أكد السفير البريطانى لدى القاهرة، مارك برايسون ريتشاردسون، أن العلاقات المصرية البريطانية تتجه نحو مرحلة تاريخية من خلال إطلاق شراكة استراتيجية شاملة تمنح البلدين أرضية راسخة لتعزيز التعاون الاقتصادى، التجارى، والتعليمى، بما يضمن تحقيق تقارب مباشر وعميق بين الشعبين.. وأضاف فى حوار لـ«الأخبار» أن مصر تظل وجهة استثمارية جاذبة جدًا للشركات البريطانية بفضل فرصها الهائلة وقوتها العاملة الماهرة، مشددًا على دعم لندن الكامل للاقتصاد المصرى لتجاوز التداعيات الراهنة لتوترات الشرق الأوسط، ومُثمنًا وساطة القاهرة النشطة لحل أزمة غزة وتحقيق الاستقرار الإقليمى، كما أشار إلى القفزة الكبيرة فى معدلات السياحة البريطانية الوافدة لمصر، مشيدًا بالدور الثقافى الاستثنائى للنجم محمد صلاح فى هدم الحواجز ببريطانيا.
■ تتطلع مصر وبريطانيا إلى إطلاق شراكة استراتيجية، فما عناصرها الرئيسية، وكيف يمكنها تعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين؟
نحرص على أن تكون هذه الشراكة شاملة وواسعة النطاق، ستغطى مجالات عديدة ومتنوعة، من بينها التعاون التجارى والاقتصادى، والمناخ، والتعليم، والصحة، وستمنحنا أرضية راسخة نواصل من خلالها التعاون ببرامج عملية فى شتى المجالات، وستتضمن الشراكة جوانب حكومية بين الحكومتين، وأتطلع إلى أن تشمل أيضًا جوانب تربط الشعبين البريطانى والمصرى ببعضهما مباشرة.
■ ما أبرز متطلبات المستثمرين البريطانيين فى مصر، سواء الحاليون منهم أو الراغبون فى الدخول إلى السوق المصرية؟
المملكة المتحدة تُعدّ من أكبر المستثمرين بمصر، ما يعنى أن الاهتمام البريطانى بالسوق المصرية قائم وراسخ. وهناك شركات بريطانية كبرى منخرطة بفاعلية بالسوق المصرية، سواء فى قطاع الطاقة أو الأدوية أو التصنيع مثل «يونيليفر»، أو الاتصالات مثل «فودافون»، فضلًا عن بعض البنوك. إذن الحضور البريطانى فى مصر كبير ومتنوع، ومصر تمثل وجهة استثمارية جذابة جدًا للشركات البريطانية. بطبيعة الحال، هناك عوامل من شأنها تعزيز البيئة الاستثمارية وجعلها أكثر جاذبية. فمصر تمتلك فرصًا هائلة وقوة عاملة مدربة وماهرة وخبرات متراكمة. إلا أن هناك مسائل أخرى تتعلق بالشفافية وسرعة الإجراءات، وقد تم إحراز تقدم ملموس فى مجالى الجمارك والتسجيل. إلا أن مزيدًا من التقدم فى هذه القطاعات، ومعالجة العقبات الأخرى المتعلقة بالنفاذ إلى الأسواق، من شأنه أن يرفع منسوب الاستثمارات أكثر مما هو عليه الآن.
■ تعمل مصر حاليًا على سداد مستحقات شركات الطاقة، وقد أعلنت الحكومة أنها ستُنهى هذا الملف فى غضون أسابيع. كيف تقيِّم المملكة المتحدة هذه الخطوة؟
من الواضح أن هذا الأمر يصب فى مصلحة الشركات ذاتها. أعتقد أن الحكومة المصرية قطعت التزاماً صريحاً بتسوية هذه المستحقات، وأحرزت تقدماً حقيقياً فى هذا المسار، وأرى فى ذلك مؤشرًا إيجابيًا للغاية، إذ يرسّخ ثقة المستثمرين والشركاء بمصر على اختلاف قطاعاتهم، ويثبت أن الالتزامات تُحترم وتُنفَّذ. علاوة على ذلك، فإن تسوية هذه المستحقات تُتيح لتلك الشركاء إعادة ضخ مواردهم فى الاقتصاد المصرى، وهذا ما نشهده بالفعل. وحتى الآن يبدو المشهد إيجابيًا جدًا، وكل شىء يسير وفق الجداول الزمنية التى حددتها الحكومة.
