العدالة انتصرت لشجاعة بنت.. والمؤبد للمعتدي عليها

صورة موضوعية
صورة موضوعية


في عدد سابق لـ»أخبار الحوادث» يحمل رقم 1750 بتاريخ 9 أكتوبر 2025 نشرنا موضوعًا تحت عنوان «شجاعة بنت»،حكت بثقة لأخبار الحوادث:»لن أستسلم حتي أرى من اغتصبني في المحكمة»، وهي باختصار قضية شابة جميلة في مقتبل العمر قادها نصيبها لتصبح فريسة لشاب استغل سذاجتها وطيبة قلبها وتعدى على شرفها، وهي تخطو أولى خطواتها نحو تحقيق حلم المستقبل بأن تصبح محامية ناجحة ترد الظلم عن المظلوم؛ وجدت نفسها فجأة ضحية ذئب بشري أوهمها بإعجابه الشديد ورغبته في الزواج بها، لم تفعل الفتاة الصغيرة ما تخجل منه أي عائلة، بل سارت في الطريق الصحيح وعرفته على أسرتها وأخبرتهم برغبته في الزواج منها، لكن الذئب البشري اقتنص الفرصة للهجوم على ضحيته، استحل بانعدام اخلاقه ورجولته شرفها، اغتصبها بعد أن اعطاها عقارًا مخدرًا وعندما اخبرته أن هناك صداعًا تشعر به في رأسها، تظاهر بقلقه عليها وهي تغيب عن الوعي أمامه وبكل خسة أخذ ينهش في جسدها لتكتشف الصدمة عندما استعادت وعيها.

حضرت الفتاة الى أخبار الحوادث وقتها لتحكي صرختها كرسالة تحذير أطلقتها لكل فتاة بألا تثق في أحد سريعًا، وألا تترك حقها مهما حدث، بعد أن استجمعت قوتها وقدمت ضده بلاغا وألقى رجال المباحث القبض على المتهم وكان وقتها في محل التحقيق.

وحكت وقتها من تغلبت على إحساس الخوف والابتزاز ولم تتردد في المواجهة، قالت لنا الفتاة الشابة «د.أ.أ» 22 سنة ضحية الاغتصاب وهي خريجة كلية حقوق جامعة بني سويف»: تعرضت لأبشع وأسوأ اختبار ممكن أن تتعرض له فتاة على يد شاب أقل ما يوصف به الخسة والندالة، ارتكب كل ما يعد جريمة؛ حيث أفقدني الوعي عن طريق اقراص مخدرة بعد شكواي له بشعوري بصداع في رأسي، ليعتدي الذئب البشري على شرفي، وواصل ابتزازه لى ماديًا وجسديًا، ومساومتى على مدار عام كامل بتهديدات بالفضيحة مرة والتعدي علي بالسباب بأبشع الالفاظ وبالضرب مرات اخرى، تحملت الفتاة المسكينة كل ذلك على أمل أن يفي بوعده بالزواج منها وأن يتستر على وصمة العار التي تركها لها، حتى انفجرت المسكينة في النهاية وقررت البوح بما هو مسكوت عنه وافتضاح أمره، خطت أول خطوة في طريق المواجهة، بتحرير محضر رسمي ضده في قسم الشرطة وآخر في النيابة العامة بواقعة الاغتصاب، بجانبه ومن خلال محاميها الذي آمن بقضيتها أقام الدعوى رقم 523 لسنة 2025 جنح اقتصادية عن واقعة التهديد والابتزاز، ومثلها الدعوى رقم 462 لسنة 2025 جنح اقتصادية عن واقعة السب والقذف، كما تقدمت ببلاغات رسمية إلى مباحث الإنترنت (إدارة العباسية – مديرية أمن بني سويف)، وأيدت بالأدلّة الفنية التي تُثبت تطابق البصمة الإلكترونية لعنوان البريد الإلكتروني الخاص بالمشكو في حقه، بما يؤكد صحة أقوالها، ونشرنا الموضوع الذي كان له صدى إيجابي أعطى للفتاة دفعة قوية لتواصل الدفاع عن حقها ويتحقق حلمها بأن ترى من اغتصبها في المحكمة.

