لقد كان افتتاح القيادة الاستراتيجية للدولة المصرية حدثًا يتجاوز حدود المشهد إلى دلالاته العميقة، وإبهارًا لم يُقصد به استعراض القوة بقدر ما عكس عقل الدولة وهى تعيد تنظيم أدواتها، وتبنى مؤسساتها على أسس التخطيط الاستراتيجى، والاستشراف، وإدارة المخاطر، ومن هذه الزاوية تحديدًا، يمكن قراءة هذا الافتتاح بوصفه حلقة جديدة فى مشروع بناء الدولة القادرة، التى لا تكتفى برد الفعل، وإنما تسبق الأحداث بالاستعداد لها.
تشرفت بحضور يومٍ تاريخى بكل المقاييس، حمل رسالةً واضحة لا لبس فيها: مصر بنت قوتها، وأصبحت جاهزة للقيام بدورها المرتبط بمكانتها فى النظام العالمى الجديد، والذى يتجه إلى الاعتماد بصورة أكبر على القوى الإقليمية الصاعدة فى حفظ الأمن والسلام والاستقرار.
لقد كان افتتاح القيادة الاستراتيجية للدولة المصرية حدثًا يتجاوز حدود المشهد إلى دلالاته العميقة، وإبهارًا لم يُقصد به استعراض القوة بقدر ما عكس عقل الدولة وهى تعيد تنظيم أدواتها، وتبنى مؤسساتها على أسس التخطيط الاستراتيجى، والاستشراف، وإدارة المخاطر، ومن هذه الزاوية تحديدًا، يمكن قراءة هذا الافتتاح بوصفه حلقة جديدة فى مشروع بناء الدولة القادرة، التى لا تكتفى برد الفعل، وإنما تسبق الأحداث بالاستعداد لها.
وما يلفت الانتباه فى خطاب الرئيس عبدالفتاح السيسى خلال الافتتاح إشارته - بشفافية كاملة وصراحة مطلقة - إلى أهمية امتلاك مصر مقرًا للقيادة يحقق لها المناعة الأمنية، وتتمكن من خلاله من اتخاذ القرارات الاستراتيجية بهدوء وحكمة، لافتًا إلى أن مصر تعلمت من دروس حالة الفوضى التى صاحبت أحداث 25 يناير، وأن من كان يخطط للتآمر على مصر فى ذلك التوقيت كان يتعمد وضع قيادة البلاد تحت ضغط مستمر وحصار من جانب أتباع تنظيم الإخوان الإرهابى، فكان حصار المحكمة الدستورية العليا، ومدينة الإنتاج الإعلامى، ثم مقر وزارة الدفاع، ومجلس الوزراء.
ونتيجة تواجد هذه المقرات فى شوارع رئيسية غير مؤمنة، كان يمكن لأتباع التنظيم قطع الطريق ودفع صانع القرار إلى تنفيذ مطالب التنظيم، كانت عملية اختطاف كاملة للدولة، وهى أشياء أشهد عليها وعاصرتها كصحفى قريب من الأحداث اليومية، ومن الشارع الملتهب فى ذلك التوقيت، ومن الحملات الظالمة والإجرامية التى تعرضت لها مؤسسات الدولة المصرية، وفى مقدمتها القوات المسلحة ووزارة الداخلية.
غير أن حماية الدولة لا تقتصر على تأمين مقارها أو تطوير منظومات القيادة والسيطرة، فالتجارب الحديثة أثبتت أن الدول قد تنجح فى حماية حدودها ومؤسساتها، لكنها تظل معرضة للخطر إذا تُركت عقول مواطنيها فريسة لحروب المعلومات والشائعات، ومن هنا جاء الجزء الآخر من خطاب الرئيس، الذى انتقل فيه من حماية مؤسسات الدولة إلى حماية وعى المجتمع، باعتبارهما وجهين لاستراتيجية وطنية واحدة.
كما تمثل توجيهات الرئيس الخاصة بفتح المجال أمام الحوار الإعلامى الموضوعى، وتوفير المعلومات الدقيقة للمواطنين أكثر من مجرد رؤية لتطوير الأداء الإعلامى؛ فهى فى جوهرها جزء من منظومة الأمن القومى الشامل، التى تنظر إلى الإعلام باعتباره أحد خطوط الدفاع الأولى عن الدولة، وفى هذا السياق جاء إعلان وزير الدولة للإعلام عن الإسراع بإصدار قانون حرية تداول المعلومات ليترجم هذه الرؤية إلى مسار مؤسسى، يقوم على أن المعلومة الصحيحة لم تعد مجرد حق دستورى، بل أصبحت سلاحًا استراتيجيًا فى مواجهة حروب المعلومات التى باتت تشكل أحد أخطر أدوات حروب الجيلين الرابع والخامس.
