الغربية - ماجدة شلبي
◄ «بوابة أخبار اليوم» توثق مئوية غزل المحلة وتنفرد بتغطية من مصانعها الأكبر عالميًا
◄ لأول مرة في وسائل الإعلام.. نرصد المصانع الجديدة التي أعادت الحياة إلى «غزل المحلة» بعد سنوات من التراجع والخسائر
داخل مدينة لا تنام على صوت البشر بقدر ما تستيقظ على هدير الماكينات كانت هناك حكاية أكبر من مجرد مصانع وأعمق من مجرد شركة، حكاية وطن كامل اختصر أحلامه ذات يوم في خيوط القطن المصري الأبيض.
هنا في قلب مدينة المحلة الكبرى تقف شركة مصر للغزل والنسيج بالمحلة الكبرى كواحدة من أعظم القلاع الصناعية التي عرفتها مصر والشرق الأوسط عبر التاريخ تستعد اليوم للاحتفال بمرور مائة عام على تأسيسها بعدما تحولت من شركة كادت أن تتوقف عجلاتها قبل سنوات إلى مشروع قومي عملاق يعيد رسم مستقبل صناعة الغزل والنسيج في المنطقة بأكملها.

وفي جولة صحفية حصرية تنفرد بها «بوابة أخبار اليوم» فتحت الشركة أبواب مصانعها الجديدة لأول مرة أمام وسائل الإعلام لتدخل الكاميرات إلى قلب المصانع العملاقة التي لم يشاهدها الرأي العام من قبل وعلى رأسها مصنع «غزل 1» الأكبر في العالم تحت سقف واحد في مشهد يكشف كيف عادت المحلة لتتنفس من جديد.
◄ هنا بدأت الحكاية
قبل نحو قرن كامل لم يكن طلعت حرب يؤسس مجرد شركة بل كان يبني مشروع استقلال اقتصادي لوطن بأكمله. في عام 1927 انطلقت شركة مصر للغزل والنسيج بالمحلة الكبرى ضمن مشروعات بنك مصر الوطنية على الأرض التي تبرع بها نعمان باشا الأعصر عمدة المحلة آنذاك دعماً للصناعة الوطنية الوليدة وإيماناً بأن مصر قادرة على أن تصنع وتنافس العالم.
ومنذ اللحظة الأولى تحولت المحلة إلى عاصمة للصناعة المصرية وارتبط اسمها بالقطن طويل التيلة وبآلاف العمال الذين صنعوا عبر عقود طويلة مجداً اقتصادياً ظل محفوراً في ذاكرة المصريين.

لكن السنوات الأخيرة لم تكن سهلة، فبعد عقود من القوة والهيمنة بدأت التحديات تتسلل إلى القلعة العريقة ماكينات متهالكة خسائر متراكمة احتجاجات متكررة وأزمات كادت تعصف بتاريخ كامل. في تلك السنوات كان كثيرون يعتقدون أن النهاية اقتربت، لكن ما حدث بعد ذلك غيّر كل شيء.
◄ 45% من مشروع مصر الصناعي داخل المحلة
مع إطلاق الرئيس عبد الفتاح السيسي المشروع القومي لتطوير صناعة الغزل والنسيج تحولت المحلة إلى القلب النابض لخطة الإنقاذ الصناعي الأكبر في تاريخ الدولة الحديثة. ويستحوذ مجمع المحلة وحده على نحو 45% من إجمالي استثمارات المشروع القومي لتطوير الغزل والنسيج في مصر والذي تجاوزت تكلفته الإجمالية 70 مليار جنيه فيما بلغت حصة المحلة وحدها نحو 31.5 مليار جنيه تم ضخها لإعادة بناء القلعة الصناعية بالكامل.
استثمارات هائلة خُصصت لإنشاء مصانع جديدة واستقدام أحدث الماكينات السويسرية والإيطالية والألمانية وتطوير البنية التحتية ومحطات الكهرباء والتشغيل الذكي في محاولة لإعادة مصر إلى صدارة صناعة الغزل العالمية.
ولم تتوقف الدولة عند ذلك بل تم ضخ تمويلات عاجلة إضافية بقيمة 2 مليار جنيه لاستكمال مجمع الصباغة والمصبغة العملاق تمهيداً لدخول المنظومة الجديدة بكامل طاقتها التشغيلية.

