يزداد المشهد السياسى فى الصراع بين أمريكا وإيران ضبابية وسط تطورات متلاحقة، مع تضارب التصريحات الصادرة من الطرفين، حيث تعلن واشنطن التوصل لاتفاق، بينما تنفى طهران ذلك فى الوقت الذى تشتعل فيه الهجمات بين حين وآخر.
وأعلن ترامب أنه أعطى أوامر برفع الحصار المفروض على الموانئ الإيرانية، قائلا إن على إيران فتح مضيق هرمز فورا دون قيد أو رسوم، والتعهد بعدم امتلاك سلاح نووى.
وقال إنه سيعقد اجتماعا طارئا فى غرفة العمليات مع كبار مستشاريه لاتخاذ قرار نهائى، لكنه أكد عدم تبادل أى أموال مع إيران حتى إشعار آخر.
وأضاف أن الولايات المتحدة والصين فقط هما القادرتان على استخراج اليورانيوم الإيرانى عالى التخصيب وتدميره، وأنهما ستقومان بذلك بالتفاهم مع إيران وعن طريق الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
وستقوم إيران، بحسب الرئيس الأمريكى، بإزالة ما تبقى من ألغام فى مضيق هرمز، فيما ستبدأ السفن العالقة بالمضيق العودة إلى أوطانها.
لكن وكالة فارس للأنباء نقلت عن مسئولين إيرانيين أن حديث ترامب «يمزج بين الحقيقة والكذب بحثا عن انتصار مزيف»، وأن مذكرة التفاهم «يجرى العمل عليها ولم تقر بشكل نهائى من مجلس الأمن القومى الإيرانى».
كما نفت طهران ما أعلنته واشنطن بالنسبة لوضع الملاحة فى مضيق هرمز، والتى قال المسئولون الإيرانيون إن طهران ربما لن تفرض رسوم عبور عليه لكنها أيضا قد تحصل على مبالغ مالية مقابل خدمات ملاحية.
ووسط حالة من الالتباس حول حقيقة التوصل لاتفاق - حتى كتابة هذه السطور - خرجت تصريحات من الجانبين بأن الاتفاق المبدئى قائم على تمديد الهدنة الحالية شهرين إضافيين، مع توسيع المفاوضات بشأن الملف النووى الإيرانى.
وتشير التسريبات إلى أن مسودة الاتفاق تضع الأمن البحرى مقابل تسهيلات اقتصادية وإنسانية، وذلك من خلال تحرير الملاحة فى مضيق هرمز دون قيود أو رسوم، مع تعهد طهران بإزالة الألغام البحرية من الممر المائى خلال 30 يوما.
بعد ذلك، ستبدأ الولايات المتحدة فى تخفيف حصارها البحرى على إيران تدريجيا، وبما يتناسب مع عودة حركة الشحن الدولى لطبيعتها.
وقال نائب الرئيس الأمريكى جى دى فانس، إنه من الواضح أن إيران تريد إبرام صفقة وأن المفاوضين يتحاورون ذهابا وإيابا بشأن نقطتين متعلقتين بصياغة النصر.
وقال إن نقاط الخلاف شملت مخزون إيران من اليورانيوم عالى التخصيب، والذى يمكن استخدامه لإنتاج سلاح نووى. وإن هناك نقطتين من الخلاف بشأن المسائل النووية، وهما المخزون عالى التخصيب، وكذلك مسألة التخصيب.
وفى الداخل الأمريكى يتجاوز الصراع حدود الخلاف الحزبى حول الحرب مع إيران بين البيت الأبيض وخصوم ترامب الديمقراطيين، وهو ليس مجرد انقسام جمهورى بين صقور يخشون صفقة سيئة ورئيس يريد تسويق انتصار، بل يتجاوز ذلك إلى صراع على تعريف النتيجة، وهل هى انتصار أم هزيمة مقنعة.
كما تثور التساؤلات فى أروقة السياسة الأمريكية حول ما يمكن أن تقبل به واشنطن وهل يكتفى ترامب بمنع إيران من امتلاك سلاح نووى، ويفتح مضيق هرمز ليعلن النصر، أم أن أى إفراج عن أموال مجمدة، أو قبول بدور إيرانى فى أمن المضيق، سيُستخدم لاحقاً لتصوير الاتفاق بوصفه هزيمة سياسية مؤجلة؟
وخلال الأيام الأخيرة، تكررت الضربات الأمريكية التى وصفتها القيادة المركزية بأنها «دفاعية» ضد مواقع إيرانية فى جنوب البلاد، قبل أن ترد طهران بإطلاق صاروخ باليستى باتجاه الكويت، قالت واشنطن إن الدفاعات الكويتية اعترضته.
وعكست آخر التسريبات حالة الالتباس، فقد نقلت وكالات عن التلفزيون الإيرانى أن مسودة الاتفاق الأولية تتحدث عن إعادة حركة الملاحة التجارية فى مضيق هرمز إلى مستويات ما قبل الحرب خلال شهر، مقابل رفع الحصار البحرى الأمريكى، وانسحاب قوات أمريكية من محيط إيران، مع إدارة إيرانية عمانية لحركة السفن التجارية. وتنص المسودة، إذا اكتمل الاتفاق خلال 60 يوماً، على تحويله لاحقاً إلى صيغة ملزمة فى مجلس الأمن.
