كل شىء معرَّض للفشل فلا تثقوا بأحد.. بهذا التحذير الصادم يكسر الدكتور عمرو العبادى أستاذ علوم الحاسوب بجامعة كاليفورنيا فى الولايات المتحدة وهم الأمان الرقمى الذى نعيشه، كاشفًا عن فلسفة عالمٍ صاغ قصة نجاح ملهمة من أروقة كلية الهندسة بجامعة الإسكندرية إلى أن أصبح اليوم أحد أبرز رواد هندسة البيانات وحماية الخصوصية فى العالم.
اآخرساعةب أجرت هذا الحوار مع العبادى الذى أكد فيه أن البيانات هى المعرفة الحقيقية التى تقود ابتكارات المستقبل، كما كشف أصعب تحدٍّ واجهه بالخارج والمتمثل فى تحوُّل عقليته من مهارة االإجابة عن الأسئلةب إلى امتلاك جرأة اطرحهاب، موجهًا رسالة لصناع القرار فى مصر بأهمية منح العلماء الشباب الوقت الكافى للاستكشاف والتجربة.
< ما أبسط طريقة لوصف دور أنظمة البيانات فى تشكيل عالمنا الحديث؟
ـ البيانات هى المعرفة وبدونها نصبح كمن يقود سيارة وهو معصوب العينين، فمعظم الابتكارات والاختراعات قائمة على الوصول السريع والسهل إلى كميات هائلة من البيانات، وقد ركزت أبحاثى على كيفية جعل الوصول إلى البيانات متاحا بسهولة وعلى نطاق واسع جدًا طوال الوقت. وتكمن المشكلة فى أن لدينا بيانات تفوق ما يمكن لجهاز حاسوب واحد - حتى وإن كان ضخمًا جدًا - استيعابها، بالتالى نقوم عادة بتخزين البيانات على حواسيب متعددة، لكن الحواسيب تتعطل وتتوقف عن العمل، لذا ركزت أبحاثى المبكرة على كيفية جعل النظام المكون من حواسيب متعددة يظل مقاومًا للأعطال، مع استمرار إتاحة البيانات للمستخدمين طوال الوقت وبطريقة سريعة، كما استكشفت أيضًا طرقًا تلخص كميات كبيرة من البيانات من أجل استخراج الجوانب الأكثر أهمية من مجموعات البيانات الضخمة بكفاءة.
وفى الآونة الأخيرة ركزت أيضًا على خصوصية البيانات، ونظرًا لأن البيانات ضخمة ومهمة جدًا، فقد أضطر إلى تخزينها لدى جهة أخرى توفر مساحات التخزين مثل الـاCloudب أو ما يُعرف بالحوسبة السحابية، وفى هذه الحالة قد لا أرغب فى أن تطلع تلك الجهة الخارجية على ما أقوم بتخزينه، لكننى أريدها فى الوقت نفسه أن تساعدنى فى الحصول على المعلومات ذات الصلة منها، لذا نعمل منذ فترة على تطوير تقنيات تحافظ على الخصوصية مع الاستمرار فى إمكانية الوصول إلى البيانات.
< إذا عدنا إلى الماضى ما اللحظة الفارقة التى شكّلت انتقالك من الدراسة فى مصر إلى بناء مسيرة بحثية عالمية؟
ـ لا أعتقد أن هناك لحظة بعينها، فطوال سنوات دراستى الجامعية فى قسم علوم الحاسوب بكلية الهندسة فى جامعة الإسكندرية كان لدىّ أساتذة ومعلمون من الطراز الأول، وخلال تلك السنوات كان هناك كثير من الأساتذة الذين كانوا دائمًا يطرحون علينا أسئلة نقدية وعميقة حول دور الحواسيب فى العالم، وكيف يمكن الانتقال بالحواسيب التى كانت لدينا فى حقبة السبعينيات إلى أسئلة تجريدية كبرى تقود تطور الحوسبة نحو القرن الحادى والعشرين، فالأمر لم يكن متعلقًا بأستاذ واحد، بل ببيئة كاملة كانت صحية للغاية وساعدت على تنمية التفكير النقدى مع الاستمتاع بالدراسة فى الوقت نفسه، لذا أعتقد أنها كانت بيئة فريدة وخاصة جدًا.
