بقلم/ مهند عدلي
في كل أزمة عالمية كبرى، هناك دول تكتفي بمراقبة المشهد، وأخرى تدرك مبكرًا أن الخرائط الاقتصادية لا يُعاد رسمها إلا في لحظات الاضطراب الكبرى. وخلال الأشهر الأخيرة، بدا واضحًا أن العالم لا يمر بمجرد موجة توتر عابرة، بل أمام إعادة ترتيب شاملة لمراكز الإنتاج والتجارة وسلاسل الإمداد العالمية.
في أواخر أبريل من هذا العام، شاركتُ في مؤتمر التجزئة العالمي (World Retail Congress) في برلين، حيث اجتمع قادة قطاع التجارة والتجزئة من أكثر من 60 دولة، وعلى مدار ثلاثة أيام تنقّل النقاش بين الذكاء الاصطناعي وتجربة المتاجر وبرامج الولاء، غير أن الموضوع الذي عاد إلى الواجهة في كل جلسة تقريبًا، وفي معظم الأحاديث الجانبية، كان واضحًا بصورة لافتة: أن العالم يعيد رسم خرائط سلاسل التوريد من جديد.
فالشركات الكبرى لم تعد تنظر إلى سلاسل الإمداد باعتبارها مجرد معادلة تكلفة تبحث من خلالها عن المصنع الأرخص أو نقطة الإنتاج الأقل تكلفة في العالم، بل أصبحت تتعامل معها باعتبارها قضية أمن اقتصادي واستقرار تشغيلي. فالسؤال الذي يهيمن اليوم على قرارات كبرى شركات التجزئة والسيارات والإلكترونيات لم يعد: «أين التكلفة الأقل؟»، وإنما: أين المكان الأكثر أمانًا ومرونة وقدرة على الاستمرار؟
هذا التحول لم يعد نظريًا أو مؤجلًا، بل أصبح يُترجم إلى قرارات استثمارية بعشرات ومئات مليارات الدولارات، وإعادة توزيع فعلية للمصانع وخطوط الإنتاج حول العالم. ومن هنا تحديدًا تبدو مصر أمام فرصة قد تكون من أهم الفرص الاقتصادية التي أتاحتها التحولات العالمية منذ عقود.
فعلى مدار أكثر من ثلاثين عامًا، اعتمد الاقتصاد العالمي على افتراض بسيط: العالم مستقر، وسلاسل الإمداد تعمل بسلاسة عبر ممرات بحرية منخفضة التكلفة، والصين تنتج باعتبارها مصنع العالم. لكن هذا النموذج بدأ يتآكل تدريجيًا تحت ضغط سلسلة من الصدمات المتلاحقة على مدار الأعوام الماضية وحتى الآن.
فقد بدأت بجائحة كورونا التي كشفت هشاشة الاعتماد على مركز إنتاج واحد، ثم جاءت الحرب الروسية الأوكرانية لترفع تكاليف الطاقة والشحن والمواد الخام، قبل أن تتصاعد الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين، وتزداد التوترات في بحر الصين الجنوبي، وصولًا إلى اضطرابات البحر الأحمر والتوترات الجيوسياسية بالمنطقة، والتي ألقت – وما زالت تلقي – بظلالها على واحد من أهم ممرات حركة التجارة العالمية، ومنها قناة السويس ومضيق هرمز وباب المندب.
الأزمات المتكررة تحولت إلى تكلفة مباشرة تدفعها الشركات والمستهلكون حول العالم، فقد ارتفعت فترات الانتظار في موانئ إعادة التوجيه الرئيسية إلى نحو 36 ساعة، بينما أضافت شركات الشحن رسوم طوارئ مرتبطة بالنزاعات تتراوح بين 2000 و4000 دولار للحاوية الواحدة، بالتزامن مع تضاعف مؤشرات أسعار الشحن البحري.
كما أدت مسارات الشحن البديلة إلى زيادة زمن العبور بما يتراوح بين 10 و14 يومًا، في حين تشير تقديرات بريطانية إلى أن التأخيرات الفعلية امتدت في بعض الحالات إلى عدة أسابيع.
لهذا ظهرت مفاهيم مثل التصنيع القريب (Near-shoring) والتصنيع الصديق (Friend-shoring)، حيث تسعى الشركات إلى نقل جزء من إنتاجها إلى دول أقرب جغرافيًا وأكثر استقرارًا سياسيًا، بما يضمن تقليل المخاطر وتقليص زمن الشحن.
وهنا تحديدًا تبرز مصر كأحد المرشحين الكبار للاستفادة من هذه الموجة العالمية، فموقعها الجغرافي يمنحها ميزة استثنائية، إذ تقع على مسافة طيران لا تتجاوز ثلاث إلى أربع ساعات من أغلب العواصم الأوروبية، فضلًا عن امتلاكها قناة السويس التي يمر عبرها ما يقرب من 12% من التجارة العالمية في الظروف الطبيعية.
