عرفته منذ خطواتى الأولى داخل دارنا العريقة أخبار اليوم. وكان وقتها ولايزال حتى الآن اسمًا كبيرًا فى الصحافة الرياضية، يسبقه احترام الناس قبل شهرته. ممشوق القوام، هادئ الملامح.
كنت قد أخذت على نفسى عهدًا منذ فترة مضت بالكتابة عن الزملاء والأصدقاء والأساتذة فى مقالى الأسبوعى وأن أخصصه حتى ولو مرة كل شهر لهذا الغرض. نفذت الفكرة بعض الوقت، لكن زحام الأحداث، ولهاث الصحافة اليومية خلف الأخبار الساخنة، جعلنى أؤجل هذه الفكرة مرة بعد أخرى، حتى كدت أنساها. واليوم أعود إليها من جديد، وكأننى أعود إلى سيرتى الأولى التى طالما تمنيت أن أختم بها حياتى الصحفية، فليس هناك من أحق بالكتابة عنهم منهم، لا لمجاملتهم، وإنما لعلى أرد جزءًا صغيرًا من الجميل لهؤلاء العظماء الذين تشرفت بمعرفتهم عن قرب منذ أن دخلت دار أخبار اليوم عام ١٩٨٥، وكان لهم الفضل الأكبر فى تشكيل شخصيتى الصحفية ومن قبلها الإنسانية.
من هؤلاء الكبار قيمة وقامة يأتى اسم أخى وصديقى الجميل، وقبل كل ذلك، أستاذى الكاتب الكبير الكابتن شوقى حامد.. الرجل الذى أراه جديرًا عن استحقاق بلقب «الجنتلمان». فبعض الناس لا تحتاج أن تبحث طويلًا عن وصف يليق بهم، لأن أخلاقهم هى التى تمنحهم اللقب تلقائيًا. وهناك شخصيات حين تراها للمرة الأولى تشعر أنك أمام إنسان من زمن آخر.. زمن كانت فيه الكلمة شرفًا، والمهنة رسالة، والاختلاف الرياضى مجرد لعبة لا تفسد الاحترام ولا تهدم الود. نعم شوقى حامد واحد من هؤلاء الناس الجميلة.. عرفته منذ خطواتى الأولى داخل دارنا العريقة أخبار اليوم. وكان وقتها ولايزال حتى الآن اسمًا كبيرًا فى الصحافة الرياضية، يسبقه احترام الناس قبل شهرته. ممشوق القوام، هادئ الملامح.. أنيق الحضور.. لا يرفع صوته.. ولا يتعالى على أحد، قريبًا من الجميع، صغيرهم قبل كبيرهم.
ولعل أكثر ما ميزه أن خلفيته صنعت منه هذا النموذج الإنسانى النادر، فالروح الرياضية الحقيقية جاءت من عشقه للرياضة وفهمه العميق لمعناها النبيل، أما الانضباط والالتزام والجدية فقد جاءت من خلفيته العسكرية، حيث كان ضابطًا بالقوات المسلحة، فانعكس ذلك على شخصيته فى أدق التفاصيل فى مواعيده، وفى احترامه للآخرين، وفى طريقته الراقية فى الحوار،.. فى شهامته وتطوعه لخدمة أى إنسان يلجأ إليه فى مشكلة ما. وحتى فى صمته شخصية مميزة، يعرف متى يكون الكلام هو المطلوب ومتى يكون السكوت أولى.
أذكر أننى شاركته ذات يوم مشوارًا فى شوارع وسط البلد، وكانت تجربة كاشفة للغاية بالنسبة لى. ففى كل عدة خطوات كان شخص ما يقترب ليسلم عليه بحرارة، أو يبتسم له بمحبة صادقة، أو يحييه وكأنه يعرفه منذ سنوات طويلة. داعبته قائلًا له يجب أن ترشح نفسك فى أى انتخابات وأضمن لك الاكتساح، رد مبتسمًا: يبقى عايز تخسّرنى حب الناس. شعبية شوقى حامد ليست مجرد شهرة صحفى رياضى يكتب فى الجريدة أو يظهر فى البرامج التليفزيونية التى تتنافس على استضافته، بل هى محبة حقيقية صنعها الرجل بأخلاقه قبل قلمه. ومن وقتها أدركت أن هناك فرقًا كبيرًا بين إنسان يعرفه الناس، وإنسان يحبه الناس.