◄ من مصانع متهالكة إلى مدينة صناعية عالمية
خلال جولة بوابة أخبار اليوم، داخل المصانع الجديدة بدا المشهد أشبه بمدينة صناعية أوروبية متكاملة.
مبانٍ عملاقة أنظمة إلكترونية ذكية خطوط إنتاج أوتوماتيكية وماكينات سويسرية وإيطالية وألمانية تعمل بدقة مذهلة داخل صالات إنتاج هائلة المساحة. وللمرة الأولى إعلاميا داخل مصنع «غزل 1» أيقونة المشروع القومي والذي يُصنف اليوم باعتباره أكبر مصنع غزل في العالم.
من جانبه أكد المهندس أحمد عبد الرحمن بدر الرئيس التنفيذي والعضو المنتدب الحالي لشركة مصر للغزل والنسيج بالمحلة الكبرى، أن ما تشهده الشركة اليوم من تطوير غير مسبوق وإنشاء مصانع عملاقة وحديثة جاء بدعم ورؤية الرئيس عبد الفتاح السيسي موجهاً الشكر لجهود الدولة في إعادة إحياء القلعة الصناعية التاريخية.

وأضاف أن المصانع الجديدة رفعت جودة الإنتاج وزادت القدرة التنافسية والتصديرية وأسهمت في بناء منظومة صناعية قوية تعيد للمحلة مكانتها الرائدة.
وأكد أن شركة غزل المحلة تشهد حالياً أضخم مشاريع تطوير في تاريخها لرفع كفاءة المصانع واستعادة مكانتها العالمية الرائدة وأكد أن المصانع الجديدة حققت طفرة إنتاجية كبرى وفي مقدمتها مصنع «غزل 1» الأكبر في العالم ومصنع «غزل 4» حيث تصل طاقتهما الإنتاجية المشتركة إلى نحو 45 طن غزل يومياً من أجود الأنواع التي تتهافت عليها الأسواق الدولية.
وأشار إلى أن الشركة نجحت في تحقيق طفرة تسويقية ومالية بإنتاج أسفر عن تحقيق إيرادات بلغت 1.6 مليار جنيه وحجم صادرات قارب الـ 20 مليون دولار شملت 12 دولة حول العالم هذا التطوير يرتكز بالأساس على كفاءة عامل المحلة الذكي الذي يمتلك روح التحدي ويحقق نتائج مذهلة متى توفرت له البيئة المناسبة.
وأوضح أن شركة غزل المحلة الكبرى منذ تأسيسها عام 1927 ليست مجرد قلعة صناعية تدعم الاقتصاد الوطني بل هي مجتمع متكامل جغرافياً واقتصادياً واجتماعياً ومن رحم هذه الورش ولد نادي غزل المحلة عام 1936 بسواعد العمال والفنيين ليعكس صلابة الإرادة المصرية.
◄ مصنع غزل 1
يُعد مصنع «غزل 1» بالمحلة الكبرى أكبر مصنع لإنتاج الغزول تحت سقف واحد عالمياً حيث يمتد على مساحة بنائية تبلغ 62.5 ألف متر مربع «1.1.3، 1.3.4» يضم المصنع منظومة تكنولوجية متطورة تحتوي على 183 ألف مردن غزل من شركة «ريتر» السويسرية «1.3.1، 1.3.4» تعمل هذه الآلات بآليات رقمية متكاملة لتحويل القطن المصري طويل التيلة إلى خيوط رفيعة فائقة المتانة والجودة «0.5.1، 1.1.2» تبلغ الطاقة الإنتاجية للمصنع 30 طناً يومياً وهو موجه أساساً لتعظيم القيمة المضافة وتلبية العقود التصديرية العالمية «1.1.3، 1.3.4».
◄ أكبر مصنع غزل بالعالم
داخل المصنع تتحرك الخيوط البيضاء بسرعة خاطفة عبر مراحل تصنيع معقدة بينما تبدو الماكينات وكأنها تعزف سيمفونية صناعية هائلة تعلن عودة مصر إلى خريطة صناعة الغزل العالمية.
اقرأ ايضا| معلومات الوزراء يصدر تحليلًا جديداً حول آفاق صناعة الغزل والنسيج
ولا يقف التطوير عند «غزل 1» بل يمتد إلى «غزل 4» الذي يحقق وحده عوائد تصديرية تصل إلى 5 ملايين دولار شهرياً بالإضافة إلى مجمع النسيج الجديد ومجمع الصباغة والتجهيز ومصانع التحضيرات الحديثة التي تستهدف تحويل الشركة إلى أكبر مركز متكامل لصناعة الغزل والنسيج في الشرق الأوسط.
◄ العمال يروون حكاية التحول
خلف ضجيج الماكينات توجد حكايات إنسانية لا تقل أهمية عن أرقام الإنتاج. العمال الذين عاشوا سنوات التراجع داخل الشركة يتحدثوا اليوم عن شعور مختلف تماماً.