■ خلال الأشهر الأخيرة، تضررت اقتصادات الدول النامية كثيرًا جراء الحرب بالشرق الأوسط.. كيف يمكن للمملكة المتحدة أن تدعم مصر فى مواجهة هذه التحديات؟
نراجع برامجنا وأوجه تعاوننا، إذ نعمل بشكل وثيق مع الحكومة المصرية على برامج الدعم الاقتصادى، وخلال الآونة الأخيرة، تعاونّا مع البنك الدولى لضمان قرض بقيمة 200 مليون دولار من المملكة المتحدة، إلى جانب 800 مليون دولار من البنك الدولى، ليصل الإجمالى إلى مليار دولار كامل، لكن الركيزة الأساسية تبقى الاستثمار والشراكة وخلق فرص العمل، وعلى هذا الصعيد، نحن راضون جدًا عن هذا التعاون الاقتصادى وعن آلية الضمان، أما العنصر الأهم فيتمثل فى تعميق التعاون فى مجال الأعمال، سواء بالاستثمار فى مصر أو بالعمل معًا على مشاريع فى أفريقيا والمنطقة.
■ قبل فترة قليلة شهدنا افتتاح مشروع المونوريل.. كيف ترى أهميته كرمز للتعاون بين مصر وبريطانيا؟
كان رائعًا أن عربات المونوريل صُنعت بمدينة ديربى البريطانية، وقدمنا أيضًا ضمانات ائتمانية مالية لدعم المشروع بأكمله، لذا يسعدنا أن نجد سُبلًا تُسهم من خلالها المملكة المتحدة فى دعم مثل هذه المشاريع والإسهام فى إنجازها.
■ على الصعيد السياسى، ما الجهود المشتركة من مصر وبريطانيا لتخفيف حدة التوترات بالشرق الأوسط، خاصة حرب إيران؟
أعتقد أن جميعنا يريد التهدئة فى المنطقة، فمن مصلحتنا جميعًا تحقيق قدر أكبر من الاستقرار الإقليمى؛ أولًا لأننا نريد السلام والأمن فى كل أرجاء المنطقة، وثانيًا لما أشرتَ إليه من تداعيات اقتصادية وخيمة تطال الجميع. لذا نحرص جدًا على إنهاء هذه الأزمة فى أقرب وقت ممكن.
ونُثَمِّن عاليًا الجهود التى تبذلها مصر فى هذا الاتجاه، من خلال التواصل مع جميع الأطراف، ودعم جهود باكستان، والتنسيق مع المملكة العربية السعودية وتركيا لضمان استمرار الحوار. والحوار السبيل الوحيد لحل هذه الأزمة.
وفى الوقت ذاته، تعمل المملكة المتحدة مع فرنسا للتحضير لمرحلة ما بعد الحل السياسى، بهدف ضمان الأمن البحرى واستئناف حركة الملاحة بأسرع ما يمكن فور التوصل إلى تسوية.
■ كيف تنظرون إلى التهديدات التى تُواجه أمن الملاحة البحرية وكيف يمكن لمصر والمملكة المتحدة أن تتعاونا فى هذا الملف؟
أعتقد أن مصر والمملكة المتحدة تتشاركان قناعة راسخة بأهمية حرية الملاحة البحرية، وبريطانيا تعمل على التنسيق لضمان استئناف حركة الملاحة البحرية فى مضيق هرمز فى أقرب وقت ممكن. فنحن من أشد المدافعين عن الأمن البحرى، وهو أمر سيكون له أثر بالغ.
وقد تعاونت مصر وبريطانيا سابقًا على مبادرات للأمن البحرى، وإذا استدعى الأمر تعاونًا مماثلًا فى باب المندب مستقبلًا، فلا شك أننا سنتكاتف من جديد. وقد امتدَّ تعاوننا السابق ليشمل الجوانب الأمنية، فضلًا عن العمل مع مدينة لندن حيث تتمركز شركات الشحن الكبرى وشركات التأمين التى تضطلع بدور محورى فى هذا الملف.
■ كيف تتعاون مصر والمملكة المتحدة فى ملف حل الأزمة السودانية؟
هذا الملف مصدر للقلق؛ فالأثر الذى تتحمله مصر جراء استضافتها لأعداد كبيرة من السودانيين الفارين من الصراع أثرٌ ثقيل وجسيم. كلنا يريد السلام والاستقرار فى السودان، وإتاحة الفرصة للناس للعودة إلى ديارهم. وأعتقد أن أبرز ما نتعاون فيه هو المناداة بوقف إطلاق النار وإعلان هدنة إنسانية، أولًا وقبل كل شىء لضمان وصول المساعدات والإغاثة الإنسانية لمَن يحتاجها، وبعد ذلك، علينا أن نبنى على هذه الهدنة لضمان ألا تكون مجرد وقفة مؤقتة، بل نقطة انطلاق نحو تسوية دائمة وشاملة تُوفر الاستقرار الذى يتوق إليه الشعب السودانى منذ ثلاث سنوات عجاف.
