بين أنياب شرسة تتربص بأجساد الأطفال وشاشات هواتف تتاجر بآلامها لجمع تبرعات افتراضية.. هكذا أصبحت الشوارع مخنوقة بانفجار عددي لقطعان الكلاب الضالة التي يراها خبراء تخطت الـ 30 مليون كلب.
لم يعد السؤال اليوم هو كيف نرحم حيوانًا ضعيفًا؟، بل أصبح كيف ننقذ إنسانًا مهددًا بالموت بداء السعار؟!، تحرك برلماني عاجل بطلبات إحاطة للحكومة يوازيه خطة تنفيذية مرتقب لوزارات الزراعة والتنمية المحلية والبيئة لإنشاء ملاجئ بمساحات شاسعة كشلتر التبين، وهو مأوى حكومي متكامل لإيواء الكلاب الضالة.
في هذا التحقيق نضع يدنا على الجرح، ننقل شهادات حية لضحايا كادت الكلاب أن تأكل لحمهم، ونسمع لآراء الخبراء والمسئولين عن ملف الكلاب الضالة لنكشف عن المستفيد من بقاء الأزمة بالإضافة لطرق حلها التي تؤرق المجتمع المصري خلال الفترة الأخيرة.
مليون و400 ألف حالة عقر في عام واحد رقم صاعق يفجر زلزالاً من التساؤلات حول طبيعة ما يحدث في شوارع مصر، كيف قفزت أعداد هجمات الكلاب الضالة بنسبة 500%؟ ولماذا تحول الكلب البلدي المسالم تاريخيًا إلى وحش كاسر يهاجم في صمت ويقضم الأطراف بنية الافتراس الصريح.
أزمة الكلاب الضالة في مصر تجاوزت حدود الظاهرة البيئية لتصبح قضية أمن عام تشغل أروقة البرلمان وتستنفر عدة وزارات.
بين جينات مهجنة تسربت للشوارع وإطعام عشوائي تحول على منصات التواصل الاجتماعي إلى تجارة تدر آلاف الدولارات من التبرعات تقف الدولة المصرية اليوم على أعتاب استراتيجية وطنية موحدة لإنشاء شلاتر علمية عملاقة.
ولأن الشوارع لم تعد تحتمل المزيد من هؤلاء الكلاب الذين صاروا يملؤنها صباحًا ومساءً؛ ضربت أجهزة وزارة الداخلية حلقة قوية في سلسلة البيزنس الخفي الذي يتاجر بالظاهرة عبر منصات التواصل الاجتماعي.
التحريات الأمنية كشفت ملابسات مقاطع فيديو وصور بعد تضرر سكان أحد شوارع القاهرة من إطعام سيدة الكلاب الضالة بشكل عشوائي ومستفز.
بالتتبع والتحري تمكنت الأجهزة الأمنية من تحديد وضبط السيارة المستخدمة وقائدتها بدائرة قسم شرطة الزيتون.
تحرك سريع
المفاجأة تجسدت في اعتراف المتهمة بالنزول للشوارع وإلقاء أطعمة غير مطهية وغير معقمة للكلاب وتصوير تلك المشاهد بدقة لبثها على صفحاتها الخاصة تحت شعار الرفق بالحيوان، بينما أثبت فحص هاتفها المحمول النوايا الحقيقية، حيث عُثر على دلائل قاطعة تشير إلى تدشينها صفحة وهمية لجمع التبرعات المالية والأموال السائلة من المواطنين بزعم رعاية الحيوانات الأليفة لتتخذ الإجراءات القانونية حيالها وتتكشف خيوط تجارة إلكترونية تتربح من نشر القطعان في مناطق التجمعات البشرية.
هذا المشهد وما ورائه من عشوائية فجّر موجة غليان عارمة تحت قبة مجلس النواب لتتحرك الأدوات الرقابية للنواب بشكل مكثف إذ تقدم النائب شادي الكومي عضو مجلس النواب عن دائرة الجمالية بطلب إحاطة عاجل إلى المستشار هشام بدوي رئيس مجلس النواب موجه لكل من رئيس مجلس الوزراء ووزراء التنمية المحلية والبيئة والزراعة والصحة والسكان بشأن انتشار ظاهرة الكلاب الضالة ووقوع حوادث عقر متكررة تُمثل تهديدًا مباشرًا لحياة المواطنين.