< ما أبرز التحديات الشخصية والأكاديمية التى واجهتَها عند التكيف مع بيئة بحثية شديدة التنافسية فى أمريكا؟
ـ بصراحة، وعلى الرغم من كل استعدادى، كنت أجيد فقط المذاكرة واجتياز الامتحانات، فنظامنا التعليمى المصرى ممتاز جدًا فى هذا الأمر، لقد درست فى مدرسة حكومية عريقة هى مدرسة العباسية الثانوية، وقد أعدّتنى بشكل جيد، وحصلت على درجات مرتفعة جدًا فى الثانوية العامة، كما كنت متفوقًا للغاية خلال دراستى فى جامعة الإسكندرية، وكُلِّل ذلك بتعيينى معيدًا، كنت أعرف كيف أجيب عن الأسئلة، لكننى لم أكن أعرف كيف أطرح الأسئلة، وكان ذلك هو التحدى الأكبر أمامى بعد التحاقى بإحدى أفضل الجامعات الأمريكية وهى جامعة اكورنيلب، وقد اجتزت جميع المقررات المطلوبة والامتحانات التأهيلية، لكن بعد ذلك كان علىّ أن أتعلم كيف أطرح الأسئلة الصحيحة حتى أتمكن من تطوير واستكشاف أبحاثى الخاصة.
< هل يمكن أن تذكر لنا مثالًا بسيطًا يوضح أهمية أبحاثك فى حياتنا اليومية؟
ـ على سبيل المثال يُصاب الجميع بالإحباط عندما يريدون إنجاز شيء ما عبر الحاسوب فيُقال لهم إن ذلك غير ممكن لأن أحد أجهزة الحاسوب معطل، وقد قمت بتطوير طرق تتجنب حدوث ذلك.. لنفترض أن لديك جدولًا أو ملفًا مهمًا لكن حجمه أكبر من أن يستوعبه حاسوبك الخاص فتقوم بتخزينه فى السحابة (Cloud)، ولأنك لا تثق بالسحابة فإنك تقوم بتشفير الملف، لكنك لاحقًا تريد استرجاع معلومات معينة من هذا الملف، وبما أن البيانات مشفرة فلن تتمكن السحابة من معرفة أى شيء عنها، بالتالى لا يمكنها مساعدتك فى استخراج الجزء المطلوب الذى تريده.. بالطبع يمكنها أن ترسل لك الملف كاملًا لكن هذا لن يكون ذا جدوى لأنك لا تملك بالأساس مساحة تخزين كافية، ولذا ركزت عملى على جعل هذا الأمر ممكنًا وبطريقة فعّالة وقابلة للتوسع.
< ما أكثر التحديات غير المتوقعة أو الصعبة التى واجهتَها أثناء العمل على شبكات أوأنظمة الحواسيب العملاقة المترابطة حول العالم؟
ـ بشكل أساسى كانت أكثر الصعوبات هى الأعطال وعدم التزامن.. لتوضيح ذلك ببساطة فإنه فى نظام موزّع عالمى واسع النطاق لا نعرف كم من الوقت ستستغرقه الرسالة حتى تصل، وعلى سبيل المثال إذا كنت جالسًا فى الإسكندرية ولديك بيانات مخزنة فى البرازيل، ثم أرسلت رسالة تطلب تلك البيانات فستنتظر وتنتظر ولن تعرف ما إذا كان التأخير سببه تعطل الحاسوب فى البرازيل، أو انقطاع كابل الاتصال تحت المحيط الأطلنطى بين إفريقيا وأمريكا الجنوبية، أو وجود ضغط هائل على الشبكة بسبب مباراة فى كأس العالم لكرة القدم يشارك فيها محمد صلاح فى البرازيل، مما يجعل الرسالة تستغرق وقتًا طويلًا جدًا للوصول. وباختصار فإن التمييز بين الأعطال الحقيقية ومجرد التأخيرات يُعد تحديًا كبيرًا، وفهم ذلك أمر أساسى لبناء أنظمة بيانات عالمية واسعة النطاق وقادرة على تحمّل الأعطال.
