دخلت بريطانيا مرحلة سياسية جديدة بعد إعلان رئيس الوزراء كير ستارمر استقالته من منصبه، في خطوة تعكس استمرار حالة عدم الاستقرار التي تشهدها البلاد منذ سنوات.
وتأتي الاستقالة بعد أقل من عامين على وصول زعيم حزب العمال البريطاني إلى السلطة إثر فوز انتخابي تاريخي عام 2024، لكنها جاءت وسط ضغوط متزايدة من داخل حزبه ومن المعارضة، فضلاً عن تراجع شعبيته في استطلاعات الرأي.
اقرأ أيضًا| كير ستارمر يغالب دموعه في خطاب الوداع الأخير أمام «داونينج ستريت»
كما تعيد هذه الخطوة تسليط الضوء على ظاهرة التغيير المتكرر في قيادة الحكومة البريطانية، حيث أصبحت رئاسة الوزراء خلال العقد الأخير واحدة من أكثر المناصب تقلبا في الحياة السياسية البريطانية، في ظل تحديات اقتصادية وأمنية ودولية متلاحقة، كان من أبرزها تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية وتكاليف الدعم الغربي لكييف.
ومنذ قليل، أعلن رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر استقالته من منصبه، ليصبح سادس رئيس حكومة بريطاني يغادر السلطة خلال العقد الأخير، والرابع منذ اندلاع العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا وما تبعها من توترات سياسية وأمنية داخل أوروبا.
وأوضح ستارمر أنه سيواصل أداء مهامه بشكل مؤقت إلى حين انتهاء إجراءات اختيار رئيس جديد للحكومة وزعيم جديد لحزب العمال، مشيرا إلى أن باب الترشح لخلافته سيفتح في التاسع من يوليو المقبل.
وتأتي هذه الخطوة بعد أشهر من الضغوط السياسية المتزايدة التي تعرض لها من نواب داخل حزب العمال، إلى جانب تصاعد هجمات حزب الإصلاح بقيادة نايجل فاراج، فضلاً عن تراجع مستويات التأييد الشعبي لحكومته.
رئيس الوزراء رقم 100 في تاريخ بريطانيا
يمثل ستارمر محطة خاصة في التاريخ السياسي البريطاني، إذ يعد رئيس الوزراء رقم 100 منذ نشأة المنصب بصورته الحديثة.
وبحسب السجلات التاريخية، أمضى ستارمر عاما و328 يوما في رئاسة الحكومة البريطانية، ليحتل المرتبة الثالثة والأربعين ضمن قائمة رؤساء الوزراء الأطول بقاءً في المنصب.
ورغم أن فترة حكمه لم تكن طويلة مقارنة ببعض أسلافه، فإنها جاءت في مرحلة شهدت تحديات داخلية وخارجية معقدة، جعلت ولايته واحدة من أكثر الفترات السياسية حساسية في السنوات الأخيرة.
من هم أطول رؤساء الحكومات بقاءً في المنصب؟
يظل السير روبرت والبول صاحب أطول فترة في رئاسة الحكومة البريطانية، بعدما قاد البلاد لمدة 20 عاما و314 يوما بين عامي 1721 و1742.
ويأتي بعده ويليام بيت الأصغر الذي أمضى 18 عاما و343 يوما في المنصب خلال فترتين مختلفتين.
كما تضم القائمة أسماء بارزة مثل إيرل ليفربول الذي حكم 14 عاما و305 أيام، وماركيز سالزبوري الذي أمضى أكثر من 13 عاماً في الحكم، إضافة إلى ويليام إيوارت جلادستون الذي استمر في المنصب أكثر من 12 عاما.
وتكشف استقالة ستارمر عن استمرار حالة الاضطراب السياسي التي تعيشها بريطانيا منذ استفتاء الخروج من الاتحاد الأوروبي عام 2016.
فمنذ ذلك التاريخ، تعاقب على رئاسة الحكومة سبعة رؤساء وزراء خلال عشر سنوات فقط، وهو معدل غير معتاد في الحياة السياسية البريطانية التي اشتهرت تاريخيا بالاستقرار النسبي في القيادة التنفيذية.
ويرى مراقبون أن تداعيات "بريكست"، والأزمات الاقتصادية المتلاحقة، ثم الحرب الروسية الأوكرانية، كلها عوامل ساهمت في تسريع وتيرة التغيير السياسي داخل لندن.
كاميرون.. بداية سلسلة الاستقالات
كان ديفيد كاميرون أول ضحايا مرحلة ما بعد "بريكست"، إذ استقال عام 2016 بعدما أخفق في إقناع الناخبين بالتصويت لصالح البقاء داخل الاتحاد الأوروبي.
وجاءت استقالته مباشرة بعد نتيجة الاستفتاء التي شكلت نقطة تحول كبرى في السياسة البريطانية.
تيريزا ماي وفشل تمرير اتفاق الخروج
خلفت تيريزا ماي كاميرون، لكنها واجهت صعوبات كبيرة في تمرير اتفاق الخروج من الاتحاد الأوروبي داخل البرلمان.
