وقد تجلى هذا التوافق بوضوح خلال السنوات الأخيرة، عندما أكدت الصين دعمها لاختيارات الشعب المصرى عقب ثورة الثلاثين من يونيو
مع انطلاق العقد الثامن للعلاقات المصرية الصينية، لا نحتفل فقط بمرور سبعين عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وإنما نستحضر أيضًا قصصًا استثنائية من الثقة المتبادلة والتفاهم السياسى والتقارب الحضارى بين دولتين تمثلان اثنتين من أعرق حضارات الإنسانية. فعلى مدى سبعة عقود كاملة، أثبتت العلاقات المصرية الصينية قدرتها على تجاوز المتغيرات الدولية والأزمات الإقليمية واختلاف موازين القوى العالمية، لتبقى العلاقة بين القاهرة وبكين نموذجًا نادرًا لعلاقة استراتيجية قائمة على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة والدعم المتبادل فى القضايا المصيرية.
لم تكن العلاقات بين القاهرة وبكين وليدة قرار دبلوماسى اتخذ فى الثلاثين من مايو 1956، بل سبقتها إرهاصات سياسية وفكرية مهمة تجسدت خلال مؤتمر باندونج التاريخى الذى انعقد فى الفترة من 18 إلى 24 أبريل 1955، حين التقى الزعيم المصرى جمال عبد الناصر ورئيس مجلس الدولة الصينى شو إن لاى فى باندونج، وتبادلا الرؤى حول مستقبل العلاقات بين البلدين، وقد وصف الزعيم الراحل جمال عبد الناصر مؤتمر باندونج بأنه وضع الأساس الحقيقى لانطلاق العلاقات المصرية الصينية الحديثة.
وفى وقت كانت فيه الصين الشعبية تواجه عزلة دولية ومحاولات حثيثة لإقصائها عن المجتمع الدولى، اتخذت مصر موقفًا شجاعًا ومستقلًا. ففى 18 مايو 1956 بعث «شو إن لاى» برسالة إلى الرئيس جمال عبد الناصر رحب فيها بقرار مصر إقامة العلاقات الدبلوماسية مع الصين الشعبية، وفى 30 مايو 1956 أصدرت حكومتا البلدين البيان المشترك بإقامة العلاقات الدبلوماسية على مستوى السفراء، لتصبح مصر أول دولة عربية وإفريقية تعترف بجمهورية الصين الشعبية.
ولم يقتصر الدعم المصرى على الاعتراف الدبلوماسى المبكر، بل امتد لعقود طويلة من المساندة السياسية للصين فى المحافل الدولية. فقد دعمت القاهرة حق بكين فى تمثيل الصين داخل الأمم المتحدة، وساندت استعادة جمهورية الصين الشعبية لمقعدها الشرعى فى المنظمة الدولية عام 1971، كما التزمت مصر على الدوام بمبدأ الصين الواحدة ورفضت أى محاولات للمساس بوحدة الأراضى الصينية أو الاعتراف بتايوان ككيان مستقل، وظل هذا الموقف ثابتًا فى السياسة الخارجية المصرية حتى يومنا هذا، باعتباره موقفًا مبدئيًا يقوم على احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها.. ولم تنس الصين الموقف المصرى التاريخى. فعندما أعلن الرئيس جمال عبد الناصر تأميم شركة قناة السويس فى 26 يوليو 1956، سارعت بكين إلى تأييد القرار المصرى واعتبرته حقًا سياديًا مشروعًا. وأكد الزعيم الصينى «ماو تسى تونج» أن الصين حكومة وشعبًا ستدعم بكل ما فى وسعها نضال الشعب المصرى من أجل حماية سيادته الوطنية على قناة السويس.
وعندما تعرضت مصر للعدوان الثلاثى فى أكتوبر 1956، وقفت الصين إلى جانبها بكل وضوح، وفى الأول من نوفمبر 1956 أصدرت الحكومة الصينية بيانًا أدانت فيه العدوان البريطانى الفرنسى الإسرائيلى على مصر، مؤكدة دعمها الكامل للنضال العادل الذى يخوضه الشعب المصرى دفاعًا عن استقلاله وسيادته الوطنية. ولم يقتصر الدعم على المستوى الرسمى، بل شهدت الصين فى الثالث من نوفمبر 1956 واحدة من أكبر المظاهرات الشعبية فى تاريخها الحديث آنذاك، حيث خرج مئات الآلاف فى بكين ومدن صينية أخرى تأييدًا لمصر وتنديدًا بالعدوان الثلاثى.
