تحولت ظاهرة «البودى جارد» من وسيلة مشروعة للحماية، إلى ممارسات استفزازية تثير التساؤلات، وفى كثير من المناسبات العامة والحفلات والمطاعم والمراكز التجارية، أصبح من المعتاد مشاهدة استعراض أصحاب الكتل الجسدية الضخمة، وهم يحيطون ببعض المشاهير أو رجال الأعمال أو حتى أشخاص عاديين، أكثر من توفير الحراسة الفعلية.
ورغم أن القانون يتصدى لجرائم البلطجة واستعراض القوة، فإن المنظومة التشريعية الحالية، تعانى من فراغ فيما يتعلق بتنظيم حراسة الأشخاص، القانون لا يتضمن نصوصًا تفصيلية وصريحة، تحدد شروط ممارسة مهنة الحراسة الشخصية، وآليات الترخيص والرقابة عليها، وهو ما أوجد «منطقة رمادية» تسمح للبعض بممارسة هذا النشاط تحت مسميات ملتوية، لأنه لا توجد فى الأصل وظيفة تُكتب فى البطاقة اسمها «بودى جارد».
المشكلة لا تتعلق فقط بوجود حراس غير مرخصين، وإنما من ممارسات تتجاوز حدود الحماية، إلى فرض السيطرة على الأماكن العامة وإغلاقها، وإعاقة حركة المواطنين، والتعامل مع الآخرين باعتبارهم أقل أهمية، وهذه السلوكيات تخلق شعورًا بأن النفوذ أصبح بحجم العضلات، وهو أمر يتعارض مع مبادئ المساواة وسيادة القانون.
ولا خلاف على أن «بعض» الشخصيات، قد تكون بحاجة فعلية إلى إجراءات حماية خاصة، بسبب طبيعة عملها أو تعرضها لمخاطر حقيقية، لكن الحماية لا تُقاس بالمظاهر الاستعراضية، وإنما بالكفاءة والانضباط والالتزام بالقانون، فالحارس المحترف هو من يؤمن الشخص المكلف بحمايته، دون أن يعتدى على حقوق الآخرين، أو يثير القلق فى الأماكن العامة.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى تدخل تشريعى حاسم، لتنظيم هذا الملف بصورة واضحة، ليس منعا للحراسة الشخصية بشكل مطلق، وإنما تقنينها وفق ضوابط صارمة، تحدد من يحق له الاستعانة بحارس شخصى، والشركات المصرح لها بتقديم هذه الخدمة، وبرامج التدريب والتأهيل المطلوبة، وإخضاعها لرقابة مستمرة ومساءلة قانونية، تحت الإشراف الكامل لوزارة الداخلية.
ويبدو ضروريًا وجود نصوص عقابية مستقلة، تجرم إنشاء أو تشغيل مجموعات حراسة خاصة خارج الإطار القانوني، وتجريم استخدام الحراس فى ترهيب المواطنين أو تقييد حركتهم، أو فرض النفوذ داخل الأماكن العامة، وأن تمتد المسئولية القانونية إلى الطرفين معا، الحارس والشخص الذى يستعين به، لأن كليهما شريك فى المخالفة.
وقد يكون ضروريا، حظر ارتداء أى زى يوحى بصفة رسمية أو جهة ضبطية، ومنع حمل الأدوات الهجومية والصواعق والكلاب الشرسة، داخل التجمعات المدنية، وإلزام الفنادق والكافيهات والقرى السياحية، بعدم السماح بممارسة أى أعمال حراسة شخصية خارج الإطار القانونى، وتحميل المنشآت المسئولية حال التساهل مع هذه الممارسات.
تنظيم سوق الحراسة الشخصية لم يعد ترفًا تشريعيًا، بل ضرورة تفرضها اعتبارات الأمن العام واحترام القانون، فدولة القانون لا يمكن أن تسمح بوجود مساحات رمادية، تُمارس فيها القوة بعيدا عن الضوابط، والحل ليس فى ترك الظاهرة تتوسع، وإنما فى إخضاعها لقواعد واضحة، تفرق بين الحماية المشروعة واستعراض القوة، وتحفظ للمواطن حقه فى استخدام الأماكن العامة، دون خوف أو تضييق.

نوال مصطفى تكتب: صباح الأحد
التغيير للأفضل
المركز الطبى العالمى







