علي عبد الحفيظ يكتب: الأزهر الشريف ووأد الفتنة

علي عبد الحفيظ
علي عبد الحفيظ


العفو والصلح فى قضايا الدم ليس مجرد عُرف، بل تطبيق عملى لقوله تعالى: «وَالصُّلْحُ خَيْرٌ»، والأزهر الشريف يلعب دورًا محوريًا لا يُمكن تجاهله أو إنكاره فى تحويل هذا المبدأ إلى واقعٍ ملموس على الأرض؛ من خلال لجانه الدائمة للمصالحات، والتدخّل المباشر من قِبل مولانا فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر د. أحمد الطيب، حيث أنقذ مئات الأرواح، وأغلق عشرات الخصومات الثأرية.

الأزهر الشريف تحت رعاية مولانا فضيلة الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر وإمام المسلمين، يتعامل مع ملف «الثأر» كقضية شرعية ووطنية..

هذا ما وضح جليًا فى أعقاب أزمة أسوان عام 2014، بعد مقتل 20 شخصًا فى نزاع بين قبيلتى «الدابودية وبنى هلال»، وهنا تدخل الأزهر الشريف مباشرة، وأرسل مولانا فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر وفدًا من كبار العلماء، وتم الصلح وقَبل الطرفان تحكيم الأزهر الشريف، هذا الصلح الذى وُصف بأنه «صلح عالمي»، ولولاه لهددت الفتنة أمن مصر من ناحية الجنوب.

بعد نجاح صلح أسوان، أنشأ الإمام الأكبر «اللجنة العليا للمصالحات»، وهى لجنة دائمة برئاسة مولانا فضيلة الأستاذ الدكتور عباس شومان - الأمين العام لهيئة كبار العلماء؛ للتدخل فى كل الخصومات الثأرية على مستوى الجمهورية خاصة فى الصعيد؛ لوقف نزيف الدماء، وإنهاء خصومات مُتوارثة تمتد لسنوات، وإعادة الاستقرار للأُسر بالمراكز والقرى والنجوع والكفور. 

ولقد نجحت جهود ومساعى الأزهر الشريف بقيادة الأستاذ الدكتور عباس شومان، وتحت إشراف مولانا فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر فى وأد الفتنة ومنع سلسال الدم فى مركز أبنوب بمحافظة أسيوط، وقبول أصحاب «الدم» الصلح والعفو لوجه الله تعالى، وتقديرًا للأزهر الشريف وشيخه الإمام الأكبر. 

إن ما يفعله الأزهر يُمثِّل «ملحمة بطولية فى الإصلاح» لإنهاء الخصومات الثأرية وحقن الدماء ووأد الفتنة؛ حماية للأرواح وترسيخًا للأمن، فضلًا عن نشر ثقافة التسامح، والتركيز على قيم العفو والصلح ونبذ العادات الجاهلية.

العفو والتسامح من مُوجبات محبة الله تعالى لعبده ورجاء مغفرته والقرب من تقواه، تصديقًا لقوله تعالى: «وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ»، وقوله تعالى: «وَأَن تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى»، وقوله: «وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ». 

 وهو أيضًا دفعٌ للسيئة بالحسنة «ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ»، فجزاء العفو وأجره متروكٌ لله سبحانه وتعالى تصديقًا لقوله في محكم التنزيل: «وَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ»؛ ولعل الأجر هنا مفتوح الثواب، لأن الموقف عظيم.

كما أن العفو يزيد صاحبه عزًا، كما جاء في قول الصادق الأمين سيدنا ومولانا محمد - صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم-: «ما زاد الله عبدًا بعفوٍ إلا عزًا»، وقوله فيما رواه أبو داود: «صلح ذات البين أفضل من عامة الصلاة والصيام»، أي أن الصلح بين المتخاصمين أعظم من نوافل العبادات من صلاة وصيام.

وورد في سنن أبى داود والترمذى عن سيدنا ومولانا رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - أنه قال: «من كظم غيظًا وهو قادر على أن يُنفذه، دعاه الله على رؤوس الخلائق يوم القيامة حتى يُخيّره من الحور العين ما شاء».. وهكذا يكون جزاء العفو أمام الأشهاد يوم القيامة.

إن الأزهر الشريف ليس مجرد مؤسسة تعليمية فحسب، بل هو منارة وسطية يمتد عطاؤها لأكثر من 1000 سنة، تصحيحًا للمفاهيم ونشرًا لصورة الإسلام السمحة فى العالم، فهو القائم على المنهج الوسطى المتوازن الذى يجمع بين العلوم الشرعية وسائر العلوم والأمور العلمية والدنيوية.

وهكذا يظل الأزهر الشريف وعلماؤه جيلًا بعد جيل وسلفًا لخلف وصولًا لمولانا فضيلة الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور أحمد الطيب - أطال الله لنا فى عمره- يواصل دوره التنويرى فى رأب الصدع وتصحيح المفاهيم ونشر رسالة السلام والمحبة بين جميع أطياف وطوائف الشعب المصرى.