حين قالت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلونى إن الدول الحرة يجب أن تكون قادرة على الدفاع عن نفسها، كانت تلخص حقيقة أصبحت بديهية فى عالم مضطرب: من لا يملك أدوات حماية قراره، فسيفقد جزءًا من حريته عند أول اختبار، الدولة التى تنتظر الآخرين كى يدافعوا عنها لا تملك سيادتها كاملة، والدولة التى تذهب إلى طاولة التفاوض وهى مكشوفة عسكريًا تجلس فى الحقيقة بنصف موقف ونصف إرادة، لكن مصر لم تنتظر أن يأتى هذا الدرس من أوروبا، مصر قرأته قبل ذلك بسنوات، من واقع جغرافيتها، وحدودها، وتاريخها، ومن الإقليم الذى يتغير حولها بالنار.
الشرق الأوسط لا يمنح رفاهية الضعف، هذه منطقة لا تُحترم فيها النوايا الطيبة وحدها، ولا تحمى فيها البيانات السياسية حدود الدول، ولا تكفى فيها الدعوة إلى السلام إذا لم تكن خلفها قدرة تمنع الآخرين من اختبارك، مصر تعيش فى قلب هذا الإقليم، لا على أطرافه: حدود غربية مع ليبيا التى عاشت سنوات من الفوضى والسلاح والميليشيات، حدود شرقية ملتهبة مع غزة وإسرائيل، جنوب مفتوح على السودان والبحر الأحمر، شمال على شرق المتوسط وصراعات الغاز والطاقة، وملف مائى وجودى يرتبط بالنيل ومنابعه، فى مثل هذه الجغرافيا، لا يكون بناء الجيش ترفًا، بل شرط بقاء.
لذلك، حين بدأت مصر فى تحديث قواتها المسلحة وتنويع مصادر تسليحها ورفع كفاءة مقاتلها، لم تكن تبحث عن مغامرة، ولا عن استعراض، ولا عن سباق تسلح منفصل عن الواقع، كانت تبنى ما يمكن تسميته بـ«القدرة الحامية للقرار» لأن القرار السياسى لا يكون مستقلًا إلا إذا كان محميًا والدبلوماسية لا تكون فعالة إلا إذا كانت مسنودة، والسلام لا يكون مستقرًا إذا كان الطرف الذى يطلبه عاجزًا عن حماية حدوده ومصالحه.
وهنا نجيب عن السؤال الذى طرحه المغرضون كثيرًا: لمن يتسلح الجيش المصري؟
يتسلح الجيش المصرى لكى لا تُفرض على مصر حرب لا تريدها، يتسلح لكى لا يُفرض عليها سلام ناقص يمس أمنها، يتسلح لكى لا يتحول جوارها إلى مصدر تهديد دائم، يتسلح لكى يعرف كل طرف، قريب أو بعيد، أن الأمن القومى المصرى ليس منطقة رخوة ولا مساحة مفتوحة للاختبار، يتسلح لكى تحمى مصر حدودها، ومياهها، وممراتها، وقرارها، وشعبها، ودورها، والسؤال الحقيقى ليس: لماذا يتسلح الجيش المصري؟ بل: كيف لدولة بحجم مصر وفى موقع مصر ووسط هذه الحرائق كلها ألا تبنى قوة رادعة؟
المشكلة أن بعض الأصوات تتعامل مع التسليح كأنه إعلان نية للحرب، بينما المنطق الاستراتيجى يقول العكس تماما، الدول الرشيدة لا تبنى قوتها لكى تحارب بالضرورة، بل لكى لا تُجبر على الحرب فالردع فى جوهره ليس حبًا فى الاشتباك، بل منع للاشتباك، حين يعرف الخصم أنك قادر، يصبح أكثر حذرًا، وحين يعرف الحليف أنك قادر، يتعامل معك كشريك لا كعبء وحين تعرف القوى الكبرى أنك تملك خيارات، لا تتعامل معك كدولة تابعة يمكن الضغط عليها بسهولة.
تنويع مصادر السلاح كان جزءًا أساسيًا من هذه الفلسفة، فالجيش الذى يعتمد على مصدر واحد للسلاح، يضع جزءًا من قراره تحت رحمة هذا المصدر والسلاح هنا ليس مجرد معدات، بل شبكة تشغيل وتدريب وصيانة وذخائر وقرار سياسي. لذلك كان من الطبيعى أن تنفتح مصر على مدارس متعددة: غربية وشرقية، أوروبية وآسيوية. فرنسا، ألمانيا، إيطاليا، روسيا، الصين، والولايات المتحدة، وغيرها من المصادر؛ كل هذا لا يعنى أن مصر تنتمى لمحور ضد آخر، بل يعنى أنها ترفض أن تكون رهينة محور واحد.
هذا التنويع لم يكن قرارًا فنيًا فقط، بل كان قرارًا سياديًا، الدولة التى تنوع سلاحها تنوع خياراتها والدولة التى تنوع خياراتها تمنع الابتزاز، ومصر وهى تدير ملفات شديدة الحساسية مثل غزة وليبيا وسد النهضة وشرق المتوسط والبحر الأحمر، لا تستطيع أن تقبل أن تكون قدرتها الدفاعية قابلة للتعطيل إذا تغير مزاج سياسى فى عاصمة كبرى، بهذا التوجه يعلن الاستقلال، فالخطب وحدها لا تكفى والاستقلال يُبنى فى منظومات القوة.
