"الفيبروميالجيا".. مرض غامض يصيب الملايين حول العالم

صورة تعبيرية - الفيبروميالجيا
صورة تعبيرية - الفيبروميالجيا


يعد الفيبروميالجيا من أكثر الاضطرابات المزمنة تعقيداً وإثارة للحيرة في عالم الطب، إذ يسبب آلاماً واسعة الانتشار في مختلف أنحاء الجسم، إلى جانب الإرهاق المستمر واضطرابات النوم وصعوبات التركيز. 

ورغم تزايد الوعي بهذا المرض خلال السنوات الأخيرة، لا يزال سببه الحقيقي غير معروف، كما لا يتوفر له علاج شافٍ حتى الآن، ما يجعل التعايش معه تحدياً يومياً لآلاف المرضى حول العالم، وفقاً لموقع "هيلثي لاين" . 

اقرأ أيضًا | إنجاز علمي جديد في جامعة القاهرة لعلاج أحد الأمراض المستعصية «الفيبروميالجيا»

يعرف الفيبروميالجيا (Fibromyalgia) بأنه اضطراب مزمن يسبب الألم في أنحاء الجسم المختلفة، إضافة إلى الشعور بالتعب المستمر ومشكلات النوم، وهو مرض يمكن أن يصيب أي شخص بغض النظر عن عمره أو خلفيته العرقية.

- من الأكثر عرضة للإصابة؟

يمكن لأي شخص أن يصاب بالفيبروميالجيا، إلا أن النساء أكثر عرضة للإصابة به مقارنة بالرجال، كما يمكن أن يظهر لدى الأطفال والبالغين، لكنه يبدأ غالباً في منتصف العمر، وتزداد احتمالات الإصابة به مع التقدم في السن.

وتزداد فرص الإصابة لدى الأشخاص الذين يعانون من بعض الأمراض المزمنة، مثل التهاب المفصل الروماتويدي والذئبة الحمامية الجهازية والتهاب الفقرات التصلبي وهشاشة العظام، إضافة إلى الاكتئاب والقلق وآلام الظهر المزمنة ومتلازمة القولون العصبي.

كما تشير الدراسات إلى أن المرض يميل إلى الانتشار داخل بعض العائلات، ما يرجح وجود عوامل وراثية تزيد من احتمالات الإصابة به، رغم إمكانية ظهوره لدى أشخاص لا يملكون أي تاريخ عائلي مع المرض.

- أعراض تمتد إلى مختلف أنحاء الجسم

تتنوع أعراض الفيبروميالجيا وتختلف من شخص إلى آخر، إلا أن أبرزها الألم المزمن المنتشر في أنحاء متعددة من الجسم، خاصة الذراعين والساقين والرأس والصدر والبطن والظهر والأرداف.

وغالباً ما يصف المرضى هذا الألم بأنه حارق أو نابض أو مؤلم بشكل مستمر، كما قد يصاحبه الشعور بالتعب الشديد وصعوبة النوم وتيبس العضلات والمفاصل.

وتشمل الأعراض أيضاً التنميل أو الوخز في الذراعين والساقين، وصعوبة التركيز والتفكير بوضوح وضعف الذاكرة، بالإضافة إلى زيادة الحساسية للضوء والضوضاء والروائح ودرجات الحرارة المختلفة.

وقد يعاني المرضى كذلك من اضطرابات بالجهاز الهضمي، مثل الانتفاخ أو الإمساك ومشكلات الهضم المتكررة.

- لماذا يحدث الفيبروميالجيا؟

لا يزال السبب الدقيق للفيبروميالجيا غير معروف حتى الآن، إلا أن الأبحاث تشير إلى أن المصابين به يمتلكون حساسية مفرطة تجاه الألم مقارنة بغيرهم.

وأظهرت دراسات تصوير الدماغ وجود تغيرات في طريقة معالجة الإشارات العصبية المرتبطة بالألم داخل الجهاز العصبي، وهو ما قد يفسر الشعور بالألم والتعب واضطرابات النوم والمشكلات الإدراكية المصاحبة للمرض.

ويرى الباحثون أن العوامل الوراثية والبيئية قد تتداخل معاً في حدوث المرض، ومن بين المحفزات المحتملة الإصابة بأمراض مزمنة مؤلمة أو التعرض لمشكلات نفسية مثل القلق والاكتئاب.

- كيف يتم تشخيص المرض؟

يعتمد تشخيص الفيبروميالجيا بشكل أساسي على الأعراض التي يعاني منها المريض، وخاصة وجود ألم واسع الانتشار في الجسم مصحوب بأعراض أخرى مميزة.

