كتبت: دينا الأدغم
يشهد حلف شمال الأطلسي (الناتو) مرحلة جديدة من التحولات الاستراتيجية وسط تصاعد التحديات الأمنية العالمية، حيث تتزايد الضغوط الأمريكية على الدول الأوروبية لرفع مساهماتها الدفاعية، بالتزامن مع استعدادات مكثفة لعقد قمة الحلف المرتقبة في العاصمة التركية أنقرة خلال يوليو المقبل.
منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لعبت الولايات المتحدة دورًا محوريًا في حماية الأمن الأوروبي من خلال حلف شمال الأطلسي، الذي تحول إلى أحد أهم التحالفات العسكرية في التاريخ الحديث.
وقد أسهم هذا التعاون في توفير مظلة أمنية مكّنت الدول الأوروبية من التركيز على التنمية الاقتصادية والاجتماعية، بينما ظلت واشنطن تتحمل جزءًا كبيرًا من الأعباء الدفاعية.
لكن السنوات الأخيرة شهدت تصاعد التساؤلات حول مدى استدامة هذا النموذج، خاصة مع تغير الأولويات الأمريكية وتزايد الاهتمام بمنطقة آسيا والمحيط الهادئ، فضلًا عن تنامي المخاوف الأوروبية من احتمالات تغير السياسات الأمريكية مع كل دورة انتخابية جديدة.
يرى أنصار الاستقلال الاستراتيجي أن أوروبا بحاجة إلى امتلاك أدواتها الدفاعية والاقتصادية والتكنولوجية الخاصة، بما يمنحها قدرة أكبر على اتخاذ قراراتها بعيدًا عن الضغوط الخارجية. ويعتقد هؤلاء أن القارة لا يمكنها أن تبقى رهينة للتقلبات السياسية الدولية، وأن بناء قوة أوروبية مستقلة أصبح ضرورة تفرضها طبيعة المرحلة الراهنة.
في المقابل، يحذر آخرون من أن السعي إلى تقليص العلاقة مع الولايات المتحدة قد يؤدي إلى نتائج عكسية، خصوصًا في ظل استمرار التهديدات الأمنية على حدود أوروبا الشرقية، وتصاعد المنافسة الدولية مع قوى كبرى مثل روسيا والصين.
◄ اقرأ أيضًا | خبير علاقات دولية: أمريكا وإيران تعلنان الانتصار.. لكن الواقع يكشف خسائر الطرفين
وفي أحدث التطورات بحسب ما ذكره موقع مجلة ذا "ناشونال إنتريست الأمريكي "، أكدت واشنطن أنها تتوقع من الحلفاء الأوروبيين وكندا زيادة مساهماتهم العسكرية، خاصة في مجالي القوات الجوية والبحرية، في إطار توجه أمريكي لإعادة توزيع بعض القدرات العسكرية والتركيز على أولويات استراتيجية أخرى حول العالم.
ويأتي ذلك في ظل مطالب متكررة بضرورة أن تتحمل أوروبا مسؤولية أكبر في الدفاع عن القارة.
في عالم تتسارع فيه التحولات الجيوسياسية وتتغير فيه موازين القوى الدولية، تجد أوروبا نفسها أمام اختبار تاريخي يتعلق بمستقبل أمنها ودورها العالمي. فبينما تتصاعد الدعوات داخل بعض العواصم الأوروبية للابتعاد عن المظلة الأمريكية وتحقيق ما يُعرف بـ«الاستقلال الاستراتيجي»، يرى عدد من الخبراء والمفكرين الغربيين أن المشكلة الحقيقية لا تكمن في وجود الولايات المتحدة داخل المعادلة الأوروبية، بل في غياب أوروبا القوية القادرة على تحمل مسؤولياتها الأمنية والسياسية.
ويؤكد أصحاب هذا الاتجاه أن العلاقة عبر الأطلسي لم تكن يومًا علاقة تبعية مطلقة، بل شراكة أسهمت لعقود طويلة في حفظ الاستقرار الأوروبي بعد الحرب العالمية الثانية. إلا أن المتغيرات الدولية الأخيرة، وفي مقدمتها الحرب الروسية الأوكرانية وتصاعد النفوذ الصيني والتحديات الاقتصادية المتلاحقة، كشفت حجم الفجوة بين الطموحات الأوروبية وقدراتها الفعلية على الأرض.
ويرى محللون أن أوروبا تمتلك إمكانات اقتصادية وصناعية وعسكرية ضخمة، لكنها لا تزال تعاني من التشتت في السياسات الدفاعية وغياب الإرادة السياسية الموحدة. فالقارة تضم جيوشًا متطورة وشركات دفاع عالمية، إلا أن قدراتها ما زالت تعتمد بدرجات متفاوتة على البنية العسكرية والاستخباراتية الأمريكية، وهو ما يجعل الحديث عن استقلال كامل أمرًا معقدًا في المدى القريب.
ومن هذا المنطلق، يذهب المقال إلى أن أوروبا لا تحتاج إلى «أمريكا أقل»، بل إلى «أوروبا أكثر»؛ أي أوروبا أكثر وحدة وتنسيقًا وقدرة على اتخاذ القرار، وأكثر استعدادًا لتحمل أعباء الدفاع والأمن الجماعي. فالقضية ليست في تقليص الدور الأمريكي بقدر ما هي في تعزيز الدور الأوروبي داخل التحالف الغربي نفسه.
كما يشير العديد من الخبراء إلى أن بناء قوة أوروبية أكثر استقلالية لا يعني القطيعة مع الولايات المتحدة أو حلف شمال الأطلسي، بل إعادة توزيع الأدوار داخل الشراكة عبر الأطلسي، بحيث تصبح أوروبا شريكًا أكثر قوة وتأثيرًا بدلًا من الاعتماد شبه الكامل على القدرات الأمريكية.
وفي ظل النقاشات المتزايدة حول مستقبل الأمن الأوروبي، تبرز فكرة إنشاء منظومة دفاعية أوروبية أكثر تكاملًا، وربما جيش أوروبي مشترك، باعتبارها أحد المسارات المطروحة لتعزيز مكانة القارة في النظام الدولي الجديد. غير أن تحقيق هذا الهدف يتطلب توافقًا سياسيًا واسعًا واستثمارات ضخمة وإرادة جماعية تتجاوز الخلافات التقليدية بين الدول الأوروبية.
ويُعد الجدل الدائر اليوم داخل أوروبا لا يتعلق فقط بمستقبل العلاقة مع الولايات المتحدة، بل بمستقبل المشروع الأوروبي ذاته. فكلما ازدادت قدرة أوروبا على توحيد مواقفها وتعزيز قوتها الذاتية، أصبحت أكثر قدرة على حماية مصالحها والتعامل مع التحديات الدولية كشريك فاعل لا كطرف يعتمد على الآخرين.
ومن هنا تنبع الرسالة الأساسية للمقال: إن قوة أوروبا لا تتحقق بالابتعاد عن واشنطن، وإنما ببناء أوروبا أكثر تماسكًا وثقة وقدرة على القيادة.

خرافة الثروة الخيالية.. جرائم المستريحين تسرق أموال المخدوعين
«الأمن البيولوجي» مصر تتحرك لمواجهة الأوبئة
بودكاست 20+| يسري أبو شادي يكشف أسرار «ترسانة الرعب» والاختراق الأمريكي للطاقة الذرية