< ما الاكتشاف أو الإنجاز العلمى الذى غيّر نظرتك إلى الحوسبة وإدارة البيانات بشكل أكبر؟
ـ مرة أخرى لا أعتقد أن هناك اكتشافًا علميًا واحدًا بعينه.. أنا أؤمن حقًا بأن الإنجازات تحدث خطوة بخطوة وبناءً على الأعمال السابقة.. لم تكن الحواسيب لتنجح من دون الدوائر المتكاملة واسعة النطاق والترانزستورات، ولم تكن الأنظمة البرمجية لتتطور من دون المنهج العلمى للخوارزميات الذى طوّره الخوارزمى، فالخوارزميات هى الأساس الذى تقوم عليه جميع لغات البرمجة الحاسوبية، كما أن سهولة الوصول إلى البيانات ما كانت لتتحقق من دون الإنترنت، وكذلك لم يكن للذكاء الاصطناعى التأثير الذى نراه اليوم من دون أجهزة قوية قادرة على معالجة الكميات الهائلة من البيانات بكفاءة، وهكذا.
< كـــــيـــف تــــرى تطـــــــــور العــــلاقـــة بيـن الــذكــــاء الاصطناعى وأنظمة البيانات واسعة النطاق خلال العقد المقبل؟
ـ يعتمد الذكاء الاصطناعى على البيانات واسعة النطاق، لذا فإن هذه العلاقة ستستمر وتصبح أكثر أهمية.. وبما أن البيانات موزعة فإن نماذج الذكاء الاصطناعى ستحتاج إلى أن تكون هى الأخرى موزعة أيضًا، وسيصبح من الأهمية بمكان معرفة كيفية استخراج المعلومات ذات الصلة من البيانات الموزعة وتطوير النماذج بناءً على هذه البيانات بكفاءة وجدوى اقتصادية، وللعلم تستهلك أنظمة الذكاء الاصطناعى اليوم الكثير من الطاقة، لذا فإننا بحاجة إلى تطوير طرق ذات جدوى اقتصادية وموفرة للطاقة.
وبالنسبة لى شخصيًا أرى أن خصوصية البيانات المستخدمة لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعى والاستعلام منها تعد واحدة من أكبر التحديات، ولنأخذ مصر كمثال.. لدينا الكثير من الموارد الطبيعية التى نرغب فى استكشافها واستغلالها باستخدام الذكاء الاصطناعى، ومع ذلك قد لا نرغب فى مشاركة هذه المعلومات مع جهات أو وكالات دولية أخرى.. بالطبع يمكننا تطوير ذكاء اصطناعى خاص بنا لكنه سيكون محدودًا من حيث التركيز والقدرة، لذا هل لا يزال بإمكاننا استخدام أحدث أنظمة الذكاء الاصطناعى المتاحة عالميًا دون الكشف عن معلوماتنا الخاصة؟ هذا تحدٍ كبير، وهناك الكثير من الباحثين الذين يعملون على حل هذه المشكلات.
< ما المفاهيم الخاطئة الأكثر شيوعًا حول قواعد البيانات أو الحوسبة السحابية أو أمن البيانات التى تود توضيحها للناس؟
ـ الاعتقاد بأن السحابة (الكلاود) موثوقة وآمنة تمامًا اعتقاد خاطئ، تذكروا دائماً أن كل شيء معرض للفشل والتعطُّل ولا تثقوا بأحد!
