بيزنس «الروقان»| أسرار انتعاش تجارة البن فى مصر.. وزيادة ضخمة بالاستيراد

80 ألف طن بن حجم الاستيراد السنوى.. والفاتورة 25 مليار جنيه!!
80 ألف طن بن حجم الاستيراد السنوى.. والفاتورة 25 مليار جنيه!!


أصبح لافتًا انتشار سلاسل مطاحن ومحلات بيع البن فى مصر، إلى الحد الذى تحولت فيه علامة تجارية شهيرة جدًا لبيع الحلويات الشرقية والغربية لافتتاح فروع لتقديم القهوة بأصنافها!!،

وهو ما يعكس وضع فنجان القهوة فى منظومة الاقتصاد المصرى الذى لم يكتف بكونه مشروبًا صباحيًا ذا نكهة خاصة، بل تحوَّل خلال السنوات القليلة الماضية إلى صناعة ضخمة وتجارة عابرة للقارات وللطبقات فى مصر.

وبين زقاق ضيق تفوح منه رائحة البن المحوج فى مطحنة قديمة، وسلاسل عصرية تتلألأ واجهاتها بأرقى أحياء القاهرة، يعيش سوق البن فى مصر طفرة غير مسبوقة، ومع انتشار هذه التجارة كالنار فى الهشيم، يبرز السؤال الجوهرى: هل بدأنا بالفعل فى جنى ثمار تجارب زراعة البن محليًا، أم أننا أمام امبراطورية تجارية تقوم بالكامل على الاستيراد والتحميص، لترضى شغف المصريين بـ «السمراء المفتونة».

شهدت السنوات الأخيرة تحولًا جذريًا فى ذوق المستهلك المصرى، حيث انتقل الاهتمام من «البن التقليدى» المعتاد إلى عالم «القهوة المتخصصة»، التى تعتمد على معايير دقيقة فى الزراعة والتحميص، هذا التحول خلق طلبًا متزايدًا على أنواع فاخرة من حبوب «أرابيكا» و«روبوستا»، وأصبح المستهلك يبحث عن فروق المذاق بين المناشئ المختلفة، سواء كانت من مزارع البرازيل وكولومبيا وكوستاريكا وبوليفيا، أو القهوة ذات الإيحاءات الفاكهية من إندونيسيا وإثيوبيا، مما دفع المحامص المحلية لتطوير أدواتها لمواكبة هذه الطفرة.

وعلى أرصفة الشوارع الرئيسية وفى الميادين، باتت «عربة القهوة» أو «المقهى الصغير» هى الواجهة الأبرز لمشاريع الشباب الجديدة، وتحوَّل هذا القطاع إلى المشروع الأول الذى يلجأ إليه الخريجون لبدء مسيرتهم العملية، نظرًا لانخفاض تكاليف التأسيس مقارنة بالمطاعم الكبرى، وسرعة دوران رأس المال.

فاتورة الاستيراد

كشف حسن فوزى، رئيس شعبة البن بغرفة القاهرة التجارية، فى تصريحات خاصة لجريدة الأخبار، عن أرقام تعكس «طفرة» غير مسبوقة فى حجم الاستهلاك المحلي،حيث قفز استيراد مصر من البن من 6 آلاف طن فقط فى عام 2004، ليصل حاليًا إلى نحو 80 ألف طن سنويًا، مؤكدًا أن هذا الفارق الشاسع يؤكد أن القهوة أصبحت «المشروب الرسمى» فى كل شارع وزقاق، بعد أن سحبت البساط من الشاى والأعشاب التقليدية، مدفوعة بزيادة إقبال الأجيال الجديدة.

وأشار إلى أن مصر تعتمد فى تدبير كميات البن على الاستيراد بنسبة 100٪، وتتصدر إندونيسيا قائمة الدول الموردة بنسبة تتجاوز 60٪ من إجمالى الاستهلاك، نظرًا لتميّز البن الإندونيسى بـ «القوام» الذى يفضِّله المصريون، تليها فيتنام، البرازيل، كولومبيا، وأوغندا، بالإضافة إلى الهند التى تحتل المرتبة الرابعة عالميًا فى الإنتاج.

وأوضح رئيس شعبة البن، أن سعر البن عالميًا يتراوح بين 4500 إلى 7500 دولار للطن، وبإجراء حسبة بسيطة، فإن الحد الأدنى لفاتورة الاستيراد لحوالى 80 ألف طن بن سنويًا، هو 360 مليون دولار، والحد الأقصى 600 مليون دولار سنويًا ما يعادل 31 مليارًا و770 مليون جنيه مصرى، أما متوسط الفاتورة فبلغ 480 مليون دولار، ما يعادل 25 مليارًا و416 مليون جنيه.