وفى المقابل نفى البيت الأبيض صحة تقرير التلفزيون الإيرانى، وقال إن مذكرة التفاهم المشار إليها مختلقة بالكامل، فى الوقت الذى تؤكد تقارير أمريكية أن الملاحة فى هرمز لا تزال شديدة التقييد، وأن استعادة الثقة التجارية قد تستغرق أشهراً، حتى إذا صدر إعلان سياسى قريب.
وأشارت صحيفة «وول ستريت جورنال» إلى أن طهران تسعى إلى هدفين متلازمين وهما إنقاذ اقتصادى من دون منح ترامب نصراً واضحاً، والتركيز على جزء من أصول مجمدة قد تصل إلى 100 مليار دولار، مع بحث إفراج مبكر عن نحو 12 مليار دولار من أصل 24 ملياراً مطروحة فى مرحلة أولى.
ويعكس التوصل إلى مذكرة تفاهم، لا إلى اتفاق شامل، حدود الممكن حالياً، فالمذكرة قد توقف النار، وتفتح مضيق هرمز، وتؤجل الملفات الأثقل، لكنها لا تحلها نهائياً، لذلك تبدو «ورقة التفاهم» جسراً هشاً بين الحرب والاتفاق ضرورية لتخفيف التصعيد، لكنها قابلة أيضاً لأن تتحول إلى ساحة ابتزاز متبادل.
ويمثل مضيق هرمز أصل الضغط الإيرانى ومصدر الخطر على أى اتفاق، فواشنطن تريد فتحه بأية طريقة، كما قال وزير الخارجية الأميركى ماركو روبيو، بعد ضربات أميركية استهدفت زوارق إيرانية اتُهمت بمحاولة زرع ألغام ومواقع إطلاق قرب المضيق.
لكن قبول صيغة تمنح إيران حق إدارة المرور، أو تسمح لها بفرض رسوم أو أذونات عبور، سيبدو سابقة خطيرة، لذلك يرى منتقدو الصفقة أن طهران قد تخسر الحرب العسكرية، لكنها تكسب نظاماً جديداً فى هرمز.
أما الملف النووى فيمثل العقدة الكبرى فترامب يكرر أن إيران «لن تمتلك سلاحاً نووياً»، لكن يبدو ان طهران لن تقوم بتسليم اليورانيوم العالى التخصيب. كما لا تبدو إيران قادرة، حتى إذا حصلت على بعض الأموال، على العودة بسهولة إلى وضع التهديد المفتوح للمنطقة، فقد تعرضت قدراتها لضربات، وشرعيتها الإقليمية محدودة، كما أن روسيا والصين لا توفران لها غطاءً كافياً.
ولذا تعلن إيران دوما استعدادها للرد من دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة، لكنها تختار فى الوقت نفسه مستوى من التصعيد تعتقد أنه لا يدفع واشنطن مباشرة إلى استئناف الحرب على نطاق واسع، غير أن هامش الخطأ فى هذا النوع من الاشتباك يبقى واسعاً.
فى المقابل، تتمسك واشنطن بوصف عملياتها بأنها «محدودة ودفاعية» وتهدف إلى حماية وقف إطلاق النار. لكنها، عملياً، تضرب الأدوات التى تقول إن إيران تستخدمها لفرض شروط مرور جديدة فى مضيق هرمز، من المسيّرات ومراكز التحكم إلى منصات الإطلاق والقوارب المرتبطة بزرع الألغام.
كما يحاول ترامب إظهار أنه غير متعجل، فقد قال إن إيران أخطأت إذا ظنت أنها تستطيع انتظاره حتى انتخابات التجديد النصفى، مضيفاً أنه لا يهتم بالضغط الانتخابى. وفى الوقت نفسه، تؤكد الإدارة أن «الدبلوماسية هى الخيار الأول»، لكنها تربط أى اتفاق بشروط واسعة وهى فتح هرمز، ومعالجة ملف اليورانيوم عالى التخصيب، وعدم تخفيف العقوبات مسبقاً.
وبين الرغبة المشتركة فى تجنب حرب شاملة واستحالة الوصول السريع إلى تسوية متماسكة، يتبلور السيناريو الأكثر ترجيحاً وهو تفاوض طويل تحت النار، وعمليات محدودة تحت سقف الحرب الكبرى، واتفاق محتمل لا ينهى الصراع بقدر ما يؤجل انفجاره التالى.
ويرى بعض المحللين أن إيران لم تكسب الحرب، لكنها تحاول منع ترامب من احتكار صورة النصر. أما ترامب فلم يخسرها، لكنه يواجه اختباراً أصعب من الضربات العسكرية وهو أن يستطيع الوصول إلى اتفاقاً يمنع النووى، ويفتح مضيق هرمز، ولا يحول التهدئة إلى مكافأة استراتيجية لطهران. وبين هذين الحدين تدور المعركة الفعلية الآن، ليست على من يعلن النصر أولا، بل على من يكتب شروطه الأخيرة.
اختبار صعب للهدنة| ضربات أمريكية - إيرانية متبادلة.. وأضرار بمطار الكويت
تصعيد بلا توقف| مايو الأكثر دموية فى غزة منذ بداية العام
ثلاثية حرب لبنان| مفاوضات.. مخطط إسرائيلى للجنوب.. وانزعاج أمريكى من تل أبيب