تقول بسمة عبد الستار إحدى العاملات بالشركة إن ما تشهده المحلة حالياً حلم لم يكن أحد يتوقعه مؤكدة أن الشركة كانت تمر بظروف صعبة للغاية بعد الثورة وسط احتجاجات متكررة بسبب تأخر المستحقات والخوف الدائم من توقف المصانع.
وأضافت: «كنا بنخاف المصنع يقفل فعلاً النهارده بقينا داخل مصانع عالمية نفتخر بيها».
أما شيماء حجازي، فتؤكد أن المصانع الجديدة غيرت شكل العمل بالكامل سواء من حيث الإمكانيات أو جودة التشغيل أو بيئة العمل مضيفة أن العمال يشعرون اليوم بأنهم جزء من مشروع قومي حقيقي يعيد للصناعة المصرية مكانتها.
وتقول بسمة أسعد إن التطوير لم ينقذ الشركة فقط بل أنقذ آلاف الأسر التي تعتمد على غزل المحلة موضحة أن التوسعات الجديدة فتحت أبواب فرص العمل أمام الشباب من جديد.

بينما تؤكد فاتن سليمان مشرفة الموظفين أن الاستقرار عاد إلى الشركة بعد سنوات طويلة من القلق مشيرة إلى أن انتظام الإنتاج وعودة التصدير خلقا حالة من التفاؤل لم يشهدها العمال منذ سنوات.
◄ القطن المصري يعانق التكنولوجيا العالمية
ورغم ضخامة المشروع يبقى البطل الحقيقي داخل هذه المصانع هو القطن المصري طويل التيلة الذي ما زال يحتفظ بمكانته كواحد من أفضل أنواع القطن في العالم.
المهندس خالد عبد الحميد مدير قطاعات الغزل أكد خلال جولتة مع «بوابة أخبار اليوم» أن التطوير الحقيقي لم يكن مجرد استبدال ماكينات قديمة بأخرى حديثة بل إعادة بناء الصناعة بالكامل وفق معايير عالمية دقيقة.
وأوضح أن مراحل التصنيع تبدأ من استقبال القطن المصري وفرزه وتنظيفه وتمشيطه وصولاً إلى الغزل النهائي باستخدام أحدث ماكينات «ريتر» السويسرية مشيراً إلى أن جودة الغزول المنتجة حالياً تضاهي أعلى المواصفات الأوروبية والأمريكية.

