خرابيش

عصام عطية يكتب: مخدرات رقمية!!

عصام عطية
عصام عطية


يمثل قرار رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر بمنع الأطفال دون السادسة عشرة من استخدام معظم منصات التواصل الاجتماعى الكبرى، تحولا سياسيا وجذريا غير مسبوق فى الغرب، ونقطة تحول عالمية مرتقبة لهذا المنع، النابع من منطلق سياسى وأبوى معا، جاء لحماية الصحة النفسية للأبناء بعد تفاقم حالات القلق، والاكتئاب، وتخلخل صورة الجسد، واضطرابات الأكل، وإيذاء النفس، فضلا عن مخاطر الابتزاز والتحرش الإلكترونى الناتجة عن الاستخدام المنفلت للشاشات فى خطوة شجاعة تسعى لاستعادة الطفولة وإعادة التوازن بين الحياة الرقمية والواقعية.

لقد تجاوز النقاش العالمى اليوم فكرة حرية الوصول للمعلومات إلى الخشية المشروعة من الأثر النفسى العميق للمنصات فالواقع يشير إلى أنها تحولت إلى مصانع للإدمان تديرها مؤسسات تجارية تستنزف وقت المستخدمين وتفقدهم السيطرة على انتباههم.. نحن حرفيا أمام فرانكشتاين العصر الجديد لكنه وحش بلا جسد أو مركز واحد، بل هو منظومة خوارزمية هائلة تتغذى على العادات النفسية والمصالح الاقتصادية.

أمام هذا التحول، يفرض السؤال نفسه بقوة إذا كانت بريطانيا ودول غربية أخرى قد انتفضت لحماية أطفالها، فلماذا لم نفعل ذلك فى مصر؟ هل نحن غافلون عن هذا الخطر، أم أن صحتهم النفسية والعقلية أقل أهمية؟

بالتأكيد لا فأطفالنا يعانون من الغول الرقمى ذاته، بل ربما بشكل أعمق نتيجة الفجوة التقنية بين الأبناء والآباء التى تضعف الرقابة الأبوية، لكن الفارق يكمن فى أدوات المواجهة، فالدول التى أقرت المنع تمتلك سيادة تقنية وقدرة على إلزام الشركات العملاقة بآليات صارمة للتحقق من السن، بينما نعتمد محليا على قوانين مكافحة جرائم تقنية المعلومات (كقانون 175 لسنة 2018) التى تعاقب على الجريمة بعد وقوعها كالابتزاز والتحرش، بدلا من الوقاية والمنع على أساس السن.

الإنسان ليس حرا تماما فى تعامله مع هذه المنصات، ولكنه ليس مشلول التفكير أيضا.. إن حظر السوشيال ميديا عن الأطفال فى مصر لم يعد ترفا، بل هو معركة وعى وتشريع مؤجلة وبما أن التخلى عن الإنترنت بات مستحيلا، فإننا بحاجة عاجلة إلى استراتيجية وطنية توازن بين الانفتاح الرقمى وحماية براءة الطفولة، لإرساء ضوابط صارمة تستعيد سلطة الإنسان على وقته وعقله قبل أن يلتهم «فرانكشتاين» جيل الغد بالكامل.