ففى زمن تتراجع فيه المواجهات العسكرية التقليدية لصالح استهداف العقول وإرباك المجتمعات، يصبح غياب المعلومة الرسمية بيئة مثالية لتكاثر الشائعات، وتزييف الوعى، وتقويض الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، بينما يمثل تدفق المعلومات الموثقة خط الدفاع الأول فى حماية الجبهة الداخلية.
ولذلك، فإن الحديث عن قانون حرية تداول المعلومات لا ينبغى فصله عن مفهوم القيادة الاستراتيجية ذاته؛ فالدولة التى تدير قرارها بكفاءة هى نفسها الدولة التى تدير معلوماتها بكفاءة، لأن القرار الرشيد لا ينفصل عن المعلومة الصحيحة، كما أن الأمن لم يعد يقتصر على حماية الحدود، وإنما أصبح يشمل أيضًا حماية المجال المعلوماتى والوعى العام من محاولات الاختراق والتضليل.
لا ينبغى النظر إلى قانون حرية تداول المعلومات باعتباره تشريعًا ينظم العلاقة بين الدولة ووسائل الإعلام فحسب، وإنما باعتباره إحدى ركائز بناء المناعة المجتمعية التى تقوم عليها الدولة الحديثة، وقد أثبتت التجارب الدولية - كما أكدت ذلك دراسات عديدة حول مواجهة حروب الشائعات - أن المجتمعات الأكثر قدرة على الصمود ليست تلك التى تمنع تدفق المعلومات، وإنما التى تمتلك مؤسسات قادرة على إنتاج المعلومة الصحيحة وإتاحتها فى الوقت المناسب، بما يعزز الثقة العامة، ويزيد من مشاركة المواطنين فى الشأن العام على أساس المعرفة لا الانفعال، فالمواطن المطلع يتحول إلى شريك فى حماية وطنه، وليس مجرد متلقٍ للأحداث، بينما تصبح الشفافية أداة استراتيجية لتأمين الجبهة الداخلية، وتحصين الوعى الجمعى ضد محاولات الاختراق الفكرى والتلاعب بعقول الناس.
وفى السياق ذاته تكتسب توجيهات الرئيس بالإسراع فى استكمال الاستعدادات لإجراء انتخابات المجالس المحلية دلالة هامة لإعداد كوادر سياسية قادرة على المشاركة فى عملية صناعة القرار، فالمحليات هى المدرسة الأولى للممارسة الديمقراطية، والجسر الذى يربط الدولة بالمواطن فى أكثر دوائرها التصاقًا بحياته اليومية، ومن هنا فإن إعادة بناء الإدارة المحلية عبر انتخابات حقيقية، تتيح لمواطنى القرى والنجوع والمراكز والمدن المشاركة فى صنع القرار المحلى، تعنى فى جوهرها نقل المواطن من موقع المتلقى للسياسات إلى موقع الشريك فى صياغتها ومراقبة تنفيذها، وهى عملية تعزز الثقة المتبادلة بين المجتمع ومؤسسات الدولة، وترسخ الشعور بالانتماء والمسئولية المشتركة.
وهكذا تتحول المجالس المحلية من مجرد إطار إدارى لتقديم الخدمات إلى إحدى أدوات بناء المناعة الوطنية، وإعداد المجتمع لمواجهة التهديدات غير التقليدية، التى تستهدف إضعاف الثقة فى الدولة قبل أن تستهدف مؤسساتها، وتعمل على تفكيك الجبهة الداخلية قبل أن تمس حدودها.
وربما لهذا السبب بدا افتتاح القيادة الاستراتيجية أكبر من مجرد افتتاح لمقر جديد؛ فقد جاء ليعبر عن مرحلة جديدة فى تطور مفهوم الدولة المصرية، مرحلة تنتقل فيها من بناء البنية الأساسية إلى بناء بنية اتخاذ القرار، ومن امتلاك أدوات القوة إلى حسن إدارتها، ومن مواجهة الأزمات عند وقوعها إلى الاستعداد لها قبل أن تفرض نفسها.
ومن يقرأ الصورة جيدًا فى احتفالية افتتاح مقر القيادة الاستراتيجية للدولة المصرية يدرك أننا أمام دولةٍ تعيد صياغة مفهوم القوة الشاملة، وتؤسس لمستقبل تُدار فيه الأزمات قبل وقوعها، وتُصنع فيه القرارات بعقل استراتيجى ناضج، يضع الخطط، ويتخذ القرار، ويملك القدرة على إدارة الدولة فى أصعب الظروف، والتكيف مع المتغيرات، والاستعداد لمختلف السيناريوهات، مهما بلغت درجة تعقيدها.
إنه افتتاحٌ يليق بدولةٍ تعرف إلى أين تمضى... وحدثٌ لو تعلمون، عظيم.

ترامب وإيران.. وحديث الاغتيال!!
مصر «دولة الإبداع»
اليوبيل الذهبى لصحافة سوهاج






