إنها مصر

العقاد والمازنى وهيكل فى زمن «التريند»!

كرم جبر
كرم جبر


إذا جاز لى أن أتساءل: لو عادت اليوم كتابات عباس محمود العقاد، وإبراهيم عبد القادر المازنى، والدكتور محمد حسين هيكل، وغيرهم من فطاحل الأدب والصحافة، فهل تستطيع الصمود أمام طوفان «التريند»، والمحتويات التافهة؟

الإجابة المرة هى أن تلك الأقلام الرصينة، التى هزت عروشًا فكرية فى الماضى، كانت تتوارى خجلًا، فالمحتوى الجاد لم يعد معيارًا للسمو الثقافى والمعرفى، ولا سبيلًا للانتشار، وفرضت وسائل التواصل الاجتماعى معايير جديدة، نسفت القواعد القديمة.

ومفردات المحتوى الجديد «التريند»، لا تعتمد على عمق الفكرة أو جمال الأسلوب، بل الصدمة والإثارة والفضائحية، والابتذال اللفظى والبصرى، وكلما كان المحتوى أكثر تسطيحًا ويخاطب الغرائز، زادت فرص انتشاره، وصار صاحبه نجمًا يشار إليه بـ «الليكات».

المحتويات الجادة تتطلب جهدًا فى الفهم والتأمل، وهو ما يتناقض مع طبيعة العصر الرقمى السريع والكسول.. حل الموبايل بشاشته البراقة محل الكتاب بوقاره وهيبته، و»الإيفيهات» والعبارات الساخرة المبتذلة محل اللغة الراقية، ويعيش المجتمع حالة من «التخدير الفكرى العام»، حيث تصبح التفاهة تصدرًا، والجهل فخرًا، وتضيع الهوية الثقافية، فى صخب مشاهدات زائفة.

فى العقود الماضية كانت الكلمة المكتوبة تحظى بمكانة كبيرة، وكان الكاتب أو الصحفى قادرًا على تشكيل الوعى العام، وإثارة النقاشات الفكرية العميقة، أما اليوم فقد أصبحت المنافسة غير متكافئة، مع المحتوى الترفيهى السريع، الذى يدفع المستخدمين إلى استهلاك كميات هائلة من المعلومات، فتراجعت مساحة التأمل والقراءة المتأنية، لصالح المشاهد القصيرة والعناوين المثيرة.

ولا يمكن فصل هذا التحول عن ثقافة الاستسهال، والبحث عن المكاسب السريعة، وليس الاجتهاد والصبر والعمل الجاد، وكثيرون يبحثون عن الشهرة الفورية والنجاح السريع، حتى لو كان ذلك عبر وسائل لا تقدم قيمة حقيقية للمجتمع، وأصبح عدد المشاهدات والمتابعين، معيارًا للنجاح لدى البعض، بغض النظر عن المضمون.

الدنيا اتغيرت، وبعد أن كان المجتمع ينظر بإعجاب إلى العلماء والمثقفين وأصحاب الإنجازات الحقيقية، أصبح النجوم هم شخصيات مثيرة للجدل والمحتوى السطحى، وعلى الهامش استطاعت بعض المبادرات الثقافية والتعليمية الجادة، الاستفادة من التكنولوجيا الحديثة، للوصول إلى جمهور واسع، إلا أنها تواجه منافسة شرسة من المحتويات الأكثر إثارة.

وينعكس تراجع الاهتمام بالقراءة والمعرفة، على طبيعة اللغة المتداولة بين الناس، حيث تزداد الأحكام السريعة والانفعالات اللحظية، وتتراجع القدرة على الحوار الهادئ والنقاش العقلانى، وكانت النتيجة هى إضعاف الوعى العام، وتراجع الاهتمام بالقضايا الفكرية، التى تشكل أساس تقدم المجتمعات.

ومواجهة هذه الظاهرة لا تكون بالبكاء على الماضى الذى لن يعود، ولا بمعاداة التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعى، وإنما بمبادرات إيجابية، «ترد اعتبار» الإبداع الحقيقى، وتشجيع المحتوى الهادف، الذى يجمع بين الجودة والقدرة على الوصول إلى الجمهور.. وتبقى الحاجة قائمة إلى التوازن الذى يحفظ للثقافة مكانتها، وللكلمة قيمتها، وللإنسان قدرته على التفكير والتأمل.