وأضاف أن الاعتماد الكامل على القطن المصري (GIZA) يمنح المنتج النهائي نعومة ومتانة ولمعاناً يصعب منافسته عالمياً.
أما المهندس سعيد طنطاوي مدير قطاعات النسيج فأكد أن المصانع الجديدة تمثل نقلة نوعية غير مسبوق، خاصة مع إدخال أحدث خطوط النسيج والصباغة والتجهيز التي تسمح بإنتاج منتجات نهائية مطابقة لمعايير التصدير العالمية.
وأشار إلى أن الشركة أصبحت تمتلك سلسلة إنتاج متكاملة تبدأ من القطن الخام وتنتهي بالمنتج النهائي الجاهز للتصدير.
◄ من الخسائر إلى اقتصاد بالمليارات
ولم يعد الهدف من تطوير غزل المحلة مجرد إنقاذ شركة تاريخية بل تحويلها إلى ماكينة اقتصادية عملاقة لجلب العملة الأجنبية. حالياً تستهدف الشركة توجيه ما بين 65 و70% من إنتاجها للأسواق العالمية ضمن خطة الدولة لتعظيم العائد من القطن المصري وزيادة تدفقات النقد الأجنبي.

وتشير التقديرات إلى أن التشغيل الكامل للمصانع الجديدة سيوفر ما يقرب من مليار دولار سنوياً كانت مصر تنفقها على استيراد الغزول والخامات من الخارج. كما تستهدف الدولة تعظيم القيمة المضافة للقطن المصري عبر تحويله من خام منخفض القيمة إلى غزول ومنتجات نهائية ترتفع قيمتها التنافسية إلى ثلاثة وأربعة أضعاف داخل الأسواق العالمية.
وتصل الطاقة الإنتاجية السنوية المستهدفة للمجمع إلى أكثر من 32 ألف طن من الغزول الرفيعة والمدمجة بالإضافة إلى 48 مليون متر من الأقمشة والمنسوجات المجهزة. أما على مستوى التصدير فقد سجلت الشحنات التجريبية الأولى لقطاع الغزل نحو 20 مليون دولار كإشارة قوية على عودة المنتج المصري للأسواق الدولية بينما تستهدف الخطة وصول إجمالي العوائد التصديرية للمجمع إلى أكثر من 250 مليون دولار سنوياً.
كما تستهدف الخطة أن يحقق مصنع "غزل 1" وحده عوائد تصل إلى 10 ملايين دولار شهرياً بعد انتظام التشغيل الكامل.
◄ غزل المحلة مدينة داخل مدينة
وعلى مدار قرن تقريباً لم تكن "شركة غزل المحلة" مجرد مصنع بل مدينة داخل مدينة. داخل أسوارها تأسس غزل المحلة عام 1936 ليصبح لاحقاً أحد أعرق أندية الكرة المصرية كما تضم الشركة مستشفى ومراكز تدريب ومدارس ومجمعات سكنية خدمت أجيالاً كاملة من العمال وأسرهم، واليوم ومع اقتراب الاحتفال بعيدها المئوي تبدو الشركة وكأنها تستعيد شبابها من جديد. وفي الوقت الذي كانت فيه مصانع كبرى حول العالم تقلّص نشاطها كانت المحلة تبني أكبر مصانع غزل في العالم وتفتح أبوابها لجيل جديد من العمال والمهندسين.

◄ قبل المئوية المحلة تكتب الفصل الأهم
وربما تبدو المفارقة الأكثر إلهاماً أن الشركة التي تأسست عام 1927 تستعد اليوم لدخول مئويتها وهي في أقوى حالاتها منذ عقود. فمن داخل "غزل 1" حيث تدور آلاف المراود الحديثة بسرعة مذهلة لا يبدو المشهد مجرد تطوير صناعي بل إعلان واضح عن عودة قلعة مصر الصناعية الكبرى للحياة.
هنا لا تتحرك الخيوط وحدها بل يتحرك معها تاريخ طويل من الكفاح وأحلام آلاف العمال ومشروع وطني بدأه طلعت حرب قبل نحو مائة عام ويواصل اليوم كتابة فصل جديد من المجد داخل مصانع عملاقة تحمل اسم مصر إلى العالم.. هنا غزل المحلة.


الأزهر والبرلمان والحكومة.. من يرسم ملامح قانون الأسرة الجديد؟
اقتصاد الفحم.. كيف تحولت "المكامير" إلى أزمة بيئية في الغربية؟
«مفتاح التنافسية ومواجهة الفقر».. تحليل يكشف مؤشرات تطوير التعليم







