الغيرة ذلك الشعور الذي يبدأ صغيرًا داخل النفوس، لكنه أحيانًا يكبر حتى يتحول إلى وحش قادر على قتل أقرب الناس.. في هذا التحقيق، نقترب من وجوه بريئة دفعت حياتها ثمنًا لغيرة قاتلة.
محمد ياسر، طالب الثانوية العامة المتفوق، كانت جريمته الوحيدة أنه ناجح وهادئ ومحبوب بين الجميع، لتتحول غيرة صديق إلى طعنة أنهت حياته داخل مبنى مهجور فى منتصف الليل.
وفي واقعة أخرى .. خرج مراهق في الرابعة عشرة من عمره، يسعى وراء لقمة العيش بتوك توك بسيط، قبل أن يستدرجه أصدقاؤه إلى منطقة نائية ويقتلونه بدم بارد، لأنهم لم يحتملوا حب الناس له واجتهاده رغم صغر سنه.
واقعتان مختلفان في التفاصيل .. متشابهتان في الدافع؛ نفوس ضعيفة لم تستطع تقبل نجاح الآخرين أو محبتهم، فتحولت الغيرة داخلها من شعور إنساني طبيعي إلى جريمة مكتملة الأركان.. فكيف تتحول الغيرة إلى حقد؟ ومتى يصبح النجاح خطرًا على صاحبه؟ .. أسئلة يطرحها هذا التحقيق، من خلال تفاصيل قصص مؤلمة، ورأي خبراء علم الاجتماع، لفهم الوجه الأكثر رعبًا للغيرة حين تصبح قاتلة.
عقارب الساعة تقترب من الثانية عشرة بعد منتصف الليل، بينما كانت قرية ميت العطار التابعة لمركز بنها غارقة في هدوئها المعتاد.. في ذلك الوقت، كان محمد ياسر، طالب في الصف الثالث الثانوي، يجلس داخل منزله يستعد ليوم جديد من المذاكرة والسعي وراء حلمه البسيط .. رن هاتفه فجأة، على الطرف الآخر كان أحد أصدقائه يطلب مقابلته لأمر هام، لم يتردد محمد لحظة واحدة، فطبعه الهادئ وقلبه النقي لم يعرفا يومًا معنى الشك أو الخوف من الناس، ارتدى ملابسه سريعًا وخرج من المنزل، دون أن يدرك أن تلك الخطوات ستكون الأخيرة في حياته، وأن القدر كتب له نهاية موجعة على يد شخص لم يعرفه سوى منذ أيام قليلة.
جريمة منتصف الليل

كانت العلاقة بينهما حديثة للغاية، بدأت بعد احتفالات رأس السنة الجديدة، لكن محمد بطبيعته اجتماعيًا، بسيطًا، يمنح ثقته للناس بسهولة، ولم يتصور أن شخصًا اقترب منه منذ أيام فقط قد يحمل بداخله كل هذا الظلام.
سار معه حتى وصلا إلى إحدى العمارات تحت الإنشاء، مكان مهجور لا يسمع فيه أحد صرخة استغاثة.
هناك، وفي لحظة تحولت فيها الإنسانية إلى قسوة، استل المتهم سلاحًا أبيض وسدد طعنة نافذة إلى رقبة محمد، ليسقط الطالب المتفوق غارقًا في دمائه، وحيدًا، بين جدران لم يكتمل بناؤها، بينما كانت أحلامه كلها تنزف معه على الأرض الباردة.
محمد كان شابًا هادئًا، محبوبًا بين زملائه وأهالي قريته، معروفًا بالتزامه في الصلاة والصيام، وتفوقه الدراسي الذي جعله مثالًا يحتذي به كثير من أصدقائه، لكن يبدو أن النجاح أحيانًا يوقظ الحقد داخل بعض النفوس الضعيفة.
أصدقاء المجني عليه أكدوا أن المتهم كان يشعر بالغيرة من محمد، من تفوقه، من حب الناس له، ومن صورته الطيبة التي تركت أثرًا في كل من عرفه.. غيرة تحولت في صمت إلى كراهية، ثم إلى جريمة أنهت حياة شاب لم يتجاوز السابعة عشرة من عمره.
في تلك الليلة، كانت أسرة محمد تعيش ساعات من الرعب والقلق بعد اختفائه المفاجئ، مرت الدقائق ثقيلة، وتحولت إلى ساعات طويلة من البحث والسؤال والاتصالات، بينما كانت والدته تتمسك بالأمل في أن يعود ابنها ويفتح الباب كعادته، لكن الحقيقة كانت أقسى مما يحتمله قلب أم.
المتهم، بعد ارتكابه الجريمة، سلم نفسه إلى الأجهزة الأمنية، وأرشد عن مكان الجثمان، لتنتهي رحلة البحث بصدمة مزقت قلوب الجميع داخل القرية الصغيرة.
