فوبيا الأضحية.. تجاوز «العقدة» مبكراً

مشاهد الذبح «شعرة» بين التأهيل التربوى ومخاطر الصدمات النفسية

فوبيا الأضحية.
فوبيا الأضحية.


يثير حضور الأطفال لمشاهد الذبح فى عيد الأضحى المبارك تساؤلات تربوية ونفسية عديدة حول مدى ملاءمة هذه التجربة لأعمارهم المختلفة، وطبيعة الأثر النفسى الذى قد تتركه فى وجدانهم. 

يقول د. جمال فرويز استشارى الطب النفسى «استجابة الأطفال لمشهد الأضحية تخضع لما يُعرف بـ «التباين السنى والنفسى»، أى لا يمكن تعميم تجربة واحدة على جميع الأطفال، ففى حين يبدى بعض الأطفال شغفًا كبيرًا وجرأة واضحة لحضور هذه المناسك، نجد فى المقابل أطفالاً آخرين يمتلكون نزعة تنفر من هذا المشهد وتكرهه، بينما يقف فريق ثالث موقف «المتردد والمستحى»، وأرجع هذا التفاوت إلى الفروق فى الجينات الوراثية لكل طفل، فضلاً عن الظروف الحياتية والنفسية الخاصة التى يعيشها الطفل داخل أسرته، مما يجعل «الاستعداد النفسى» هو المحرك الأساسى والفيصل فى هذا الأمر.
وشدد فرويز على أن حضور ذبح الأضحية لا بد أن تسبقه مرحلة تمهيدية صارمة تعتمد على الشرح التربوى والدينى المبسط، وحكى قصة سيدنا إبراهيم وابنه سيدنا إسماعيل عليهما السلام، وتوضيح الحكمة الإلهية من الفداء بدلاً من ذبح الإنسان وشرحها بأسلوب هادئ لا يثير الرعب، ويغرز قيمًا عظيمة وتجسيدًا للطاعة العمياء والربانية، وتقديم هذا المفهوم بهدوء وسلاسة ليتفهمه الطفل عقليًا وعاطفيًا.. وحذر فرويز بشدة من الأخطاء التى تقع فيها بعض الأسر نتيجة المقارنات الاجتماعية بين الأطفال داخل العائلة الواحدة، واعتبر أن إجبار الطفل المتردد أو الخائف على المشاهدة يعد انتهاكًا لسلامته النفسية.. وأوضح أن النتيجة المباشرة لإجبار الطفل الخائف على الحضور، أو إرغامه على غمس يده فى دماء الأضحية، تتجسد فى إصابته بأحلام مزعجة، وخوف زائد، وصدمة نفسية حادة قد ترافق مسيرة حياته حتى الكبر.. أما بعض العادات الثقافية الموروثة مثل غمس الأيدى فى دماء الأضحية وطباعتها على الجدران، وصفها بأنها امتداد لثقافة مصرية قديمة تعود إلى عهد القدماء المصريين.. حيث يعتقد العوام أنها وسيلة «لمنع الحسد».
يوضح استشارى الطب النفسى أن هناك أمراضًا نفسية تصيب الطفل نتيجة إجباره على رؤية مشاهد الذبح، تتمثل فى اضطرابات النوم والكوابيس، فقد يستقر مشهد ذبح الأضحية وهى تلفظ أنفاسها الأخيرة فى مخيلة الطفل الضعيفة، ليعاد إنتاجه بشكل متكرر فى أحلامه على هيئة كوابيس مزعجة تؤرق نومه وتؤثر على توازنه الشعورى اليومى.
كذلك «الحكمية النفسية» والكراهية غير المبررة، حيث يربط العقل الباطن للطفل تفاصيل المشهد المؤلم بعناصر أخرى محيطة به. قد تتولد لدى الطفل كراهية مستدامة لبعض الألوان أو الأسماء دون أن يدرك السبب؛ كأن يكره لونًا معينًا من الملابس أو اسمًا محددًا لمجرد أنه كان يخص الشخص الذى قام بالذبح أو تقييد الأضحية، مما يدخله فى نوبات من اضطرابات النوم والتوتر بلا داعٍ.. وتابع قائلًا «هناك اضطرابات التغذية (النفور من اللحوم)، قد تؤدى الصدمة بالطفل إلى تطوير كراهية مطلقة للحوم الحمراء، مما يدفعه إلى مقاطعة أكلها طوال حياته والتحول قسريًا إلى شخص «نباتى» نتيجة الارتباط الشرطى بين اللحم ومشهد الدماء».
وأخيرًا العصبية المفرطة والارتياب (البارانويا)، تتسبب الصدمة فى رفع مستويات التوتر والعصبية لدى الطفل بشكل حاد، حيث يبدأ فى إسقاط المشهد على نفسه فكريًا، ويتملكه خوف دائم من أن يلقى نفس المصير الذى واجهته الأضحية، مما يزرع لديه نزعة من السوداوية، والريبة، والشك الدائم فى جميع المحيطين به.
من جانبه يوضح د. على النبوى، أستاذ الطب النفسى والمخ والأعصاب بكلية طب الأزهر، أن نفسية الطفل تشبه الصفحة البيضاء ويكتب عليها أثناء الطفولة ما يمر به الطفل من أحداث وعند تعرضه لحادث صادم تفرز كميات كبيرة من مادة الأدرينالين تخزن داخل الجهاز العصبى فى ظاهرة نفسية تسمى (الاقتران الشرطى) وتفرز هذه المادة دون حدث فيما بعد لذلك يصاب الطفل باضطرابات كثيرة نفسية منها الفزع والعنف والسلوك المضطرب.
وتابع قائلًا «حضور الطفل الأضحية وهو غير مهيأ نفسيًا قد يصاب فيما بعد باضطرابات نفسية تسمى كرب ما بعد الصدمة، وقد يحدث اضطرابات فى النوم والدراسة وعدم التركيز».
يستكمل النبوى قائلاً «كان النبى صلى الله عليه وسلم يدعو ابنته فاطمة لحضور الذبح ويقول لها إنه يغفر لها بأول قطرة دم من الأضحية. وبذلك يعتدل المفهوم الفكرى لدى الطفل بأنه خير خاصة عندما يقوم الأب بتقطيع اللحوم وتقسيمها وتوزيعها على الفقراء، ويمكن للأطفال التى تهاب منظر الذبح بأن يكتفى آباؤهم بمشاركتهم فى توزيع اللحم على الفقراء ليغرس فيهم قيم العطاء والخير.