وبعد ثلاث محاولات فاشلة لإقرار الاتفاق، اضطرت إلى الاستقالة عام 2019، في واحدة من أكثر الأزمات السياسية تعقيدا في تاريخ بريطانيا الحديث.
بوريس جونسون وفضيحة "بارتيجيت"
تولى بوريس جونسون السلطة عام 2019، لكنه واجه سلسلة أزمات انتهت باستقالته في يوليو 2022.
وجاءت استقالته عقب موجة استقالات جماعية داخل حكومته شملت نحو 50 وزيرا ومسؤولاً، على خلفية فضيحة "بارتيجيت" المتعلقة بإقامة تجمعات داخل مقر الحكومة خلال فترة الإغلاق المرتبطة بجائحة كورونا.
كما أصبح أول رئيس وزراء بريطاني يتعرض لغرامة قانونية أثناء وجوده في المنصب.
ليز تراس.. أقصر فترة حكم في تاريخ بريطانيا
دخلت ليز تراس التاريخ من باب مختلف، بعدما أصبحت صاحبة أقصر فترة رئاسة حكومة في بريطانيا.
فقد استمرت في المنصب 44 يوماً فقط، قبل أن تستقيل إثر أزمة مالية حادة اندلعت بعد إعلان خطة خفض ضريبي غير ممولة، ما تسبب في تراجع الجنيه الإسترليني واهتزاز ثقة الأسواق.
ريشي سوناك وهزيمة المحافظين
تولى ريشي سوناك المسؤولية في محاولة لاستعادة الاستقرار، لكنه غادر منصبه عقب الانتخابات العامة في يوليو 2024.
وجاءت استقالته بعد الخسارة الكبيرة التي تعرض لها حزب المحافظين أمام حزب العمال بقيادة ستارمر، معترفاً آنذاك بأن الناخبين طالبوا بتغيير المسار السياسي للحكومة.
ستارمر.. من انتصار تاريخي إلى استقالة مبكرة
وصل ستارمر إلى السلطة بعد فوز انتخابي كاسح أعاد حزب العمال إلى الحكم لأول مرة منذ سنوات.
لكن حكومته واجهت سريعا تحديات اقتصادية واجتماعية متراكمة، إلى جانب ملفات السياسة الخارجية والأمن الأوروبي، ما أدى إلى تراجع شعبيته تدريجياً وانتهاء ولايته بالاستقالة بعد أقل من عامين.
ويرى مراقبون أن استقالة ستارمر لا تعكس أزمة شخصية أو حزبية فقط، وتكشف عن أزمة أوسع في بنية النظام السياسي البريطاني.
فقد شهدت بريطانيا ستة رؤساء حكومات خلال أقل من عشر سنوات، وهو معدل دوران لم تشهده البلاد منذ ما يقرب من قرنين، ما دفع أصواتاً سياسية وأكاديمية للمطالبة بإصلاحات مؤسسية تحد من تكرار هذه الظاهرة.
تداعيات الحرب في أوكرانيا على السياسة البريطانية
وجاءت استقالة كير ستارمر أيضا في ظل تداعيات مستمرة لـ الحرب الروسية الأوكرانية، التي تركت بصماتها على المشهد السياسي البريطاني منذ عام 2022.
فقد كانت لندن من أبرز الداعمين لكييف سياسيا وعسكريا وماليا، وهو ما انعكس على أولويات الإنفاق الحكومي والملفات الاقتصادية الداخلية.
كما ساهمت الحرب في زيادة الضغوط على الموازنة العامة، وتسريع برامج التسلح والإنفاق الدفاعي، فضلاً عن بروز نقاشات داخل الأحزاب البريطانية بشأن حجم الدعم المقدم لأوكرانيا وآثاره على الاقتصاد المحلي.
سباق جديد على داونينج ستريت
ومع فتح باب الترشح لخلافة ستارمر خلال الأسابيع المقبلة، تدخل بريطانيا مرحلة سياسية جديدة قد تحدد شكل الحكومة واتجاهاتها خلال السنوات المقبلة.
وتتجه الأنظار إلى هوية الزعيم القادم لحزب العمال وقدرته على استعادة ثقة الناخبين، في وقت تواجه فيه البلاد تحديات اقتصادية وأمنية متشابكة، وسط تساؤلات متزايدة حول ما إذا كانت لندن قادرة على استعادة الاستقرار السياسي الذي افتقدته خلال السنوات الأخيرة.
اقرأ أيضًا| كير ستارمر يعلن استقالته من رئاسة الحكومة البريطانية









نجاح أولى جولات التفاوض بين واشنطن وطهران.. خارطة طريق لاتفاق نهائي خلال 60 يوم
وكالة «تسنيم»: الرئيس الإيراني يزور باكستان غدًا
النائب البريطاني آندي بيرنام يعلن عزمه الترشح لمنصب رئيس الوزراء