وأوضح الكومي في طلبه؛ أن حوادث عقر الأطفال تحدث أثناء ذهابهم للمدارس وتستهدف كبار السن خاصة وقت صلاة الفجر حيث تكون الشوارع خاوية مؤكدًا أنه رغم الإعلان سابقًا عن خطة من وزارة الزراعة فإن الظاهرة تتفاقم يومًا بعد يوم مما يستدعي تدخل هيئة الخدمات البيطرية لوضع آليات فعالة تحقق التوازن بين الحفاظ على الصحة العامة والالتزام بالمعايير الإنسانية دون عنف يخل بالتوازن البيئي.
وفي السياق ذاته طالبت النائبة نيفين الكاتب عضو مجلس النواب بسرعة وضع خطة عاجلة وشاملة مؤكدة أن الأمر أصبح يمثل تهديدًا حقيقيًا للأمن والسلامة العامة بعد تكرار وقائع اعتداء وصفتها بالبشعة والمؤسفة خاصة ضد الأطفال وكبار السن مشيرة إلى أن خطر الكلاب تسبب في وقوع حوادث مرورية مروعة نتيجة هروب المواطنين من هجماتها وطالبت النائبة باستراتيجية وطنية متكاملة تشمل حصر أعداد الكلاب والتوسع في التعقيم وإنشاء ملاجئ آمنة.
ومن جانبه دق النائب محمد زين الدين ناقوس الخطر بطلب إحاطة موجه للحكومة محذرًا من المخاطر الصحية والنفسية المتضاعفة جراء انتشار هذه الحيوانات خاصة مع احتمالية نقل الأمراض الفتاكة وفي مقدمتها مرض السعار مشددًل على أن قانون تنظيم حيازة الحيوانات الخطرة والكلاب رقم 29 لسنة 2023 وضع ضوابط واضحة يجب على قطاع الطب البيطري تفعيلها فورًا لإنهاء حالة الخوف الدائم في الشوارع والمناطق السكنية.
أما عضو مجلس النواب مصطفى بكرى فتحدث عن أبعاد جديدة في مسارات المواجهة الرسمية مؤكدًا أن الرحمة والخوف وحدهما لا يكفيان لإدارة هذه الأزمة المعقدة.
وأوضح بكري أن الدولة بدأت بالفعل في استبدال الأساليب العشوائية القديمة بآليات وممارسات علمية تعتمد على التطعيم والتحصين كبديل آمن معلنًا عن نجاح وزارة الزراعة والهيئات البيطرية في تحصين نحو 24 ألف كلب ضال كخطوة أولية للسيطرة على الأزمة الحالية.
ومن منصة الدفاع عن المعايير الإنسانية حسم النائب مصطفى بكري الجدل الفقهي المثار حول التخلص من هذه الحيوانات بالسم مؤكدًا؛ أن تسميم الكلاب ليس حلاً على الإطلاق لأنه أمر محرم شرعًا.
واستشهد بكري بصحيح الدين والسنة النبوية الشريفة مذكّرا بحديث النبي صل الله عليه وسلم عن الرجل الذي غفر الله له وأدخله الجنة بسبب سقيه كلب اشتد به العطش وفي المقابل دخول امرأة النار في هرّة حبستها، ووجّه بكري رسالة مجتمعية حذّر فيها من مغبة اللجوء إلى الحلول الدموية القاسية قائلاً: إن القسوة لا تصنع مجتمعًا آمنًا بل أنها تزرع في نفوس الأجيال الجديدة الاعتياد على مشاهد العنف والدموية وغياب الرحمة، معتبرًا أن المنظومة العلمية هي الكفيلة وحدها بحماية الإنسان والحيوان معا.
حينما يتحدث الخبراء تنزاح العواطف جانبًا لتكشف الأرقام الصادمة عن فجوة مرعبة في التقديرات الإحصائية وتزايد لوغاريتمي مخيف يهدد المعادلة البيئية في مصر. المؤشرات الرسمية وغير الرسمية تدق ناقوس الخطر معلنة عن قفزة قياسية غير مسبوقة في معدلات الهجوم على المواطنين ففي عام 2014 كانت هناك 300 ألف حالة عقر بشري مسجلة رسميًا ليصل في عام 2025 إلى مليون 400 ألف حالة عقر بشري مسجلة بزيادة جنونية بلغت 500%.
هذه الطفرة العددية يقابلها تضارب لافت بين المسئولين والخبراء حول الحجم الحقيقي للكتلة لهذه الكلاب في الشوارع إذ يقول الدكتور الحسيني محمد عوض مدير الإدارة العامة للرفق بالحيوان والتراخيص بوزارة الزراعة إنه حاليًا هناك في مصر ما يتراوح بين 10 إلى 12 مليون كلب ضال بحد أقصى.
