أوراق شخصية

رحلة داخل العقل (1)

د. آمال عثمان
د. آمال عثمان


فى حياتنا اليومية، لا تنشأ أغلب الأزمات لأن البشر لا يفكرون، بل لأنهم يخلطون بين أنماط التفكير المختلفة. فنحن كثيرًا ما نتعامل مع المشاعر باعتبارها حقائق، ونخلط الحدس بالأدلة، ونحوّل النقد إلى خصومة، ثم نتساءل لماذا تبدو قراراتنا مرتبكة، وعلاقاتنا أكثر تعقيدًا. 

والحقيقة أن التفكير، كأى مهارة إنسانية أخرى، لا يصبح أكثر فاعلية لمجرد أننا نمارسه يوميًا، تمامًا كما أن حمل القلم لا يصنع كاتبًا، وامتلاك الصوت لا يصنع مطربًا.

من هنا يبدأ إدوارد دى بونو رحلته فى كتاب «قبعات التفكير الست». ليس باعتباره كتابًا عن الذكاء، بل عن إدارة العقل نفسه.
الفكرة التى ينطلق منها المؤلف تبدو بسيطة: المشكلة ليست فى مقدار الذكاء الذى نملكه، بل فى كيفية توظيفه وإدارته، فالعقل البشرى، حين يعمل دون تنظيم، يشبه غرفة مزدحمة يتحدث فيها الجميع فى الوقت نفسه؛ العاطفة تصرخ، والمنطق يعترض، والحدس يقفز إلى النتائج، بينما تضيع الحقيقة وسط الضجيج.

ولعل أجمل ما يكشفه الكتاب أن التفكير ليس موهبة غامضة يولد بها البعض ويُحرم منها آخرون، بل مهارة يمكن تدريبها وإعادة تنظيمها. فى إحدى المحاضرات، طرح المفكر «دى بونو» سؤالًا بدا بسيطًا ومربكًا فى الوقت نفسه: ما الشىء الذى لونه أصفر من الداخل، وأبيض من الخارج، ويطير بسرعة 500 ميل فى الساعة؟ تعددت الإجابات، والتفسيرات، ثم جاءت الإجابة: إنها البيضة، لكنها تطير داخل طائرة. هنا تتكشف آلية التفكير نفسها: ليست المشكلة فى المعرفة، بل فى زاوية النظر. قد يبدو الأمر مجرد لغز عابر، لكنه فى الحقيقة يختصر أزمة التفكير البشرى كلها. فنحن كثيرًا ما نتعامل مع الأسئلة باعتبارها صناديق مغلقة، بينما تكون الإجابات مختبئة خارج حدود الصندوق نفسه.

المشكلة إذن ليست فى نقص الذكاء، بل فى الطريقة التى نستخدم بها عقولنا. ولعل أخطر ما يواجه التفكير هو الغضب. فحين يسيطر الانفعال، تصبح الأحكام وليدة التوتر لا التأمل. ولعل عبارة ابن سينا تبدو هنا أكثر حضورًا: «أتحسب أنك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر». فالعقل ليس مجرد أداة داخل الإنسان، بل هو عالم كامل من الاحتمالات، لكنه يحتاج إلى إدارة.. ويبقى السؤال الأهم: هل نحتاج أحيانًا إلى خلع آرائنا أولًا، حتى نستطيع أن نفكر بصورة أفضل؟ للإجابة حديث آخر.