بالشمع الأحمر

قبل اختراع «التريند»!

إيهاب الحضرى
إيهاب الحضرى


قبل اختراع «التريند»!
بما أننا فى زمن «التريند»، أود أن أطرح عددا من العناوين المثيرة، كفواتح شهية يُمكن أن تشغل أوقات فراغكم الممتدة. بعيدا عن المقدمات الطويلة، هاهى العناوين المقترحة: «الجريمة التى هزت كفر الدوار.. يقتلونه فى أكبر شوارع المدينة بالرصاص.. ثم يُجْهزون عليه بالمِدى والسكاكين». «عجوز مخبولة تلقى بفتاة من النافذة». «تتزوج سيّدها ثم تعتدى على زوجته الأولى»! الفرصة متاحة أمامكم الآن لضخ ما يحلو لكم من تعليقات، دون أن تُفكروا كالعادة فى التعرف على ملابسات كل واقعة وتفاصيلها، فكثيرون منكم سيستعينون على قضاء حكاياتهم بالهذيان، النابع من القدرة على تحفيز الخيال.
عموما، اخترع الإنسان الجريمة منذ طفولة البشرية، ومع ظهور الإعلام صارت صفحات الحوادث محور جذب، نتابع فيها خطايانا على هيئة حكايات، ونبكى على القيم الضائعة، ثم نحمد الله الذى نجانا من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. ظل التفاعل مقصورا على التلقى فى اتجاه واحد، إلى أن ظهرت مواقع التواصل، التى بثّت الجرائم على الهواء مباشرة. نشاهدها وقد تضخمت فينا غدد إفراز التحليلات الهلامية، ومع كثافة البث ساد اعتقاد بأن هناك تحولات كبرى ضربت ثوابتنا الأخلاقية، لكن هل هذا الانطباع حقيقى؟
للرد على السؤال لابد من توضيح مهم، فالعناوين المقترحة فى بداية المقال سبقت اختراع «التريند»، لأنها منتقاة من صفحة حوادث واحدة، نشرتْها جريدة «الأخبار» فى الثامن من يوليو 1952، وبدون ذكر هذا التاريخ القديم، قد يعتقد البعض أن هذه الوقائع حصيلة مجهود مكثف، قام به الشيطان خلال الساعات القليلة الماضية! 
ربما يكون هناك تراجُع بالفعل فى مؤشر القِيم، لكن الجريمة ليست أمرا مستجدا، كل ما فى الأمر أن الإيقاع اللاهث للسوشيال ميديا، أسهم فى التركيز عليها، ورفع مستوى تفاعلنا السطحى معها، عبْر اهتمام مؤقت تنتهى صلاحيته مع ظهور واقعة جديدة، نكتفى خلاله بتفريغ طاقات انفعالاتنا فى تعليقات عبثية، تركز على العَرَض دون علاج المرض، مما يجعل الشيطان يبدو كائنا لا يحتاج للتجديد، لأن بنى آدم لا يكلفونه عناء بذل جهد فى ابتكار أساليب جديدة للوسوسة!