ضحايا الكلاب
أما الدكتور الدكتور شهاب الدين عبد الحميد رئيس جمعية الرفق بالحيوان بالقاهرة فيقول: أننا وصلنا إلى تعداد يتراوح بين 30 إلى 40 مليون كلب حاليا وهو انفجار عددي خارج عن السيطرة البيئية تماما.
ويقول الدكتور محمد عبد الحميد الخبير البيطري: إننا لن نصل أبدا لحصر دقيق ومطلق لعدد الكلاب في الشارع لذا يجب أن يكون هدفنا الحقيقي هو خفض حالات العقر وليس مجرد الجدال حول تقليل أعداد الكلاب فنحن قفزنا من 300 ألف حالة في 2014 إلى 1.4 مليون حالة في 2025 بزيادة بلغت 500%، وهذا الرقم هو المعيار الحقيقي والأزمة الفعلية التي يجب أن نضع لها جداول زمنية محددة لكي نصل بها إلى الصفر.
خلف الأرقام الصماء والجدل الإحصائي تقبع مآسى إنسانية حية لضحايا واجهوا أنياب الكلاب في عتمة الشوارع هؤلاء لم تترك الكلاب آثارها على أجسادهم فحسب بل حفرت في نفوسهم ذعرًا ممتدًا غيّر مجرى حياتهم اليومية، فيقول مصطفى عبد الحميد عامل إن الكلب لم يكن يعقره بل كان يأكل لحمه.
ويسرد مصطفى تفاصيل الهجوم الوحشي الذي تعرض له أثناء عودته المتأخرة من عمله في ليلة هادئة:»الكلب لم يكن يعقرني بدافع الخوف أو الدفاع عن منطقته، بل كان يأكل لحمي حرفيًا هاجمني في صمت تام دون مقدمات وتمكن من أصابعي ويدي وبدأ يشد اللحم بقوة.
أما الحاج محمود وهو على المعاش فيقول: «فقدت أمان صلاة الفجر والقطيع حاصرني، فالحاج محمود، اعتاد طوال حياته أن يكون أول المستجيبين لنداء الصلاة خير من النوم لكن رحلته إلى المسجد تحولت إلى كابوس وقال:»الشوارع وقت الفجر تكون خالية تمامًا من البشر ومستباحة للكلاب الضالة وفي ذلك اليوم فوجئت بقطيع كامل يضم أكثر من 12 كلبًا يخرج من أحد الشوارع الجانبية ويحاصرني في حلقة دائرية حاولت ألا أظهر خوفي تماشيًا مع النصائح الدارجة لكن بمجرد أن تحركت هجم القطيع وعقروني في ساقي الألم الجسدي وصدمة الإبر الـ 6 للمصل في المستشفى كوم وشعوري بالعجز أمام حيوان كوم آخر الآن أصلي الفجر في منزلي مرغمًا وفقدت متعة المشي التي كنت أعيش عليها».
أما سعدية ربة منزل وأم لثلاثة أطفال لم تكن تتخيل أن ذهابها لشراء مستلزمات المنزل من السوق سيجعلها رهينة للمهدئات الطبية حيث قالت :»كنت أسير في شارع رئيسي وفجأة اندلعت مشاجرة عنيفة بين قطيعين من الكلاب بسبب الإطعام العشوائي أمام إحدى البنايات في غمرة جنونها، ارتدت ثلاثة كلاب نحوي وأحدهم قفز وعقرني في منطقة الفخذ وسحلني أرضًا.
وتضيف:» الجرح كان عميقًا وغائرًا تطلب جراحة تجميلية عاجلة لكن الجرح النفسي أعمق بكثير فمنذ ذلك اليوم إذا سمعت صوت «هوهوة» كلب من خلف نافذة منزلي يصيبني جفاف في الحلق وتتسارع دقات قلبي وأدخل في نوبة هلع لا أستطيع السيطرة عليها وأطفالي ايضا باتوا محرومين من النزول للشارع بمفردهم.
أما الطفل سيف حسام 10 سنوات تعرض للعض من كلب حيث يقول والده: «ابني نسى الابتسامة والكلب استقوى على جسده النحيل».