■ اتهمت الحكومة السودانية بعض الدول بالتدخل فى الصراع.. كيف تُقيِّم المملكة المتحدة هذا الاتهام، وما السبيل لمنع أى تدخل خارجى فى الأزمة؟
كنا واضحين تمامًا فى موقفنا بالدعوة إلى وقف فورى لإطلاق النار وإعلان هدنة إنسانية، لأن ذلك هو الخطوة الأهم لإنقاذ الأرواح وإحلال شىء من الاستقرار، وفى هذا الإطار، عارضنا دائمًا هذه التدخلات، وقد فرضت المملكة المتحدة قيودًا على الأسلحة، واتخذت تدابير بفرض عقوبات على الأطراف التى نرى أنها تنتهك هذه القيود وتُسهم فى تهريب الأسلحة إلى السودان ومن ثَمَّ تُذكى الصراع.
هذه هى الطريقة العملية الأكثر فاعلية فى التحرك، لكن كما أشرنا سابقًا، يبقى الأمر مرهونًا بالتعاون مع مصر والشركاء الإقليميين لدعم مسار سياسى حقيقى، لأن الهدف الأساسى يظل فى إيصال المساعدات الإنسانية الآن، وإطلاق عملية سياسية تُفضى إلى تسوية مستدامة، نحن نتخذ الإجراءات اللازمة للحد من العنف ومحاسبة مرتكبيه والمتورطين فى الفظائع، لكن الهدف الأساسى التوصل إلى تسوية نهائية شاملة.
■ ما تقييم المملكة المتحدة لتنفيذ استحقاقات خطة الرئيس ترامب بشأن غزة؟
بالطبع نريد رؤية هذه الخطة تمضى قُدُمًا، والآن تبرز الحاجة إلى الحفاظ على زخم اتفاق شرم الشيخ الذى وقع فى أكتوبر 2025، لذا يسعدنا أن مصر تضطلع بدور وساطة بالغ النشاط، تسعى من خلاله إلى إيجاد مخرج لمسائل بالغة التعقيد، ونحن حريصون على الإسهام فى ذلك بكل ما نستطيع، إذ تقدم بريطانيا مساعدات إنسانية تجاوزت 80 مليون جنيه إسترلينى خلال العام الماضى، كما نتيح خبراتنا وتجاربنا المكتسبة من بعض النزاعات التى خُضناها، ولا سيما تجربة السلام ونزع السلاح بأيرلندا الشمالية، لكن الأهم من كل ذلك أن يبقى المسار فى حركة دائمة. نريد رؤية الالتزامات التى تم التعهد بها تُنفَّذ على أرض الواقع، ونريد تقدمًا ملموسًا وزخمًا مستدامًا.
■ بشأن الدولة الفلسطينية، أعلن رئيس الوزراء ستارمر الاعتراف بها.. ما الخطوات التالية للمملكة المتحدة فى هذا الملف؟
كان الاعتراف هو الخطوة الجوهرية والمفصلية، وقبل الاعتراف، كنا نُقدم دعمًا للسلطة الفلسطينية فى مجال بناء القدرات المؤسسية، ودعم قطاع الصحة وأنشطة أخرى فى مناطق السلطة الفلسطينية، وقد حافظنا على هذا الدعم واستمررنا فيه. إذن كنا نُقدم المساعدة للسلطة الفلسطينية وللشعب الفلسطينى قبل الاعتراف الرسمى. ما الذى تغيَّر بالاعتراف؟ لقد تحوَّل التزامنا بحل الدولتين من شعار إلى واقع ملموس. وأمام المشهد الذى رأيناه على الأرض، كنا واضحين تمامًا فى أن هذه هى اللحظة المناسبة للاعتراف بفلسطين والعمل على صون خيار الدولتين مستقبلًا.
■ مصر تستضيف الملايين من اللاجئين.. ما الدعم البريطانى المُقدَّم لمصر فى هذا الملف؟
تضطلع مصر بدور محورى فى استضافة أعداد كبيرة من اللاجئين والمهاجرين القادمين من مختلف أرجاء المنطقة، وهو دور جليل وبالغ الأهمية فى دعم المتضررين من النزاعات، وأبرز ما يمكننا فعله للإسهام فى تخفيف هذا العبء هو التعاون لمعالجة الأسباب الجذرية لهذه النزاعات، وقد تطرقنا إلى كثير منها.
غير أننا نعمل أيضًا مع شركائنا الدوليين هنا، من الأمم المتحدة وغيرها، لتوفير الدعم اللازم من خلال برامج تنمية سبل العيش والمساعدة للمجتمعات المصرية وللمجتمعات اللاجئة المجاورة لها، فى محاولة لتخفيف العبء عن كاهل مصر وتقديم مساعدات إنسانية أشمل.
