من جديد يثبت الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، أن مواقفه وتصريحاته فى وادٍ، والأوضاع على الأرض فى وادٍ آخر، ولعل الاتصال الذى أجراه فى الخامس والعشرين من مايو الماضي، مع قادة ثمانى دول عربية وإسلامية، دليل مضاف على ذلك، وهم الرئيس عبدالفتاح السيسي، والأمير محمد بن سلمان ولى العهد السعودي، والرئيس التركى رجب طيب أردوغان، ومحمد بن زايد رئيس دولة الإمارات، والأمير تميم بن حمد آل ثانى أمير قطر، والعاهل الأردنى الملك عبدالله الثاني، والبحرينى حمد بن عيسي، والمشير سيد عاصم منير قائد الجيش الباكستاني، والذى وصفه ترامب شخصيًا بأنه (جيد جداً)، يومها تعامل العالم مع هذا الحدث بأنها اللحظة التى تسبق التوقيع على مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران، وهدفه وضع هؤلاء القادة فى آخر التطورات، والسعى للحصول على دعمهم للمذكرة، فى تصويب لخطأ جسيم بدخوله للحرب دون مشاورة بعضهم، رغم أن دول الخليج على سبيل المثال عانت من توابعها، وانحاز فقط إلى نصيحة وطلب نتنياهو، الذى شجعه على اتخاذ هكذا قرار، وقد كشفت الدول الثمانية عن حقيقةً ما جرى فى الاتصال، فى بيانات مختلفة، وإن كانت تحمل نفس المضمون، إشادة بجهود الرئيس ترامب فى محاولة التوصل إلى إنهاء المواجهات مع إيران، وتأكيد على ضرورة اغتنام الفرصة، للتوصل إلى تسوية شاملة تنهى بؤر التوتر، وتمنع تجدد التصعيد، كما جاء على لسان الرئيس السيسي.
ويبدو أن البيت الأبيض كان له رأى آخر، وذهب إلى اتجاه مخالف تماماً للواقع، وظهر فى البيان الذى صدر من ترامب، أن الاتصال تضمن شرطاً غير مقبول بين إنهاء الحرب وتطبيع هذه الدول علاقاتها مع إسرائيل، وقال (أريد أن تنضم السعودية وقطر وغيرهما إلى اتفاق إبراهام، فهم مدينون لنا)، وإذا لم يوقعوا، فأنا لست متأكداً من جدوى إبرام اتفاق حول البرنامج النووى الإيراني، واعتبره (شرطاً إلزامياً ومتزامناً لأى اتفاق نهائى مع إيران)، وقال: (وعليه فإننى أطلب بصفة إلزامية من جميع الدول، أن توقع فوراً على اتفاقيات إبراهيم)، والغريب أنه يأمل فى أن توقع إيران أيضاً، لتكون جزءًا من هذا التحالف العالمى الفريد، وسيصبح الشرق الأوسط موحداً وقوياً وذا اقتصاد قوي، وطالب طهران بأن يكون التوقيع معه بصفته رئيس أمريكا.
وتتعدد الملاحظات حول ما قاله ترامب، أولها أنه يميل دائمًا إلى المبالغة، ففى حالة حدوث أى انتكاسة لأهدافه، يذهب سريعاً إلى الترويج عن وجود صفقات كبرى فى الأفق، فالاتفاقيات الإبراهيمية - حسب رؤيته - ستغير وجه الشرق الأوسط، ولكن ما هى العلاقة بين إنهاء الحرب والانضمام إلى الاتفاقيات الإبراهيمية؟ فوقف الحرب ليس منةً أو تعطفاً وهدية من ترامب للعرب والمسلمين، يستحق ردها بأفضل منها، بل هدف أمريكى بحت، للخروج من المستنقع والكارثة السياسية والاقتصادية على جميع المستويات، التى أوقع ترامب بلاده فيها، وطرحه للأمر بهذه الكيفية كمناورة، ليخفف من ضغوط التيار المتشدد داخل الحزب الجمهوري، والذين يرفضون تقديم أى تنازل لإيران.
وتنوعت ردود الأفعال حول المقترح، ولنبدأ بالإعلام الأمريكى الذى تحدث عن حالة السخرية التى قوبل به طلبه من القادة، أما بالنسبة للدول المدعوة للانضمام، فهناك السعودية حيث أكد مصدر رسمى لشبكة سى إن إن، المملكة لن تطبع مع إسرائيل، إلا بعد وجود مسار لا رجعة فيه، نحو إقامة دولة فلسطينية، وهو نفس الموقف الذى تم اتخاذه منذ البداية، فى زمن الرئيس الأمريكى السابق جو بايدن، وبعد العدوان الإسرائيلى على غزة فى أكتوبر٢٠٢٤، تطور الموقف نحو ضرورة إقامة دولة فلسطينية مستقلة، عاصمتها القدس الشرقية، وتبنى خيار الدولتين. باكستان قالت: (لاعلاقة بين الوساطة بالتطبيع مع الاحتلال)، وأنها (ليست مضطرة إلى أى مطلب من هذا القبيل).