يتحدث والد سيف بنبرة مفعمة بالقهر والحزن على طفله الذي كان يضج حيوية قبل أن يهاجمه كلب ضال أثناء خروجه من المدرسة قائلا:»الكلب استغل صغر حجم سيف واستقوى على جسده النحيل انقض عليه من الخلف وعقره في كتفه وظهره، وسحبه لعدة أمتار وسط صراخ زملائه، سيف لم يعد الطفل الذي نعرفه الجروح الجسدية تلتئم ببطء لكن ابني نسى الابتسامة أصبح يعاني من كوابيس ليلية مرعبة ويستيقظ صارخًا الكلب هيعضني رفض الذهاب للمدرسة لأيام ونخضع الآن لجلسات تأهيل نفسي مكثفة لمساعدته على تخطي الصدمة نحن نعيش في رعب دائم وأطالب المسئولين بإنقاذ أطفالنا قبل أن نسمع عن فاجعة جديدة.
حلول
أمام أنين الضحايا لم تقف أجهزة الدولة مكتوفة الأيدي بل بدأت الحكومة في صياغة ملامح خطة تحكم وطنية شاملة تشترك في تنفيذها وزارات الزراعة التنمية المحلية والبيئة لتطبيق آليات علمية تحمي الصحة العامة وتلتزم في الوقت ذاته بمبادئ الرفق بالحيوان؛ تعتمد الاستراتيجية الرسمية الجديدة على 5محاور رئيسية تتوافق مع المعايير الدولية هى إنشاء الملاجئ عن طريق تخصيص مواقع لإنشاء شلاتر نموذجية لإيواء الكلاب الضالة مع تطبيق نظام حديث يعتمد على التغذية والتحصين ضد الأمراض المشتركة خاصة السعار والتعقيم الجراحي للحد من التكاثر وضبط أعداد الذكور والإناث داخل الملاجئ مع الحفاظ التام على التوازن البيئي بالإضافة لإعادة إطلاق الكلاب غير العقورة إلى بيئتها بعد الاطمئنان لسلامتها أو عرضها للتبني للأفراد وجمعيات الرفق بالحيوان الرسمية وإطلاق حملات قومية للتوعية بمبادئ الرفق بالحيوان وفرض ضوابط صارمة على الحائزين والمربين.
على أرض الواقع، تحولت هذه الخطط إلى مشروعات تنفيذية بدأت في العاصمة؛ إذ أعلن الدكتور إبراهيم صابر محافظ القاهرة أن العمل يجري على قدم وساق للانتهاء من إنشاء شلتر متكامل لإيواء الكلاب الضالة بمدينة التبين يقام على مساحة ضخمة تبلغ 5000 متر مربع بالتنسيق مع الهيئة العامة للخدمات البيطرية.
وأوضح المحافظ؛ أن هذا المشروع يستهدف توفير مكان آمن يدار بأسس علمية وبيطرية حديثة لتقليل مخاطر وجود الكلاب في الأحياء السكنية الشعبية والمستحدثة لافتاً إلى أن المحافظة ستتعاون مع الجمعيات الأهلية المشهرة ومؤسسات المجتمع المدني لإدارة المأوى وتقديم الرعاية اليومية.
ولدعم هذه الجهود وتوسيع نطاقها في القرى والمناطق الشعبية التي يصعب توفير ظهير صحراوي بها تستعد وزارة الزراعة لإطلاق 54 مقطورة مجهزة كعيادات متنقلة كرفانات بمساحة 2 في 8 أمتار لإجراء التعقيم الجراحي الفوري تدعمها 30 سيارة مجهزة بالأقفاص لعمل مسح شامل للمحافظات.
تلك التحركات الحكومية جاءت بتوجيهات الدكتور مصطفى مدبولي رئيس مجلس الوزراء الذي كلف المحافظين خلال اجتماع مجلس المحافظين الأخير بالعمل على إنهاء تلك الظاهرة بطرق علمية.
ولهذا تضع الدولة المصرية اليوم قطار الحل على قضبان العلم والرحمة معاً فإن الانتهاء من شلتر التبين وغيره وتعميم العيادات المتنقلة ليس مجرد حبر على ورق بل هو طوق النجاة الحقيقي الذي ينتظره ملايين المصريين لتعود الأرصفة آمنة للأطفال ولتستعيد الشوارع هدوءها المفقود في منظومة تثبت أن حماية حياة الإنسان وصون سلامته يمكن أن تتحققا دون إراقة دماء أو إخلال بإنصاف الطبيعة.
اقرأ أيضا: محافظ القاهرة: انتهاء أزمة الكلاب الضالة بالشوارع قريبا
تزامنًا مع عيد الأضحى .. الداخلية تحكم قبضتها على الأسواق وتضبط المخالفين
تحــرك من مجــلس الشيـــوخ .. لتغليــظ العقوبات على المراهنات الرياضية
ياسين .. أصغر ضحية المــراهنـــات