كما تمتلك قاعدة صناعية قائمة بالفعل في قطاعات مثل الصناعات الغذائية والمنسوجات ومواد البناء والأدوية، إلى جانب سوق يتجاوز عدد سكانه 110 ملايين نسمة، تمثل الفئات العمرية الشابة النسبة الأكبر منه، وهو عنصر يجذب الصناعات كثيفة العمالة.
لكن الجغرافيا وحدها لا تكفي، فالمنافسة على جذب موجة إعادة التموضع الصناعي أصبحت شرسة للغاية. المغرب، على سبيل المثال، نجح خلال سنوات قليلة في التحول إلى أكبر مُصدر للسيارات في إفريقيا، بعدما اجتذب استثمارات ضخمة من شركات عالمية مثل رينو وستيلانتس. وتركيا كذلك عززت مكانتها كمركز صناعي قريب للأسواق الأوروبية، فيما توظف دول الخليج فوائضها الرأسمالية في بناء مناطق لوجستية وصناعية متكاملة تستهدف المستثمر ذاته الذي ينبغي أن تستهدفه مصر.
ومن واقع ما استمعتُ إليه في برلين من رؤساء شركات يديرون شبكات توريد بعشرات المليارات من الدولارات، فإن قائمة الأولويات أصبحت واضحة للغاية:
أولًا: البنية اللوجستية.
لم يعد كافيًا امتلاك موانئ فقط، بل المطلوب منظومة متكاملة تشمل موانئ جافة، وربطًا فعالًا بالسكك الحديدية، ومناطق تخزين وتبريد، ومراكز لوجستية قريبة من المصانع.
ثانيًا: تفعيل اتفاقيات التجارة الإقليمية والدولية.
تمتلك مصر شبكة واسعة من الاتفاقيات التجارية مع الاتحاد الأوروبي والكوميسا وأغادير والميركوسور ومنطقة التجارة الحرة الإفريقية، بما يمنحها قدرة للوصول إلى أسواق يتجاوز حجمها ملياري مستهلك، لكن التحدي الحقيقي يكمن في تحويل هذه الاتفاقيات من أوراق دبلوماسية إلى أدوات فعلية لجذب التصنيع والتصدير.
ثالثًا: الاستقرار التشريعي.
فالمستثمر الجاد يستطيع التعامل مع التحديات الاقتصادية، لكنه لا يحب المفاجآت. وما تحتاجه الشركات العالمية ليس بالضرورة المزيد من الحوافز، بل قواعد مستقرة وواضحة يمكن البناء عليها لسنوات طويلة.
رابعًا: تكلفة الطاقة واستدامتها.
فالمصانع التي تعيد توزيع إنتاجها عالميًا لا تبحث فقط عن الطاقة الأرخص، بل عن القدرة على التنبؤ بالتكلفة مستقبلًا. وهنا تملك مصر فرصة مهمة مع توسعها في الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر.
خامسًا: المهارات والتدريب.
أي طفرة صناعية حقيقية ستحتاج إلى عشرات الآلاف من الفنيين المهرة سنويًا، وهو ما يفرض شراكة أعمق بين الدولة والقطاع الخاص والجامعات لتطوير التعليم الفني والتدريب المهني.
ما خرجتُ به من برلين لم يكن إعجابًا بما يفعله الآخرون، بقدر ما كان إدراكًا واضحًا أن مصر تمتلك بالفعل مقومات المنافسة. فمصر تقف اليوم أمام نافذة استراتيجية قد لا تتكرر كثيرًا، إذ تمتلك الموقع والسوق والاتفاقيات والبنية الأساسية التي تطورت بشكل ملحوظ خلال السنوات الأخيرة.
لكن، في عالم يتحرك بهذه السرعة، لن تُحسم المنافسة بحجم الإمكانات فقط، بل بالقدرة على التحرك السريع، وامتلاك رؤية واضحة، وتنفيذ فعّال يرسّخ مكانة مصر كشريك صناعي موثوق، وقادر على أن يكون ضمن كبار مراكز التصنيع وسلاسل التوريد العالمية الجديدة .

مجلس أمناء جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا يقرر تعيين الدكتورة إيمان أحمد عبد العزيز أمينا عاما للجامعة
أيمن الجميل: الاستقرار السياسى والأمنى جعل مصر مركز جذب إقليمى للاستثمارات والشراكات .. ومجتمع الأعمال قادر على تحويل الأزمات إلى فرص استثمارية
مانفودز-ماكدونالدز مصر تطلق تقرير Oxford Economics وتكشف عن مساهمة تتجاوز 10.3 مليار جنيه في الاقتصاد المصري في الفترة من يوليو 2024 إلى يونيو 2025