ثورة «الكابتشينو والموكا»

وأشار إلى أنه لم يعد «فنجان القهوة السادة» هو الخيار الوحيد، فمع تغيّر ثقافة الأجيال، انتشرت «المقاهى المتخصصة» التى تتنافس فى تقديم خلطات مبتكرة «موكا، كابتشينو، لاتيه»، لاستقطاب فئات عمرية جديدة، هذا التنافس دفع سلاسل المحلات إلى الإبداع فى «توليفات» خاصة تدمج بين المذاق التقليدى وعصرية التقديم، مضيفًا أن استهلاك البن يقل فى الصيف بمعدل 25٪..

وفيما يخص جودة المنتج، شدد رئيس الشعبة، على وجود مواصفات قياسية صارمة تمنع الغش التجارى أو خلط البن بمواد غريبة، وأوضح أن الإضافات المسموح بها هى التى يطلبها العميل صراحة مثل «الحبهان» أو «القرنفل»، أما ما دون ذلك فيُعد مخالفة يحاسب عليها القانون، مؤكدًا أن الرقابة تضمن وصول منتج نقى للمستهلك.

بورصة الأسعار

وأوضح رئيس شعبة البن، أن سعر كيلو البن السادة يبلغ 520 جنيهًا مصريًا للبن السادة، و680 للبن المحوج، وطمأن فوزى المستهلكين بوجود مخزون استراتيجى يوفر البن حاليًا بأسعار «قديمة» بعيدًا عن تقلبات الاستيراد، وأن سعره ثابت منذ 6 شهور، لكنه توقع أن يبدأ تأثر المخزون خلال شهرين تقريبًا، وفى حال استمرار أزمات الشحن أو الاستيراد، قد تشهد الأسعار زيادة تتراوح بين 10٪ إلى 15٪ حسب مستجدات السوق العالمية.
حلم «البن المصرى»

وعن إمكانية زراعة البن محليًا لتوفير ملايين الدولارات، أوضح فوزى، أن شجر البن يحتاج لمناخ استوائى «حرارة ورطوبة مرتفعة» المتوفر بدول جنوب شرق آسيا وأمريكا اللاتينية، ومع ذلك، هناك محاولات جادة تباشرها وزارة الزراعة حاليًا فى مناطق بالإسماعيلية، القناطر، والصعيد، لتوفير تربة تحاكى هذه الظروف، وهى تجارب فى حال نجاحها ستوفر ملايين الجنيهات، وستمثل نقلة تاريخية فى اقتصاديات «المزاج» بمصر.

من جانبه أكد محمود جمال سعيد الباحث الاقتصادى ومتخصص أسواق المال، أن التوسع الكبير فى سلاسل الكافيهات والمحامص فى مصر ليس مجرد «استهلاك للدولار»، فالأثر الاقتصادى يُقاس بالقيمة المضافة محليًا، ورغم استيراد البن الأخضر بالكامل، فإن ما يحدث له بالداخل هو المحك، إذ تحول القطاع إلى جزء من اقتصاد الخدمات الحديث، يولد فرص عمل، وينشط مجالات النقل، التغليف، والتجهيزات، فضلًا عن مساهمته الضريبية.

وأشار إلى أنه فى المقابل، يهدد التوسع العشوائى بتحويله إلى نشاط استهلاكى يستنزف العملة الصعبة دون عائد متوازن، وأن الفارق الحقيقى هنا يكمن بين «مقهى يبيع منتجًا مستوردًا» و«صناعة محلية تبنى علامة تجارية وتصدّر»، لتخلق قيمة اقتصادية فعلية بدلاً من الاقتصار على بيع مشروبات مرتفعة السعر.

أما عن زراعة البن فى مصر، فالأمر يحمل بُعدًا استراتيجيًا لا اقتصاديًا سريعًا، فمحاكاة المناخ الاستوائى تتطلب تكاليف مرتفعة وبيئة دقيقة من رطوبة وظل، مما يجعل الرهان الأكثر واقعية ليس إحلال الواردات، بل تطوير تجارب محدودة وعالية الجودة تخدم الأسواق المتخصصة.

فى النهاية، المعادلة الأهم ليست «هل نستورد البن؟»، بل «كم قيمة مضافة نصنع بعد استيراده؟»، فالدول الناجحة تبنى حول الاستيراد صناعات وخدمات تولد الدخل والوظائف، وهو ما سيحدد مستقبلًا ما إذا كان هذا القطاع قصة نجاح حقيقية، أم مجرد موجة استهلاكية مؤقتة.