دخلنا أول الشهر! وقبل أن تكمل قراءة هذا المقال، اسأل نفسك سؤالًا بسيطًا: كم قسطًا ينتظرك اليوم؟ ؛ قسط الشقة، السيارة، الهاتف، الأجهزة الكهربائية، المدارس، النادي، بطاقة الائتمان، وربما حتى مشتريات المنزل أو الطعام التي أصبحت في بعض الحالات تُشترى بأنظمة الدفع المؤجل.
والسؤال الأهم: كم سيتبقى من راتبك بعد كل هذه الخصومات؟
كان أول الشهر يومًا ننتظره بشيء من الاطمئنان، لأنه كان يعني بداية جديدة وفرصة لترتيب الأولويات أو تحقيق هدف صغير بعد شهر طويل من العمل، أما اليوم، فقد أصبح بالنسبة لكثيرين مجرد موعد لسداد الالتزامات.
فالراتب لا يكاد يصل إلى الحساب حتى يبدأ في الرحيل؛ أقساط، وفواتير، واشتراكات، ومدفوعات مؤجلة، حتى أصبح كثيرون يشعرون أن رواتبهم لا تدخل حساباتهم أصلًا، وإنما تمر مرورًا سريعًا في طريقها إلى جهات السداد.
في الماضي، كان التقسيط وسيلة لشراء الأشياء الكبيرة مثل الشقة أو السيارة أو الأجهزة الكهربائية، أما اليوم، فقد أصبح جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية؛ الهاتف بالتقسيط، والأثاث بالتقسيط، والتعليم بالتقسيط، والرحلات بالتقسيط، بل وحتى احتياجات المنزل والطعام أصبحت لدى البعض تُشترى بأنظمة الدفع المؤجل.
ولا يمكن إنكار أن هذه الأنظمة قدمت حلولًا مهمة لكثير من الأسر في ظل الارتفاع المستمر في الأسعار، وساعدت على توفير احتياجات يصعب دفع قيمتها دفعة واحدة، لكنها في الوقت نفسه غيّرت علاقتنا بالشراء وبالراتب نفسه.
لم يعد السؤال: كم ثمن هذا الشيء؟ بل أصبح السؤال: كم سأدفع كل شهر؟ووهنا يكمن التحول الحقيقي، فعندما ينشغل الإنسان بقيمة القسط أكثر من السعر الحقيقي، يصبح اتخاذ قرار الشراء أسهل، بينما تتراكم الأقساط الصغيرة تدريجيًا حتى تتحول إلى عبء يلتهم جزءًا كبيرًا من الدخل.
ولعل أخطر ما في الأمر أن الراتب نفسه فقد معناه لدى كثيرين، فلم يعد يمثل بداية شهر جديد أو فرصة لإعادة ترتيب الأولويات، بل تحول إلى محطة عبور تمر من خلالها الأموال مباشرة إلى جهات السداد، وكأن الموظف يعمل طوال الشهر، ليس ليخطط لما يريد، وإنما ليسدد ما التزم به في الشهور السابقة.
ولم يعد هذا مجرد انطباع أو شعور، فوفقًا لأحدث بيانات الهيئة العامة للرقابة المالية، تجاوز حجم التمويل الاستهلاكي في مصر 96 مليار جنيه بنهاية عام 2025، بزيادة سنوية تقارب 57%، كما توسع ليشمل قطاعات مثل التعليم، والخدمات الطبية، والتجارة الإلكترونية، إلى جانب السلع التقليدية، وهي أرقام تعكس بوضوح أن التقسيط لم يعد استثناءً، بل أصبح جزءًا من أسلوب الإنفاق اليومي لكثير من الأسر.
ورغم ذلك، فإن المشكلة ليست في التقسيط نفسه، فهو أداة مالية قد تكون مفيدة إذا استُخدمت بحكمة، وقد يكون في كثير من الأحيان ضرورة فرضتها الظروف الاقتصادية، لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول من وسيلة لتسهيل الحياة إلى أسلوب حياة، وعندما يصبح راتب الشهر القادم قد أُنفق بالفعل قبل أن يصل.
وهنا يبرز السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل واحد منا قبل أن يضيف التزامًا جديدًا: هل هذا القسط ضرورة حقيقية أم مجرد رغبة يمكن تأجيلها؟ وهل سيظل دخلي قادرًا على تحمله إذا تغيرت الظروف أو ظهرت التزامات جديدة؟، فالاستقرار المالي لا يتحقق بكثرة ما نشتريه، وإنما بقدرتنا على الموازنة بين احتياجاتنا وإمكاناتنا، كما أن الأقساط لا تُدفع من راتب اليوم فقط، بل تقتطع جزءًا من راتب الغد أيضًا، وكل قرار مالي نتخذه الآن قد يرافقنا شهورًا وربما سنوات.
لذلك، قبل أن توقع على قسط جديد، احسبها جيدًا. فالأقساط لا تشعرك بثقلها في البداية، لكنها تتراكم بهدوء حتى تكتشف أن الجزء الأكبر من دخلك أصبح محجوزًا قبل أن يصل إليك، وأن أول الشهر لم يعد يحمل لدى كثيرين فرحة الراتب، بقدر ما يحمل قائمة طويلة من الالتزامات.
وفي النهاية ليس كل ما تستطيع تقسيطه… تستطيع تحمله

د. محمد سيد إبراهيم يكتب: 30 يونيو.. والتعليم يصنع الجمهورية الجديدة
ايمان ممتاز تكتب: 30 يونيو.. عندما اختار المصريون مستقبلهم
عاطف النمر يكتب: القاهرة 1057





