ماسبيرو ليس مجرد مبنى يتربع فى اجمل بقعة على ضفة النيل الخالد، بل هو ذاكرة وطن تُروى على مدى أكثر من ستة عقود، افتتحه عبد الناصر فى ٢١ يوليو ١٩٦٠، فكانت لحظة ميلاد «صوت مصر الحر»، الذى اهتزت له الدنيا فى الانتصارات والانكسارات، وكان نبض الشارع المصرى وقيثارة الفرح والشجن.
فى عيد الاعلاميين الـ٦٦، ماسبيرو يناشدكم أن تحافظوا عليه، أركانه لا تعرف الشيخوخة، وكل زاوية تعانق شبابها الأول، وتتنفس من رحيق الذكريات، وأهدى الأمة آلاف الاغانى الوطنية، التى زرعت فى وجدان الملايين حبا لا يموت وحماسة لا تخفت، وهو الراعى الرسمى للقضايا الكبرى، والمرآة الصافية التى عكست المصريين أنفسهم، وأتقن المشهد لدرجة أن محبيه ظنوه معجزة تقبع فى مكان سحرى، ولكن السحر الحقيقى هو قدرة هذا الصرح على التجدد، كالنيل تماما.
فى جينات ماسبيرو حكمة عبدالناصر، الزعيم الوطنى الذى أدرك أن القوة الناعمة للأمة ليست لتصفية الحسابات السياسية، بل كنز يُصان، ولم يحجب صوت أم كلثوم أو عبد الوهاب لأنهما غنيا للملكية، ولم يطفئ شمس امير الشعراء احمد شوقى لأنه كان شاعر العرش البائد، بل آمن بأن هؤلاء هم ملك للخلود المصرى لا لأنظمة تزول، ولو لم يفعل لتحولت الثورة إلى صحراء قاحلة، لا تخرج إلا الأشواك.
وفى لحظة الانكسار عندما وقعت نكسة ١٩٦٧، كان ماسبيرو هو حنجرة الأمل، ودوّت فوق أثير أمواجه صرخة أم كلثوم الخالدة تقول لعبد الناصر «إبقى.. فأنت حبيب الشعب»، لتعيد ثقته فى نفسه، وتصنع معجزة «استعادة الأمل»، من تحت ركام الهزيمة، وكانت تلك الصرخة شرارة البدء لمعركة وجود، قادها الوجدان المصرى والعربى، لإعادة بناء الهوية والتمسك بالحلم، وسلاحا استراتيجيا فى أوقات الأزمات.
ثم جاء يونيو ٢٠١٣، وتزاملت الثورتان، الكبرى «يوليو» التى حررت الإرادة من الاستعمار، والصغرى (يونيو) التى خلصت الوطن من قبضة من هم أسوأ من الاستعمار، المستعمر يعرف انه سيرحل يوما ما، أما الإخوان فخططوا للبقاء نصف قرن، فى كهف الشرعية الزائفة، ليذيبوا هوية الأمة فى أوهام خلافتهم الإقصائية، وتعانقت الأغانى الوطنية، على شفاه القوة الناعمة.
تُقاس حضارات الأمم بقدرتها على حماية هويتها، ويبرز اسم «ماسبيرو» كحائط صد تاريخي، وإعادة قراءة مسيرة هذا الصرح العريق، واستدعاء محطاته الفارقة بأيامها الحلوة والمرة، ضرورة حتمية لاسترداد صفحات من ذاكرة النسيان، لنصل إلى حقيقة جوهرية، وهى أن المستقبل هو نتاج معادلة تتكامل فيها أصالة الماضى مع حيوية الحاضر لتمهيد الطريق نحو الغد، وماسبيرو ظل سنوات طويلة، حارسا امينا على الوعى الوطنى.
وفى عيد الإعلاميين أتوجه بالتحية والتقدير لكل حنجرة صدحت بالحق، وكل قلم سطّر، وكل عين خلف الكاميرا نقلت الواقع بكل أمانة، أنتم لستم مجرد ناقلين للحدث، بل من يمنحون الأحداث جوهرها ومصداقيتها.

محمد علي السيد يكتب: الأسرى.. عبيد وألات.. وفي الإسلام بشر
شعب مصر.. وجيشها
إدانة.. ولكن «1»







