تساؤلات

«قولًا واحدًا»

أحمد عباس
أحمد عباس


لست أقول هنا بأن هناك صحيحا أو خطأ، أنا فقط أحب أن يكون الكلام عزيزا فيصير المعنى أوضح وأكثر رسوخًا.

الموضوع عندى بدأ لما قُدر لى أن أصير كاتبا، وكان ذلك من ضروب الخيال، إذ كنت لا أظن أبدًا أن ذلك شيء قد يحدث لأسباب عديدة أخطرها فى ظنى أننى لم أبحث مرة واحدة فى نفسى عن نفسي، وفاتتنى فرص جمة فقط لأننى لم أهدأ مرة لأعرف ماذا قد أكون أعرفه، وهذه فى ذاتها جريمة نرتكبها بتهاون كبير دون أن نلتفت لجسامتها، ذلك أن اليوم الذى يمر هكذا لا يعود أبدا. المهم، لما نصحنى الناصحون ولاحظت بمرور الوقت أنه ربما «ييجى مني» ويجد ما أكتبه شخصا واحدا يقرؤه، تنبهت!
ثم واجهت الواقع وقررت ألا يصير ما أكتبه مصابا بالعدوى، عدوى الكلام، والعدوى التى أقصدها هنا هى تلك المتعلقة بالتعبيرات المُعلبة والجمل سابقة التحضير.
ولاننى لا أميل للاستفاضة والشرح وأُصاب بالملل بسرعة، دعنا نلعب لعبة صغيرة سولها لى عقلى فى لحظة انتشاء، أقول لك كلمة وتضيف لها أنت عزيزى القارئ وصفًا لائقا يناسبها من عقلك، أحضر قلما وورقة ودوِّن معى حتى لا ننسى، الآن..
ظلام، زحام، ليل، فراغ، طريق، صديق، مضيق..
السؤال الآن: لماذا الاستعانة بأوصاف أصلًا؟!
أليس الظلام حالكًا؟، والزحام أليس خانقًا بطبيعته؟، والليل أليس هادئا بما يكفي؟، والفراغ فراغ، هل يحتاج الى أن يكون شاسعا؟، وماذا عن المضيق؟ فكر، ألا تصيبك الكلمة وحدها باختناق؟، فما داعى وصفه بالخانق؟!
وهذه هى معانى الكلمات بذاتها من دون إضافة ولا وصف، لا أحب ذكر المعروف بالطبيعة والتأكيد على المفهوم بالبداهة، أراه من فطريات الكلام، كأنها مسائل تنمو على سطح الكلمات وتزيد وتربو وتصير كما نبات «لبلاب» متسلق، ثم نتسلمها نحن هكذا كما هي، ونعيد ضخها فيما نقول ونكتب حتى نتوارثها ونجود عليها بما أوتينا، فكرت مرة لماذا ذلك؟، ثم لم أتوصل لجواب مقنع.
لست أقول هنا بأن هناك صحيحا أو خطأ، أنا فقط أحب أن يكون الكلام عزيزا فيصير المعنى أوضح وأكثر رسوخًا.
ثم فكرت ألا يُحجِّم الوصف الموصوف؟، فماذا مثلا إذا كان الظلام دامسًا أو حالكًا أو مُخيفًا أو شاحبًا أو ونيسًا أو ظريفًا أو أليفًا، أو غير ذلك؟، هل رأيت كم شعورا انتابك عزيزى القارئ لما تركت للموصوف حريته يسير على حر معناه وفهمه!
ثم أمسكت فجأة بما سميته «الكسل اللغوي»، وهو كسل ما، يصيب الناس فى إنتاج وتنسيق الكلام، وذلك لما نعتبر الوصف المتوارث هو الأشد قوة والأجمل فى المعنى، وربما نجزم بأنه الصحيح الوحيد الذى يتوجب قوله، مثلا كقول أحدهم «قولا واحدا»!، والحق هذا تعبير لا أفهمه ولا يدخل عقلى ولم أحاول بلعه، فمن ذاك الذى يملك القول الفصل فى شيء!، ولكنى لا أحب الخوض فى هذه المنطقة إذ يتشابه فيها الكلام عن الحقيقة والحقيقة المطلقة، وهذه مساحة تحتاج إلى طرح وإسهام كبار المفكرين، ولست منهم، لكن ما أبغيه من ذكر التعبير هو العبارة ذاتها التى -فى ظنى- يقول بها قائلها لأنه سمعها فأعجبته، وكلنا يحب أن يكون كلامه منمقًا وموثوقًا جدا لدرجة تدفعنا لوصفه بأنه «قول واحد».
يقول بعض الناصحين إن «التقشف الكلامي» ليس محببًا فى كل الحالات، وينصحوننى بعدم اللجوء إليه إذ إنه يجيء عندهم فى باب «البخل»، وبما أننى لست بخيلا فلا داعى لاستخدام هذه الطريقة، هكذا ينصحونني، لكنى واللهِ لا أحب تحجيم المعانى وتجهيزها ثم «دفسها» فى خيال مَن يقرأ، كما أننى لا أرتاح للإفراط، كما أننى لست «رغايا» ولا أطيق كُتر الكلام.