كابتن شوقى حامد، كما نحب أن نناديه ليس مجرد صحفى رياضى ناجح، بل هو مدرسة كاملة فى المهنية والاحترام. ينتمى لزمن كانت فيه الصحافة الرياضية أكثر اتزانًا ورقيًا، قبل أن تتحول عند البعض إلى ساحات للصراخ والتعصب وإشعال الفتن بين الجماهير. يقول لى كلما لقينى: يا إتش مهمة الصحفى الرياضى ليست التحريض، بل التنوير، والانتماء للنادى يجب ألا يعمى الإنسان عن الحقيقة وصديقك من صدقك. ولم تكن تلك مجرد شعارات رنانة بل أسلوب حياة يمارسه شوقى حامد أفعالًا وليس أقوالًا.
ورغم أن الجميع يعرف عشقه وانتماءه للنادى الأهلى، إلا أن ذلك لم يمنعه يومًا من أن يكون موضوعيًا إلى أبعد درجة. لذا أصبح اسم شوقى حامد ولا يزال ماركة مسجلة، وموضوعيته هى السبب الرئيسى فى احترام جماهير الأندية الأخرى له. فهو ليس من أصحاب الأقلام التى تكتب بالهوى، ولا من هواة تصفية الحسابات، ولا ممن يعتبرون الرياضة حربًا يجب فيها سحق المنافس. ولهذا السبب تتسابق البرامج الرياضية دائمًا على استضافته كمحلل وخبير وصاحب رأى موثوق.
فحين يتحدث تشعر أنك أمام عقل يفكر، لا أمام مشجع متحمس يرتدى ثوب الإعلامى. كلماته موزونة، وتحليلاته هادئة، وانتقاداته مهذبة، حتى وهو يختلف مع الآخرين.. شوقى حامد هو «الجنتلمان» الذى يختلف دون أن يجرح، وينتقد دون أن يهين، وينجح دون أن يتكبر، ويحافظ على احترامه لنفسه وللناس مهما تغيرت الظروف.
لقد تعلمت من شوقى حامد أن الصحافة ليست مجرد سبق صحفى أو مانشيت مثير، بل سلوك يومى وأخلاق ومواقف. وأن قيمة الإنسان لا تقاس بعدد مرات ظهوره على الشاشة، وإنما بالأثر الطيب الذى يتركه فى قلوب من حوله. ولهذا لا أتعجب أبدًا حين أرى الجميع يتحدثون عنه حاضرًا كان أو غائبًا بمحبة واحترام.. فسيرته العطرة تسبقه فى كل مكان، وهذه هى الثروة الحقيقية التى لا تُشترى ولا تُباع. هناك أناس يملكون المال أو الشهرة، لكن قليلين فقط هم الذين يملكون محبة الناس الصادقة.
أطال الله فى عمر الكابتن شوقى حامد، ومتعه بالصحة والعافية، لأنه واحد من أصحاب البصمة الراقية فى الصحافة الرياضية المصرية، وواحد من الرجال الذين تعلمنا منهم أن الأخلاق ليست تفصيلًا هامشيًا فى المهنة، بل هى أساس المهنة كلها. فقد يختلف الناس كثيرًا حول النجومية والآراء والانتماءات، لكنهم نادرًا ما يختلفون حول أصحاب الأخلاق الرفيعة، ولهذا سيبقى شوقى حامد بالنسبة لى، وبالنسبة لكثيرين غيرى، نموذجًا حقيقيًا للجنتلمان الذى كلما مر من مكان.. يترك احترامًا لا يزول، ومحبة لا تنتهى. فشكرًا جزيلًا لك أيها الجنتلمان، كابتن شوقى حامد.

علي عبد الحفيظ يكتب: الأزهر الشريف ووأد الفتنة
تامر عادل يكتب: كأس العالم من عاصمة مصر الجديدة
فى الاحتفال بيوم إفريقيا التمسك بالتنمية المستدامة







