«السروجى» حارس الخيل

مهنة على حافة الاندثار.. تحمى الحصان وتقاوم الزمن

عم شحاتة منهمك فى صنع «الرقبية» توضع على صدر الحصان حتى تحميه
عم شحاتة منهمك فى صنع «الرقبية» توضع على صدر الحصان حتى تحميه


كتبت: دينا عرفة

ما زال يحرس بيديه مهنة قديمة، تقاوم الزمن بصمت وتوشك على الغياب.. فى ورشة بسيطة تملؤها رائحة الجلد وأدوات العمل اليدوى بحى الشرابية القريب من محطة مصر أقرب وأقدم مستخدم لعربات الحنطور فى القرن الماضى، يجلس «محمد شحاتة» على مشارف الستين، قادماً كل يوم من دار السلام. يحمل فى يديه 35 عاماً من الخبرة، وفى قلبه مهنة يعتبرها عمره كله.

 يقول عم شحاتة «بقالى 35 سنة فى المهنة، بدأت صغيرا على يد الأسطى، كنت بتعلم منه خطوة خطوة، ولما مات ترك لى الصنعة، وأنا كملت».
ويضيف: «الشغل هنا كله يدوي، بنقص الجلد الجاموسى وننضفه ونشكّله ونخيطه بإيدينا. مفيش حاجة بتطلع من غير تعب وإيد شغّالة».
ويشير إلى ما يُعرف بـ «الحياصة» ويشرح: «الحياصة دى بتتحط على ضهر الحصان، فيها سرد ومخدات عشان تحمى ظهره وما يتجرحش».
ويكشف لنا هنا سرّاً من أسرار هذه الصنعة القديمة؛ «الوِش» ليس مجرد قطعة جلد، بل درع أمان صنعه بحب وفهم عميق لنفسية الحيوان. يأخذ قطعة الجلد ويضيف إليها «النظارة» بحرفية عالية، شارحاً بحكمة السنين: «بنعمله كده عشان الحصان ما يخافش من الحصان اللى جاى قدامه، ولا يخاف منه».
ويوضح كيف أن الصانع لا يحيك الجلد فقط، بل يقرأ الخوف فى عينى الجواد، مدركاً أن الحصان لو استشعر الخطر، قد يرتجف أو يندفع فى طريقه فيفقد السيطرة. لذا، تأتى «النظارة» الجانبية لتغمض عينه عما يشتت انتباهه، وتجعله يرى طريقه فقط ، ليخطو بأمان وهدوء. ويُكمل أن باقى الطقم يتكون من «الرقبية، وهذه توضع على صدر الحصان حتى تحميه وقت الشد، مصنوعة من جلد الماعز، وكذلك الحزام وباقى الأجزاء اللى بتساعد فى التحكم فيه، زى الدركسيون كده». 
ويؤكد أن الشغل زمان كان مختلف «كنت أجى الورشة ألاقى الزباين مستنياني، الكارو والحنطور كانوا ماليين الشوارع، نقل عفش وبضاعة وكسر طوب، الحياة كانت مختلفة».
أما الآن، فالتروسيكل والعربيات النص نقل أخذوا مكانهم، مما جعل الشغل يقل جداً، ويوضح: «كنت بعمل فى الأسبوع 6 أطقم.. دلوقتى بالعافية أعمل طقمين فى الشهر». 
فالطقم الكامل يمكن أن يصل إلى عشرة آلاف جنيه، وفى ناس كتير بتيجى تصلّح بدل ما تشترى جديد، ولذلك أصبح الشغل أكثر تركيزاً على «الرقبة». ورغم قلة الطلب، ما زال هناك زبائن أوفياء، حيث يضيف: «عندى ناس من بنها وقليوب بيجوا مخصوص عشان شغلي.. دول فاهمين قيمة الشغل اليدوي».
ويضيف بحسرة: «أنا زعلان على المهنة دي.. دى عُمر مش شغلانة. إحنا كنا بنحافظ على الحصان ونريحه، دلوقتى مفيش حد حاسس بقيمة ده».
منذ مئات السنين، ارتبطت مهنة سروجى الخيل بحياة الناس، فكانت السروج تُصنع بعناية لترافق الخيول فى السفر والتجارة، وكان الحنطور وعربات الكارو جزءاً أصيلاً من الشارع المصري، تحمل الناس والبضائع وتخدم تفاصيل الحياة اليومية. ومع مرور الزمن وتطور وسائل النقل، بدأت هذه المهنة تتراجع شيئاً فشيئاً، حتى أصبحت اليوم واحدة من الحرف التى تقف على حافة الاندثار.
فى تلك الورشة الصغيرة، لا تُصنع فقط أطقم خيل، بل تُحفظ ذاكرة مهنة كاملة تقاوم النسيان. «محمد شحاتة» لا يواجه قلة الشغل فقط، بل يواجه زمناً يتغير بسرعة، يبتلع الحرف القديمة واحدة تلو الأخرى. ومع كل قطعة جلد يلمسها، كأنه يتمسك بما تبقى من حكاية لا يريد لها أن تنتهي، رغم أنه يعلم فى قرارة نفسه أن المهنة تُطوى ببطء، وأنه ربما آخر من يروى تفاصيلها بهذا الصبر وهذا الحب.