ودعونا نتفق على أن اختيار ترامب لطرح مثل هذه الأفكار، تمثل محاولة للتغطية على فشل واشنطن وتل أبيب فى تحقيق أى من أهدافهما، واشنطن تحدثت عن تغيير النظام، والقضاء على البرنامج النووى الإيراني، ومع إغلاق إيران مضيق هرمز، وبعد كل هذه الأسابيع تحول الوضع إلى الأسوأ، حيث نجح الحرس الثورى فى تشديد قبضته، وأصبح أكثر حضوراً داخل بنية القرار الإيراني، أما بالنسبة لنتنياهو، فمازالت المقاومة اللبنانية تمثل خطراً وجودياً على إسرائيل، وكان الرجل فى حاجة إلى جائزة ترضية من صديقه ساكن البيت الأبيض، والبحث عن غطاء سياسى إقليمي، يدفعه على الأقل إلى عدم إرباك المشهد.
عموماً فقد اختار ترامب التوقيت الأسوأ لطرحه، فمن هى الدولة التى يمكن أن تقبل التطبيع مع إسرائيل فى ظل هذه الظروف؟ وهى التى تكرس وقائع أمنية فى ثلاث جبهات، قبل أى تسوية سياسية متوقعة، فعلت هذا فى رفح الفلسطينية، وجبل الشيخ السورية، وفى الجنوب اللبناني، وفيما يخص القطاع تقوم باستكمال خطتها، بعد عملية الإبادة الجماعية وتدمير القطاع، إلى طرح التهجير الطوعي، وهو الهدف الذى لم تتخلَ عنه قط، باعتباره وفقاً للرؤية الإسرائيلية، نتيناهو نفسه تحدث عن توسيع المساحة الخاضعة له إلي٧٠ بالمائة، وزير دفاعه كاتس أشار إلى أن حماس لن تحكم غزة لا مدنيًا ولا عسكرياً، وستنفذ خطة التهجير الطوعية فى الوقت المناسب وبالطريقة المناسبة، فهل يستطيع ترامب أن يدفع نتنياهو إلى الموافقة على دولة فلسطينية مثلاً؟ أو ينجح فى تفعيل دور مجلس السلام، بعد الكشف عن الهدف الحقيقى منه إدارة القطاع لما بعد الحرب، بعيداً عن فكرة تحقيق السلام والاستقرار، وعلى صعيد الجبهة اللبنانية، فقد أصدر جيش الاحتلال أوامره بتهجير جميع سكان جنوب نهر الزهراني، وهى جريمة حرب وفقاً للقانون الدولى الإنساني، بعيداً عن الترويج لفكرة التزام الطرفين تل أبيب وحزب الله، بتعليمات ترامب الأخيرة بوقف إطلاق النار، والدليل على ذلك تصريحات المسئولين الإسرائيليين، التى أشارت أن كل الخيارات مفتوحة، وهى غير ملزمة بمواقف ترامب.
وأخيراً، هناك اعتقاد واسع، بأن المنطقة بعد الحرب، لا تتجه نحو سلام شامل، بل نحو إعادة هندسة للصراع بإدوات مختلفة، وتمرير الاتفاقيات الإبراهيمية أصبح صعباً، وقد يكون مستحيلاً بعد ما جرى منذ طرحها فى عام٢٠٢٠، على فرضية محورية، أن إيران هى التهديد الوجودى لكل من الدول العربية وإسرائيل، على الجميع أن يكون فى خندق واحد، وجاء العدوان الإسرائيلى ليكشف هشاشة وزيف هذه المقاربة، مما ساهم فى توسيع جبهة الرفض والتحفظ على هذه الاتفاقيات، وظهور كتلة سنية وازنة قيد التأسيس والتشكل، تضم مصر والسعودية وتركيا وباكستان، وكل منهم يمثل ثقلاً استراتيجياً لا يستهان به، ولا حاجة لها لأى دور إسرائيلى فى إدارة شئون المنطقة.

شريف زرد يكتب: كيف أعاد كريم بدوي رسم خريطة الطاقة وهيكلة "البترول" من الداخل؟
عيد الإعلاميين
ايمان ممتاز تكتب : لماذا يحتاج الشباب إلى الوعي السياسي الآن أكثر من أي وقت مضى؟