المكالمة السعيدة

ومنذ أيام قليلة بعد شهور قليلة من نشر الموضوع، فاجأتني الشابة «د.أ.أ» بمكالمة هاتفية يكاد قلبها يقفز من بين ضلوعها من السعادة، الصوت الذي كان يملأه الانكسار والضعف والحزن، صار من شدة الفرح بالانتصار أتاني مطمئنًا بفضل حكم القضاء الذي أتى لصالحها وقضى بالمؤبد على المتهم، ولما لا والقضاء والنيابة العامة هما الحصن المنيع وملاذ الضعفاء والمظلومين لرد الحقوق، هذا الحكم أعاد لها ثقتها في الحياة وقدرتها على المواجهة وبدء حياة جديدة بخطوات ثابتة نحو النجاح وكلها أمل في غد مشرق لانها تعلم جيدًا أن وراءها قانونًا ومنظومة انسانية تحميها مهما أظلمت عليها الدروب وشعرت بخوف وقهر واختبأت من أعين الناس، لكن في النهاية تجد من يمد لها يد العون والنصر ليعطيها حقها ويمنحها القوة من جديد.

بهذه المشاعر السعيدة والاحساس بالنصر والقوة، تحدثت إلينا من جديد «د.أ.أ» لكن اليوم بصوت يملأه الحماس والثقة، فهي لم تعد الطالبة الجامعية ضحية الاغتصاب، لكنها تخرجت وتحاول أن تبدأ حياتها العملية بثقة بعد أن أعطتها المحكمة حقها بالحكم العادل.

تقول «د» في حديثها لأخبار الحوادث بعد سؤالها عن تفاصيل ما حدث منذ أن نشرنا قصتها وحتى إلقاء القبض على المتهم، وحتى لحظة النطق بحكم المؤبد عليه: تم إخلاء سبيله لكنه بعدما أدرك خطورة موقفه، خاصة أن بجانب قضية الجنايات المتهم فيها بتهمة هتك العرض التي حملت رقم 23863 لسنة 2025 جنايات بني سويف والمقيدة برقم 7334 لسنة 2025، كانت هناك قضية جنائية اخرى بانتظاره والتي اتهمته فيها بالتهديد والابتزاز الإلكتروني، وهذه القضية محدد لها جلسة الاول من يونيو القادم، فقد استطاع الهروب إلى خارج البلاد، حيث سافر إلى احدى الدول العربية، قبل أن يحاصر قضائيًا.

المثير أنه بعد صدور قرار بضبط واحضاره، ذهبت إلى بيته وعلمت وقتها انه سافر خارج البلاد هاربًا، وفوجئت بوالده يحرر ضدي محضرا يتهمني فيه بالتعدي عليه بالضرب مستغلا أنه رجل معاق، وساومني وقتها للتنازل عن محضر هتك العرض مقابل تنازله عن محضر التعدي بالضرب، لكني رفضت وكانت عدالة الله فوق كل شيء وصدر الحكم ببراءتي من هذه التهمة الكيدية.

ثم تحدد جلسة لقضية هتك العرض ومعاشرة أنثى بغير رضاها بجلسة بتاريخ 21/4 الماضي، وحضر محامي المتهم بصحبة والده الذي بدوره طلب الصلح والتأجيل، وقال والده إنه مستعد للصلح والزواج بتوكيل من ابنه حرره له في الخارج، وتم تحديد جلسة بتاريخ 17/5 لحل الموضوع وديًا.

وتتابع «د.أ» حديثها بصوت يمتزج فيه الحسرة علي ادراكها المتأخر لحقيقه من توقعته شابًا مهذبًا قائلة:لكن بعد خروجنا من المحكمة لم يتواصل معنا والده ولا محاميه، حتى قبل موعد الجلسة بيوم واحد، فأدركت أنه يحاول المماطلة حتى يضيع علينا الوقت والتفكير، وعندما نرفض أي طلب غريب له يقول للمحكمة بأننا من رفضنا الصلح، فقررت أن اوافقه على اي شىء يطلبه، وبالفعل تحدث محاميه قبل الجلسة بيوم صباحا، وقال للمحامي الخاص بي «أحمد جابر»:»انه مستعد أن يسافر إلى القاهرة للزواج بي بالتوكيل، لكن بالنسبه للقايمة نعمل فيها ايه»؟!

عندما سألني المحامي أخبرته بأني موافقة على كل ما يريدوه في كتابة القايمة، لكن مثلما توقعت فقد اندهش والده من الموافقة، ولم يظهر مرة اخرى إلا في وقت متأخر من اليوم، وأخبرنا محاميه أن أهل الشاب يرفضون الذهاب الى القاهرة، وعلينا انا وأسرتي إما الحضور لكتب الكتاب عندهم في بني سويف، أو في المحكمة، وسوف يكتبون مبلغ 100 ألف جنيه في القايمة بشرط التنازل عن هذا المبلغ عند الطلاق، وبالطبع رفضت طلبه الحضور اليهم لاني لن أجعل والدي وأسرتي يعيشون لحظات الانكسار هذه.

