبسيط المعرفة المتخصصة للجمهور.

اللحم الرقمي

والحديث عن تسليع البيولوجيا لم يعد مجرد طرح نظري، بل بات أقرب إلى سوق غير مرئى يعيد تعريف الإنسان كحزم بيانات قابلة للتجزئة وإعادة البيع، فعبر رصد استقصائى لحركة بعض أسواق البيانات فى الشبكة المظلمة، يتضح أن قراصنة البيانات وسماسرة المعلومات يعتمدون ما يشبه «تسعيرًا مرنًا» يرتبط بطبيعة الضحية ونوع الجهاز المتصل بجسدها.

وفى هذه السوق غير الرسمية، تُعرض البيانات الحيوية فى شكل حزم رقمية متعددة. فمثلًا، يُتداول الملف الصحى الكامل لمرضى الشرائح الذكية بأسعار تتراوح بين 50 و120 دولارًا، وهو رقم يفوق بكثير قيمة بيانات بطاقات الدفع التقليدية، نظرًا لكون البيانات الطبية ثابتة ولا يمكن تغييرها بسهولة.

كما تُعرض ثغرات برمجية تستهدف مضخات الأنسولين، بما فى ذلك ما يُعرف باستغلالات البرمجيات غير المكتشفة، بأسعار قد تبدأ من 5000 دولار وتصل إلى عشرات الآلاف فى حالات الاستهداف الفردى أو الابتزاز الموجه.
أما بيانات بصمة العين ونبرات الصوت والمؤشرات السلوكية، فتُباع فى حزم كبيرة عبر وسطاء فى الشبكة المظلمة بنحو 250 دولارًا لكل ألف مستخدم، وتُستخدم فى بناء نماذج سلوكية دقيقة أو فى عمليات التأثير النفسى والابتزاز.
بورصة النبض ومتلازمة الشاشة

لم تعد شركات التقنية والإعلانات تبحث عن بياناتك التقليدية، بل أصبح «الذهب الجديد» هو إجابات دقيقة من نوع: متى يرتفع نبض قلبك؟ ومتى يتغير مزاجك؟ ومتى يبدأ جسدك فى إظهار علامات التوتر، هذا التحول عمّق ما يُعرف بـ«رأسمالية البيانات الحيوية»، حيث يُعاد تفكيك الجسد إلى وحدات رقمية قابلة للتسعير والمضاربة، وصولًا إلى أسواق البيانات السوداء فى الشبكة المظلمة.

وتشير بعض التقديرات المرتبطة بشركات التأمين الصحى إلى أن استخدام هذه المؤشرات الحيوية قد ينعكس على تكلفة الوثائق التأمينية، بزيادات قد تصل إلى نحو 30% على بعض الأفراد، استنادًا إلى أنماط صحية رصدتها الأجهزة الذكية دون إدراك مباشر من المستخدم.

وفى هذا السياق، يحسم الدكتور أشرف عقبة، رئيس قسم المناعة بجامعة عين شمس سابقًا، الجدل من زاوية طبية وأخلاقية، مؤكدًا أن استغلال البيانات الحيوية الحساسة لأغراض تجارية بحتة يمثل تجاوزًا غير مقبول، وأن الأصل فى التعامل مع هذه المعلومات هو الحفاظ على الخصوصية الإنسانية وفق قواعد المهنة الطبية، لا تحويل الإنسان إلى مصدر بيانات قابل للاستغلال.

لكن السؤال الأعمق، كما يطرح التحقيق، هو: كيف قُبل هذا التحول اجتماعيًا؟ هنا تشير الدكتورة نيفين حسني، أخصائى علم النفس الرقمي، إلى أن جزءًا من الإجابة يكمن فى «الهندسة النفسية» للأجيال الرقمية، حيث نشأ المستخدمون فى بيئة تتداخل فيها التكنولوجيا مع الجسد بشكل يومي، ما أدى إلى ثلاثة تحولات رئيسية: تآكل الحدود بين الإنسان والتقنية، تصاعد الاعتماد على المؤشرات الرقمية بدل الإحساس الذاتي، وإعادة تعريف الخصوصية مقابل الراحة والرفاهية.

وفى قراءة إعلامية للأزمة، يرى الأستاذ الدكتور محمود عبد اللطيف أن جزءًا من المشكلة يرتبط بما يسميه «البروباغندا التكنولوجية»، حيث تسهم بعض المنصات فى تقديم الابتكار فى صورة مثالية تُخفى أبعاده الأخلاقية، مستفيدة من هيمنة الخوارزميات على تدفق المعلومات وتشكيل الرأى العام.

ويؤكد أن هذا الواقع يفرض الحاجة إلى إعلام أكثر استقلالية، وأطر رقابية وتشريعية تمنع احتكار تشكيل الوعي، مع تطور دور إعلامى جديد يُعنى بـ«الهوية الرقمية البيولوجية»، يركز على العلاقة بين بيانات الجسد وحقوق الإنسان، وعلى ضمان الشفافية وحق المستخدم فى التحكم ببياناته وسحب موافقته عليها.

الجيل الثالث والمواجهة

 هذا الاندماج الإعلامى والنفسى والجسدى يمهد الطريق تدريجيًا للجيل الثالث من إنترنت الأجسام: واجهات الدماغ والحاسوب (Brain-Computer Interfaces)، بما يشمل شرائح عصبية قادرة على ربط الدماغ بالأجهزة والتحكم فيها بمجرد التفكير.

ويشير الدكتور محمد محسن رمضان إلى أن الذكاء الاصطناعى فى هذا السياق يمثل سلاحًا ذا حدين؛ فهو من جهة يتيح قدرات متقدمة لرصد التهديدات السيبرانية وتعزيز الحماية، لكنه من جهة أخرى يمنح المهاجمين أدوات أكثر تعقيدًا لتنفيذ هجمات «ذكية» قادرة على تجاوز أنظمة الحماية التقليدية، بل واستهداف الأجهزة الحيوية نفسها.
وفى مواجهة هذا التوسع المتوقع فى الجرائم السيبرانية المرتبطة بالجسد، تتقاطع رؤى الخبراء فى هذا التحقيق لرسم خريطة طريق حمائية تقوم على خمس ركائز أساسية:

أولًا: بناء إعلام مستقل ومسئول يقدم معرفة علمية متوازنة ويفكك الدعاية التقنية، وفق رؤية الدكتور محمود عبد اللطيف.

ثانيًا: استعادة الاستقلالية النفسية عبر تقليل الاعتماد على المؤشرات الرقمية وتحرير الوعى من هيمنة الخوارزميات، وفق رؤية الدكتورة نيفين حسني.

ثالثًا: الالتزام بالاستخدام الأخلاقى وتجريم استغلال البيانات الصحية لأغراض تجارية أو نفعية، وفق رؤية الدكتور أشرف عقبة.

رابعًا: تطوير أطر تشريعية ملزمة تضمن حماية البرمجيات الثابتة (Firmware) فى الأجهزة الطبية وتشفير اتصالاتها اللاسلكية، كما يشير الدكتور محمد رمضان والدكتور محمد الظواهري.

خامسًا: تعزيز وعى الأفراد عبر إغلاق خصائص التتبع الجغرافى وتجنب الأجهزة غير الموثوقة أو مجهولة السياسات الأمنية، وفق توصيات الدكتور وليد حجاج.