< من واقع تجربتك الشخصية، ما العوامل الأكثر أهمية التى ساهمت فى نجاحك داخل بيئة أكاديمية عالمية؟
ـ نشأت فى أسرة أكاديمية، وكان والدى ووالدتى يؤكدان دائمًا أهمية الفضول والتفكير النقدى الفكرى، كما أننى تلقيت تعليمًا قويًا جدًا فى الإسكندرية قبل انتقالى إلى الولايات المتحدة، وكذلك كانت لدىّ اهتمامات متنوعة، فقد نشأت مقدّرًا للعلوم والفنون معًا، وامتلاك اهتمامات متعددة أمر بالغ الأهمية لتنمية عقل شغوف ومحب للاستطلاع بغض النظر عن المجال الذى يطمح المرء للتميز فيه.
< ما النصيحة التى توجهها إلى الباحثين المصريين الشباب الذين يطمحون إلى السير فى مسار مشابه؟
ـ أقول لكل باحث شاب اتبع شغفك وكن فضوليًا ولا تقبل أبدًا بكلمة الاب كإجابة نهائية، وامتلك معرفة واسعة، لكن مع خبرة عميقة ومتخصصة، فهذا ما سيجعلك مميزًا ويمنحك القدرة على صنع مكانة خاصة تكون فيها الخبير الوحيد.. استفد من خلفيتك فمصر دولة مميزة.
لقد عملت فى مشروع مكتبة الإسكندرية الرقمية فى حقبة التسعينيات، وكنا نركز على المعلومات المرتبطة بالبيانات الجغرافية، وقد استلهمت ذلك من تراثى ومن مكتبة الإسكندرية القديمة الكبرى، وليس من المستغرب أن يكون والدى الدكتور مصطفى العبادى (عالم الآثار والمؤرخ الشهير) هو أيضًا مصدر الإلهام الرئيسى والمحرك الأساسى لإحياء المكتبة القديمة وتأسيس مكتبة الإسكندرية الجديدة.
< كيف يمكن لدول مثل مصر أن تعزز مكانتها عالميًا فى مجالى الذكاء الاصطناعى وعلوم البيانات؟
ـ هذا سؤال صعب, مصر لديها أعضاء هيئة تدريس وطلاب ممتازون فى جميع المجالات، لكن المشكلة تكمن فى عدم منحهم الوقت الكافى لإجراء الأبحاث بطريقة استكشافية وتأملية؛ فأعضاء هيئة التدريس مشغولون بالتدريس ومحاولة توفير متطلبات المعيشة.. إن تحقيق طفرات فى الذكاء الاصطناعى وعلوم البيانات يحتاج إلى موارد، ولكن الأهم من ذلك أن يتاح للباحثين الوقت لتجربة مناهج وأساليب مختلفة، وربما الفشل أحيانًا؛ لكن فى النهاية هذه هى الطريقة الوحيدة المضمونة للنجاح.. ابدأوا بتحديات محلية خاصة بمصر، ثم انتقلوا بعد ذلك إلى تعميمها على مشكلات عالمية تشغل الجميع.. أرجوكم امنحوا الباحثين المصريين الوقت الكافى للاستكشاف والابتكار.
< بعد مسيرة طويلة ومؤثرة، ما الإرث الذى تأمل أن يتركه عملك فى مجالك ولدى الأجيال القادمة؟
ـ إرثى الأساسى هو طلابى.. لقد كنت محظوظًا للغاية بوجود كثير من الطلاب المتميزين من مختلف أنحاء العالم، ومن بينهم - وهو ما أفتخر به - ثلاثة طلاب دكتوراه من جامعة الإسكندرية.. إن نجاحهم وتأثيرهم هو الأثر الأطول بقاءً ويشكل امتدادًا لى.
اقرأ أيضا: «مجرمو السيبرانية» يستغلون طفرة الذكاء الاصطناعي لشن هجمات واسعة
دبلوماسية فاعلة وتنمية لا تتوقف .. تحركات رئاسية لدعم الاستقرار الإقليمى وصناعة المستقبل
لا اعتراف.. لا شرعية.. لا عبث بالتاريخ| القاهرة تتصدى لـ«سفارة الوهم» على أرض القدس
نقيب الفلاحين يتوقع تراجع الأسعار قريبا.. الطقس والسوسة وراء «هيستريا الطماطم»