وعندما ذهبنا إلى المحكمة صباح اليوم التالي وسألنا القاضي، ورد محاميه، فوجئ برئيس المحكمة يوجه كلامه إلى والده بضيق شديد قائلا:»إزاي تطلب من والدها الحضور اليك، أليس المفروض الذهاب إلى بيت أهل الفتاه لطلب يدها لابنك من أسرتها»؟!، وسأله:»عندك استعداد تخرج من هنا على القاهرة وتكتب كتاب البنت وتستر عليها وتنقذ ابنك ام لا»؟!، فجاء رد الأب أمام المحكمة:»مش رايح لحد أنا رجل معاق وماليش دعوه بابني ولا اللي عمله»!،صدقوني كل جلسة كانت بالنسبة لي وجع لكني كملت لغاية ما انتهى الكابوس بحكم القاضي؛ وعليه فما كان من المحكمة سوى أن حكمت على المتهم بالمؤبد، هكذا جاء حكم القضاء حصن العدالة وقلعة المظلومين وملاذ الباحثين عن العدل والحق.

أنهت «د» كلامها بسعادة ممتزجة بدموع الفرح قائلة:لم تنته القضية عند ذلك الحد فلن أتركه يعيش بحرية وبما فعله بي طوال عام كامل، فسوف ألاحقه واتقدم بعمل ترقب الوصول ووضعه على قائمة الممنوعين من السفر، وهذا ما أناشده من خلال جريدتكم بالانتربول بسرعة ترحيله حتى أراه خلف الأسوار العالية يقضي العقوبة جزاء ما اقترفه في حقي.

القضاء الشامخ

توجهنا الى «أحمد جابر» محامى الضحية، الذي صرح لأخبار الحوادث قائلا:منذ اليوم الاول في القضية ونحن نؤمن أن حق البنت سوف يعود، والقضية لم تكن سهلة، لا في إجراءاتها ولا تفاصيلها، ولا في حجم الضغوط التي كانت موجودة من البداية، لكن كان عندنا يقين إن حق المجني عليها لابد أن يصل الى القضاء.

والأهم أن المجني عليها نفسها كانت نموذجا للصبر والتحمل، مرت بظروف قاسية جدًا ومعاناة كبيرة على مدار مراحل القضية، لكنها في النهاية كانت ضحية واقعة تستوجب الإنصاف، ظلت متمسكة بحقها رغم كل ما مرت به من ألم وضغط نفسي وإنساني.

تابعنا جيدا القضية منذ اول محضر وبداية من أقوال المجني عليها، والطلبات القانونية ومتابعة التحقيقات حتى صدور أمر الإحالة من النيابة العامة، والتي وجهت فيه للمتهم الاتهامات الواردة بالأوراق طبقًا لنصوص قانون العقوبات، وكانت التهمتان كما وردتا في أمر إحالة المتهم إلى محكمة الجنايات: (الاولى: هتك عرض المجني عليها بالقوة باستغلال وهن وإعياء أصابها وثقة قد أودعتها المجني عليها به وقدم اليها عقارًا أفقدها الوعي حال مرافقتها إياه بالسيارة خاصته حينها استطال بيده لمواطن عفتها مفقدًا اياها لبكارتها، والاتهام الثاني: انه واقع المجني عليها بغير رضاها بأن انتهز فرصة ضعفها وأملها الزواج سترًا لفعلته فأخذ تارة يمنيها بالزواج وأخرى مهددًا إياها بالترك والتخلي وانفضاح أمرها).

وقد صدر الحكم غيابي بالسجن المؤبد على المتهم، في تأكيد جديد إن القضاء المصري العظيم سيظل دائمًا حصن العدالة وملجأ كل صاحب حق.

وفي النهاية مثل هذه القضايا لا تمس كرامة شخص واحد وانسانية أسرة كاملة، بل مجتمعا بأكمله، لأن المجتمع المصري عمره لم ولن يقبل أي مساس بكرامة أو أمان أي بنت أو أي أسرة.

اقرأ  أيضا: المؤبد للمتهم بخطف وإغتصاب فتاة من ذوي الهمم فى البحيرة 

;