ولا توجد حتى الآن تحاليل أو فحوصات تصويرية قادرة على تأكيد الإصابة بشكل مباشر، لذلك يلجأ الأطباء إلى استبعاد الأمراض الأخرى التي قد تسبب أعراضاً مشابهة.

ويبدأ التشخيص عادة بالحصول على التاريخ المرضي الكامل للمريض، ومعرفة طبيعة الألم ومدته وشدته، إضافة إلى تقييم مشكلات النوم والإرهاق والذاكرة والتركيز.

كما يجري الطبيب فحصاً بدنياً للمفاصل والعضلات، وقد يطلب بعض التحاليل والفحوصات للتأكد من عدم وجود أمراض أخرى مثل التهاب المفاصل أو الذئبة.

- هل يوجد علاج نهائي؟

حتى الآن لا يوجد علاج شافٍ للفيبروميالجيا، لذلك تركز الخطط العلاجية على تخفيف الأعراض وتحسين جودة الحياة اليومية للمريض.

- خيارات علاجية متعددة

يعتمد العلاج غالباً على الدمج بين العلاج النفسي والسلوكي والأدوية والأنشطة البدنية المنتظمة.

ويعد العلاج السلوكي المعرفي من أكثر الأساليب المستخدمة، إذ يساعد المرضى على تغيير نظرتهم للألم واكتساب مهارات للتعامل معه بصورة أفضل.

كما يمكن أن يصف الأطباء بعض الأدوية التي تساعد في تخفيف الألم وتحسين النوم، مثل مضادات الاكتئاب وبعض الأدوية المضادة للنوبات والمسكنات المناسبة، مع ضرورة المتابعة الطبية المستمرة لتحديد الجرعات الملائمة.

- كيف يمكن التعايش مع الفيبروميالجيا؟

يمكن للمرضى تحسين حالتهم من خلال اتباع عدد من الخطوات اليومية المهمة، أبرزها ممارسة النشاط البدني بشكل منتظم.

وتشير الأبحاث إلى أن المشي وركوب الدراجات والسباحة والتمارين المائية واليوجا تعد من أكثر الأنشطة فائدة لمرضى الفيبروميالجيا، حيث تساعد على تقليل الألم وتحسين النوم والتخفيف من القلق والاكتئاب.

كما يُنصح بالحصول على معلومات كافية عن المرض والانضمام إلى مجموعات الدعم، سواء عبر الإنترنت أو بشكل مباشر، لما لذلك من أثر إيجابي في مواجهة التحديات اليومية.

- نصائح للتغلب على التعب المزمن

يعد الإرهاق المستمر من أكثر الأعراض المزعجة للمصابين بالفيبروميالجيا، لذلك ينصح الخبراء بالالتزام بمواعيد نوم منتظمة، وتهيئة غرفة نوم هادئة ومريحة ومظلمة.

كما يُفضل تجنب الكافيين والنيكوتين قبل النوم، والابتعاد عن استخدام الهاتف أو مشاهدة التلفزيون في السرير، إلى جانب ممارسة تقنيات الاسترخاء مثل التأمل والاستماع إلى الموسيقى الهادئة أو أخذ حمام دافئ قبل النوم.

- تجربة جاكلين.. رحلة طويلة مع الألم

وفي شهادة نشرتها صحيفة "لوتون" السويسرية، روت جاكلين، البالغة من العمر 61 عاماً، معاناتها مع الفيبروميالجيا التي استمرت لأكثر من عشر سنوات.

وأكدت أنها كانت امرأة نشيطة للغاية قبل الإصابة بالمرض، لكنها واجهت تدهوراً جسدياً ونفسياً ومالياً كبيراً، إضافة إلى نوبات من الاكتئاب الحاد.

وأوضحت أن أولى نوبات الألم ظهرت بعد سلسلة من الالتهابات، ثم تفاقمت حالتها عقب الإرهاق الشديد وسكتة دماغية تعرضت لها عام 2014.

ورغم سنوات المعاناة، استطاعت جاكلين العثور على بعض وسائل التخفيف من الأعراض، مشيرة إلى أن التنويم المغناطيسي والتأمل ساهما في تقليل الألم واستعادة جانب من ثقتها بقدراتها الجسدية، كما بدأت المشاركة في لقاءات دورية لمرضى الفيبروميالجيا تحت إشراف الجمعية السويسرية للفيبروميالجيا.

وفي ظل غياب علاج نهائي حتى الآن، يبقى التشخيص المبكر والالتزام بالعلاج والمتابعة الطبية المستمرة، إلى جانب تبني نمط حياة صحي، من أهم الوسائل التي تساعد المرضى على السيطرة على الأعراض وتحسين جودة حياتهم.