فنجان قهوة

ذاكرة الأرصفة وذكرياتنا المنسية

يسرى الفخرانى
يسرى الفخرانى


ممتن للأرصفة التى تحتفظ بذكرياتنا، والتى تحملنا لها وتحمى هذه الذكريات بتفاصيلها الصغيرة من الزوال تحت وطأة الأيام المزدحمة بتفاصيل أكثر خشونة.

أظن أننى فى طفولتى مشيت إسكندرية رصيفًا رصيفًا، كنت أذهب من أرصفة العطارين مشيًا إلى أرصفة محرم بك لمدرستى، ومن أرصفة النبى دانيال إلى أرصفة محطة الرمل والأنفوشى والمنشية والأرصفة الضيقة لحوارى بحرى، وعشقت أرصفة رأس التين والإبراهيمية وكليوباترا وستانلى وسيدى بشر.

عشت ألف عُمر وألف حلم فوق هذه الأرصفة، كانت الأرصفة تأخذنى إلى أمنيات بعيدة مُغرية بالتخيل.

بعد سنوات طالت عُدت أبحث عن أرصفتى، أبحث عن ذكريات مثل ندى الفجر رَوت نَبتة هَشة حتى كَبرت واستقرت قوية وعَفية لا تهتز ولا تَسقط ولا تُنسى.

هنا مررت فى يد أبى فى فُسح يوم الأحد، أُتبت على كَفه لكى يحمينى وأنا أتسلى بالفرجة على فاترينات شارع صفية زغلول وسينما مترو وريالتو وستراند، وفى اليد الأخرى أحمل مجلة ميكى وسمير.

هريسة الحلبى بالقشطة، كيس ساندوتشات ساخنة من جاد، زجاجة سباتس دبانة من بين ألواح الثلج، وهنا مشيت إلى الجامعة فى الشاطبى وأكلت ساندوتشات الفول من محمد أحمد واشتريت الكتب من الحاج الرملى فى محطة الرمل، هنا جلست على البحر فى مقهى والى ومقهى فاروق والبورصة وتريانون.

وهنا التقيت فى مقهى ديليس بعدها بسنوات بالأساتذة نجيب محفوظ وصالح مرسى ويوسف إدريس.

نافذة ديليس تلك التى تطل على ثلاثية البحر وفندق سيسيل وتمثال سعد زغلول، مُبهرة كما أجمل الأماكن فى الدنيا، وطعم القهوة شهى دسم مصنوع بمحبة مُتقنة واحترام.

رصيف ديليس ظل لى دائمًا مفعمًا بدفء استثنائى لأنه خليط من البحر والمدينة وروح الماضى والحاضر وجزء أصيل من المتعة والثقافة والبقاء والوداع.

وهو من الأماكن القليلة، التى احتفظت حتى اليوم بتفاصيلها كأننى لم أغادر طاولة ولا طعم قهوتى منذ زمن بعيد.

 نحتفظ بذكرياتنا البعيدة والأجمل أن نصنع ذكريات جديدة ولو مع نفس الأماكن التى منحتنا أوقاتًا مرحة ودافئة ومبهجة.

أيضًا أن نسير على نفس الأرصفة، التى يومًا مشيناها مع مَن نحب وإلى مَن نحب.

الأرصفة وإن احتلتها كراسى المقاهى البلاستيكية هى ذاكرة الخطوات، كلما مشينا عَرفنا، كلما طالت مشاويرنا رأينا، هذه البصمات التى نتركها مُغرمين على الأرصفة تعيدنا إليها مُرغمين، ولو بعد حين، مهما طال الفراق وتعثرت الخطوات وتغيرت ملامح الطريق.. سنعود، وسنجد ذكرى هنا أو هنا، الذكرى لا تُمحى بالسنين وإن محيناها بالغياب.