انتقلت قوات الأمن إلى مكان الواقعة، وعثر على جثة محمد داخل المبنى تحت الإنشاء، وبجوارها السلاح الأبيض المستخدم في الجريمة.
وكشفت التحريات أن المتهم استدرج المجني عليه عمدًا إلى ذلك المكان قبل أن يسدد له الطعنة القاتلة في رقبته.
رحل محمد ياسر، لكن قصته بقيت شاهدة على وجع كبير، وجع الثقة حين تغتال، ووجع الأحلام الصغيرة التي تموت فجأة، ووجع أم كانت تنتظر عودة ابنها من الخارج، فعاد إليها محمولًا في كفن أبيض دون أي ذنب.
خان العشرة وقتل صديقه
مراهق لم يتجاوز الرابعة عشرة من عمره، لكنه يحمل فوق كتفيه ما يفوق عمره بسنوات طويلة؛ مسئولية بيت، ومساعدة أب أنهكه التعب، وأحلام بسيطة.. يخرج كل صباح ممسكًا بمقود «التوك توك» الصغير وكأنه يتمسك بالحياة نفسها.
في أحد الأيام خرج الصغير كعادته للعمل، لم يكن يعلم أن المكالمة التي تلقاها من صديق طفولته ستكون الرحلة الأخيرة في حياته.
الصديق الذي تربى معه في الشارع نفسه، وتقاسما اللعب والضحك وأيام الطفولة، كان يخفي بداخله نارًا من الغيرة والحقد تكبر بصمت مع السنوات.
يرى الجميع يحبون الفتى الصغير، بينما يبتعدون عنه هو.. يرى الطفل المجتهد يساعد والده ويكسب رزقه بعرق جبينه، بينما يقف هو لا يعجبه شيء في الحياة يلوم كل شيء إلا نفسه .. شيئًا فشيئًا تحولت المقارنة إلى كراهية، وتحولت الكراهية إلى فكرة شيطانية لم يحتج تنفيذها سوى لحظة ضعف وانعدام ضمير.
اتصل به بحجة شراء مستلزمات لزفاف شقيقته، وطلب منه أن يوصله إلى مدينة العبور، وكما اعتاد المجني عليه دائمًا، لم يتردد في مساعدة صديقه.
لحظة غدر
قاد التوك توك، وهو يظن أنه يؤدي معروفًا بسيطًا، لم يدر بما يخفيه له القدر.
في الطريق، انضم اثنان آخران إليهما، أصدقاء للمتهم الأول «الصديق الخائن».
ضحكات عابرة وحديث عادي دار داخل المركبة الصغيرة، بينما الخطة رسمت بالكامل؛ اتجهوا نحو منطقة نائية بأرض العكرشة التابعة للخانكة.. هناك، انتهت الصداقة وبدأت الجريمة؛ فجأة التف الشال حول عنق الطفل الصغير.
لم يفهم في البداية ما الذي يحدث، حاول المقاومة، نادى باسم صديقه الذي خانه، وكان ينظر إليهم بعينين ممتلئتين بالصدمة أكثر من الخوف، ويتساءل؛ كيف يتحول رفيق العمر إلى قاتل؟.
لكن القلوب حين يفسدها الحقد لا ترى دموعًا ولا تسمع استغاثة.. طعنات متتالية اخترقت جسده الصغير في رقبته وظهره حتى سقط غارقًا في دمائه وسط الزراعات، بينما وقف قاتلوه يفكرون فقط في التوك توك، وبعض الأموال القليلة التي يحملها طفل خرج يسعى على رزقه.
لم يكتفوا بقتله، بل حملوا جثمانه وألقوه بين أشجار التين، كأنهم يحاولون إخفاء جريمة لا يمكن للأرض نفسها أن تبتلع بشاعتها.. وفي نفس اللحظة، كان والد الصغير يتملكه القلق؛ ينتظر عودة ابنه الذي تأخر، يخرج كل دقيقة إلى الشارع لعل صوت التوك توك يقترب، ثم يعود القلق ليأكل قلبه من جديد.
الأب الذي أبلغ عن اختفاء نجله لم يتخيل أن ابنه الذي خرج يطلب الرزق سيعود جثة هامدة، ضحية للغدر والطمع.
التحريات كشفت التفاصيل الصادمة سريعًا، وسقط المتهمون واحدًا تلو الآخر، لتنكشف الحقيقة كاملة؛ لم يكن الدافع ثأرًا ولا دفاعًا عن النفس، بل غيرة سوداء من طفل محبوب، وطمع في توك توك لا يساوي شيئًا أمام روح بريئة أزهقت بلا رحمة.
اقرأ أيضا: خلاف قديم أنهى الصداقة .. مقتل شابًا على يد صديقه
الاستئناف تعيد حضانة طفلين لوالدتهما بعد كشف ألاعيب الأب
تقتل طفلها انتقامًا من زوجها
ضبط طالب نصب على المواطنين عبر السوشيال ميديا