كما جسدت مصر من جانبها التزامها بمبادئ التضامن الدولى وعدم الانحياز عندما اندلعت الحرب الهندية الصينية عام 1962، حيث لعبت مصر دور الوسيط الدبلوماسى بين البلدين، وسعى الرئيس جمال عبد الناصر إلى تقريب وجهات النظر بين الجانبين، وظل على اتصال مستمر بكل من «شو إن لاى» ورئيس الوزراء الهندى «جواهر لال نهرو»، انطلاقًا من حرص مصر على تسوية النزاعات بالطرق السلمية.
وشكلت زيارة شو إن لاى إلى مصر فى ديسمبر 1963 محطة مهمة فى مسار العلاقات الثنائية، حيث أجرى مباحثات موسعة مع الرئيس جمال عبد الناصر، وأعلن المبادئ التى تحكم سياسة الصين تجاه الدول العربية والإفريقية، وفى مقدمتها دعم الاستقلال الوطنى، واحترام السيادة، ورفض التدخل فى الشئون الداخلية للدول، وهى المبادئ نفسها التى شكلت ولا تزال تشكل أساس السياسة الخارجية المصرية.
ومنذ ذلك الحين، تطورت العلاقات المصرية الصينية بصورة متواصلة، وانتقلت من مرحلة التضامن السياسى إلى مرحلة الشراكة الاستراتيجية الشاملة. وقد شهدت العقود الأخيرة زخمًا غير مسبوق فى مجالات الاقتصاد والتجارة والاستثمار والتكنولوجيا والبنية التحتية والثقافة والتعليم، خاصة بعد إعلان الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين البلدين عام 2014، وانضمام مصر إلى مبادرة الحزام والطريق.
وإذا كانت المصالح المشتركة تمثل أحد أعمدة العلاقات المصرية الصينية، فإن العامل الأهم يتمثل فى التوافق العميق بين رؤيتى البلدين تجاه النظام الدولى. فكلاهما يدعو إلى عالم متعدد الأقطاب، وإلى ديمقراطية العلاقات الدولية، وإلى إصلاح المؤسسات الدولية بما يحقق قدرًا أكبر من العدالة والتمثيل للدول النامية. كما تتمسك الدولتان بمبادئ احترام السيادة الوطنية وعدم التدخل فى الشئون الداخلية للدول وتسوية النزاعات بالوسائل السلمية.
وقد تجلى هذا التوافق بوضوح خلال السنوات الأخيرة، عندما أكدت الصين دعمها لاختيارات الشعب المصرى عقب ثورة الثلاثين من يونيو، ورفضت أى تدخلات خارجية فى الشأن المصرى، بينما واصلت مصر دعمها للمواقف الصينية فى القضايا المرتبطة بوحدة الأراضى الصينية والتنمية السلمية.
إن سبعين عامًا من العلاقات المصرية الصينية تؤكد أن هذه الشراكة لم تقم على المصالح العابرة أو الحسابات المؤقتة، بل تأسست على رصيد متراكم من الثقة والاحترام والوفاء المتبادل. ولهذا فإن بدء العقد الثامن للعلاقات بين البلدين لا يمثل مجرد محطة زمنية جديدة، بل يمثل انطلاقة نحو آفاق أرحب من التعاون بين حضارتين عريقتين وشعبين صديقين يؤمنان بأن الحوار والتعاون والتنمية المشتركة هى الطريق الأمثل لبناء مستقبل أكثر استقرارًا وعدالة وسلامًا للعالم بأسره.
المستشار الإعلامى المصرى الأسبق ببكين

علي عبد الحفيظ يكتب: الأزهر الشريف ووأد الفتنة
تامر عادل يكتب: كأس العالم من عاصمة مصر الجديدة
فى الاحتفال بيوم إفريقيا التمسك بالتنمية المستدامة







