لاحظت خلال شرائي كتبا مستعملة تكرار حوار بين بائعي الكتب عن بيع الكتب بالكيلو جرام، كورق دشت. عرفت أن البائعين عند شرائهم مكتبات كاملة من أصحابها أو كمية من الكتب المستعملة، يفرزون الكتب ويفرقون في سعر الشراء بين ما يسمونه الدشت وبين النسخ الفردية. علمت أن بعض المصانع التي تشتري الكتب لا يزيد ثمن ما تدفعه عن 10 جنيهات للكيلو، ثم تقوم بفرم الكتب وإعادة تدويرها لتصنع منها كراتين وعلب لأغراض مختلفة.
شاحنات تجمع الكتب القديمة بالكيلوجرام، لا بالقيمة، ولا بالمؤلف، ولا بتاريخ الطباعة. كتب الفلسفة بجوار الروايات، مجلدات التراث مع دواوين الشعر، كلها توزن مثل الخردة، تفرم وتذاب ويعاد صناعتها كرتونا وعلبا تجارية. في لحظة قاسية يتحول المتنبي إلى صندوق أحذية، وابن خلدون إلى غلاف لوجبة سريعة والزمخشري إلى كيس بطاطس. لا يدرك البعض من تجار الدشت أن الكتاب ليس مجرد كلام مطبوع . الكتاب مدونة الحضارة وروحها. لكن جزءا كبيرا من العالم لا ينظر إلى الكتاب بوصفه تراثا إنسانيا وحضاريا بالمعنى الذي ينظر به إلى المعابد والتماثيل والمدن القديمة. الإنسان يحمي الحجر ولا يصون ذاكرة الحضارة.
العالم المعاصر صار تحكمه المنفعة المباشرة، المصنع يرى الورق مادة خامًا يستخدمها في صنع منتجاته. السوق يرى أن ما لا يباع بسرعة، لا قيمة له. بينما الحضارة الحقيقية تقوم على أشياء لا يمكن قياسها اقتصاديا، الذاكرة، الآثار، التراكم البطىء للمعرفة، الإحساس بأن الإنسان ليس مجرد كائن يعيش الحاضر بل وريث آلاف السنين.
الخوف ليس من اختفاء الكتب فحسب، إنما من اختفاء البيئة الثقافية التي تغذي الحضارة وتخلق طبقات المتنورين، بل الخوف الأكبر أن يتحول الإنسان إلى كائن لا يحتاج للكتب، لأن هناك وسائل إلكترونية أخرى تغنيه عنها. الكتب بدون الإنسان لا قيمة لها، فلو وضعنا أفضل الكتب في المكتبات، ولم يقرأها الناس فإنها تكون بلا قيمة وبلا فائدة.

محمد علي السيد يكتب: الأسرى.. عبيد وألات.. وفي الإسلام بشر
شعب مصر.. وجيشها
إدانة.. ولكن «1»