■ كيف يمكن للمنح الدراسية البريطانية أن تُعزز الروابط بين الشعبين المصرى والبريطاني؟
نعتز بالروابط التعليمية التى نبنيها بين المملكة المتحدة ومصر، فعلى مدار 40 عامًا، قدمنا منح «تشيفنينج» لمصر، مما أتاح لأكثر من 1500 طالب مصرى السفر إلى المملكة المتحدة والحصول على درجات الدراسات العليا، ويتواجد نحو 4000 طالب مصرى بالجامعات البريطانية، كما أن تدريس مناهج جامعات بريطانية بمصر قد توسع خلال السنوات الأخيرة ليصل إلى 39 ألف طالب... هذه فرصة استثنائية للتعرف على بعضنا البعض عن قُرب، وفهم وجهات النظر المختلفة، والاطلاع على قضايا العالم، إلى جانب القيمة الحقيقية للتعليم البريطانى والآفاق التى يفتحها، أعتقد أن الانفتاح المتبادل الذى يُتيحه هذا التبادل، وفهم الثقافات المختلفة ووجهات النظر المتباينة، لا يمكن إلا أن يُرسّخ الروابط بين مصر والمملكة المتحدة على المدى البعيد. ونطمح إلى مواصلة تنمية هذا التبادل خلال السنوات المقبلة، وأنا على يقين أنه سيشهد نموًا متواصلًا.
■ ما مدى تطور حركة السياحة البريطانية إلى مصر؟
عدد السياح البريطانيين إلى مصر ارتفع من نحو مليون سائح عام 2024 إلى 1.2 مليون سائح العام الماضى. وأنا واثق بأن هذه الأرقام ستواصل نموها فى ظل الجاذبية الاستثنائية التى تتمتع بها مصر، إذ أن الاهتمام بزيارة مصر كبير جدًا، سواء لتاريخها العريق وحضارتها الرائعة. المتحف المصرى الكبير بالنسبة لى يُمثّل جاذبًا ضخمًا بامتياز. وقد بدأنا نسمع عن بريطانيين يقطعون المسافة من المملكة المتحدة فى إجازات قصيرة لمجرد زيارة المتحف، حتى إنهم لا يجدون وقتًا كافيًا لاستكشاف غير ذلك، يأتون لثلاثة أو أربعة أيام ولا يغادرون المتحف، إلى جانب ذلك، كثير من البريطانيين يعشقون الساحل المصرى والطقس الرائع، لذا أعتقد أن هذه الأرقام ستستمر فى الارتفاع.
■ ما الدور الذى تمثله كرة القدم فى تعزيز العلاقات بين الشعبين، لا سيما مع نجوم كمحمد صلاح؟
أعتقد أن كرة القدم تُشكِّل جزءًا أساسيًا من حياة الناس، وهى تمنح رؤية مختلفة وأفقًا أوسع، فعدد كبير من المصريين يتابعون الدورى الإنجليزى الممتاز، وهذا يمنحهم نافذة اطلاع حقيقية على المملكة المتحدة، أعتقد أن دور شخصيات كمحمد صلاح دور محورى ولا يُستهان به فى تعزيز هذا التفاهم، فهو لم يكتفِ بوضع مصر على خريطة المملكة المتحدة من خلال مسيرته الكروية المشرّفة مع ليفربول، بل تجاوز ذلك بكثير؛ فالدور الثقافى الذى قام به فى تقريب صورة الإسلام للمجتمع البريطانى وتفسير قيمه ومبادئه لشريحة واسعة من الناس قد أسهم بشكل بالغ فى هدم الحواجز وتجسير الفجوات فى التفاهم.
فى المملكة المتحدة نحو أربعة ملايين مسلم، وقليل منهم يتمتع بحضور وتأثير كمحمد صلاح، وأقول بثقة إن ما فعله فى ليفربول، بمجرد كونه نفسه، والتحدث عن نفسه وإيمانه وثقافته، قد أسهم بشكل كبير جدًا فى كسر الحواجز وتشجيع التفاهم المتبادل، ومع رحيل محمد صلاح عن ليفربول هناك آمال بأن يكمل عمر مرموش فى مانشستر سيتى، مسيرة اللاعبين المصريين بالدورى الإنجليزى.

من العشوائية إلى التطوير| «التونسى».. سوق عصرى بـ «استايل موحد»
«إعادة توظيف ثقافى وسياحى» على غرار العديد من الدول العربية والإسلامية
نصيب المصريين من المقامرات العالمية 1,7 مليار دولار!