وهنا تظهر فكرة «القوة الرشيدة» التى يمكن أن تختصر فلسفة الرئيس عبد الفتاح السيسى فى التعامل مع ملف القوة العسكرية، القوة الرشيدة ليست قوة منفلتة، ولا قوة تبحث عن معركة، ولا قوة تستخدم السلاح لتعويض نقص فى السياسة، القوة الرشيدة هى أن تمتلك القدرة وأن تُحسن ضبطها، أن تبنى الردع ولا تنجر للاستفزاز، أن تملك أدوات الحرب لكنك تفضل الحل السياسى إذا كان يحمى مصالحك، أن تجلس إلى طاولة المفاوضات وأنت تعرف أن خلفك جيشًا قادرًا، لا لكى تهدد، بل لكى لا تُبتز.
وهذا ما ظهر فى أكثر من ملف، فى ليبيا لم تنزلق مصر إلى حرب مفتوحة رغم تهديد أمنها المباشر، لكنها وضعت خطوطًا حمراء فهمها الجميع، فى سد النهضة تمسكت مصر بالتفاوض والقانون الدولى رغم حساسية الملف، لكنها لم تكن دولة بلا قدرة أو بلا أوراق، فى غزة رفضت مصر التهجير وحمت حدودها وأدارت الوساطة والمساعدات دون أن تدخل فى فوضى عسكرية، فى شرق المتوسط، بنت مصر تحالفات ومؤسسات ومصالح، ولم تجعل القوة بديلًا للدبلوماسية، بل سندًا لها.
هذه هى المعادلة التى لا يفهمها أصحاب المزايدات: امتلاك القوة لا يعنى استخدامها فى كل لحظة، أحيانًا تكون أعظم فاعلية للقوة أنها تمنع الآخرين من فرض خياراتهم، القوة ليست دائمًا طلقة تخرج، بل أحيانًا موقف يُحترم لأنه مدعوم بقدرة، الردع ليس حربًا، بل رسالة.
والرسالة المصرية فى السنوات الأخيرة كانت واضحة: مصر لا تعتدي، لكنها لا تُستباح، لا تبحث عن صراع، لكنها لا تقبل فرض الأمر الواقع عليها، لا تدخل فى مغامرات، لكنها لا تترك أمنها القومى بلا حماية.
حين يتساءل البعض: لمن يتسلح الجيش المصري؟ فهم يتجاهلون عمدًا طبيعة المنطقة. هل يتسلح الجيش المصرى من أجل حدود آمنة بالكامل؟ لا، هل يتسلح فى إقليم مستقر؟ لا، هل يتسلح فى عالم تحترم فيه القوى الكبرى القانون دائمًا؟ لا، نحن فى عالم تحسم فيه القوة كثيرًا من التوازنات، وتُعاد فيه هندسة مناطق كاملة تحت ضغط السلاح، فمن لا يملك قوة، فقد يُدعى إلى الطاولة بوصفه موضوعًا للنقاش، لا طرفًا فى القرار.
لكن الفارق أن مصر لم تحول هذا الإدراك إلى عدوانية، لم تستخدم بناء القوة لتبرير التدخل فى شئون الدول، لم تسع إلى فرض هيمنة على جوارها، لم تنشئ مشروعًا عسكريًا هجوميًا ضد أحد، عقيدة القوة المصرية، كما ظهرت فى السنوات الأخيرة، دفاعية فى جوهرها: حماية الدولة، حماية الحدود، حماية البحر، حماية الممرات، حماية المجال الحيوي، وحماية القرار، وهذه نقطة مركزية؛ لأن هناك فرقًا بين دولة تتسلح لكى تبتلع الآخرين، ودولة تتسلح لكى لا يبتلعها الآخرون.
القوة الرشيدة كذلك تمنح الدولة وزنًا فى السياسة الخارجية، حين تتحرك مصر فى الوساطة، يكون لصوتها وزن لأنها دولة قادرة، حين تتحدث عن أمن البحر الأحمر، يُسمع لها لأنها تملك موقعًا وقوة، حين ترفض تهجير الفلسطينيين إلى سيناء، لا يكون الرفض مجرد بيان، بل موقف دولة تعرف كيف تحمى حدودها، حين تتحدث عن أمن الخليج أو ليبيا أو السودان، فهى لا تتكلم من موقع الوعظ، بل من موقع دولة تعرف أن أى خلل فى محيطها سينعكس عليها مباشرة.
هذه هى القوة الرشيدة: قوة لا تصرخ كثيرًا، لكنها حاضرة. لا تستفز، لكنها تردع، لا تندفع، لكنها تستعد، لا تجعل الحرب هدفًا، لكنها لا تخشى المواجهة إذا فُرضت عليها، وإذا كانت الدول الحرة يجب أن تكون قادرة على الدفاع عن نفسها كما قالت ميلوني، فإن مصر كانت قد فهمت ذلك قبلها بسنوات، وبنت عليه سياسة كاملة: لا سيادة بلا قدرة، لا سلام بلا ردع، ولا قرار مستقلا بلا جيش قوى يحميه.

محمد علي السيد يكتب: الأسرى.. عبيد وألات.. وفي الإسلام بشر
شعب مصر.. وجيشها
إدانة.. ولكن «1»







