مرام عماد المصرى
كتاب ((لله يا محسنين.. التسول فى قاهرة سلاطين المماليك)) للكاتب «د. عمرو عبد العزيز منير» يجيب عن تساؤلات حول ماهية التسول.. وما الفئات التى مارست التسول فى القاهرة المملوكية؟ وما مظاهر التسول التى انتشرت فى ذلك الزمان؟ وما علاقة ظاهرة التسول بالجريمة؟ وما التدابير التى تم اتخاذها لضبط وتقليل انتشارها؟ ويحلل كيف جسد المتسولون عبر لغة الجسد، والملبس، وتعبيرات الوجه خطابا بصريا معقدا يستدر التعاطف، ويكشف عن أنماط تفاعل وتعايش الناس مع الفقر.
كما يتتبع التداخل بين التسول، والتصوف، ويرصد ما أشار إليه مؤرخون وفقهاء :«كالسبكى والمقريزى والسيوطى وابن إياس» من مفارقات «المتسول» الذى قد يكون زاهدًا، أو محتالًا أو متكسبًا، ما جعل من الظاهرة مجالا للجدل الأخلاقى والدينى. ويطرح الكاتب سؤالا نقديا يتجاوز حدود الزمان لا يزال راهنا: من الأحق بالعون؟ الجاهر بحاجته أم المتعفف الصامت؟.
سمحت السلطات المملوكية للسجناء بالتسول أحيانًا تحت حراسة الشرطة، وأُجبرت فئات عليه لجمع مال الضرائب، ويُؤخذ ما جمعوه، ومن
لا يلتزم يُعاقب
امتلاك العديد منهم للأموال لم يكن يعنى تغييرا فى نمط حياتهم، ورغم ما وجد فى إرث بعضهم وملكيته من الأموال للعيش حياة كريمة دون السؤال فإن الطبع غلب التطبع
قد يتحول إلى ممارسة منظمة لتكديس الأموال والاغتناء السريع لدى بعض الأفراد والجماعات، أو إلى نصب واحتيال وارتكاب
لبعض الجرائم
يتناول الكتاب.. ظاهرة التسول فى القاهرة المملوكية، من رؤية ترى أن قاع المجتمع - لا مركزه - هو من ينتج التحولات الكبرى، وأن المهمشين، على الرغم من التهميش، يعكسون بشكل لافت طبيعة المنظومة الحاكمة وآلياتها.. ويخلص إلى أن التسول لم يكن مجرد سلوك هامشى، بل نافذة لفهم البنية الاجتماعية والاقتصادية، وطبيعة السلطة، وحدود الخطاب الأخلاقى فى قاهرة سلاطين المماليك.
سبب الظاهرة
التسول ظاهرة اجتماعية منذ القدم، ولا يخلو منها مجتمع، وترتبط فى أصلها بالتفاوت الطبقى وبالاختلالات البنيوية للنسيج الاجتماعى، والاقتصادى، وضعف آليات التنمية البشرية؛ أبطالها أناس على هامش المجتمع يبحثون عن السند، ويلجأون إلى غيرهم طلبا للصدقة والمساعدة بالمال والطعام وغيرهما. كما قد يتحول التسول إلى ممارسة منظمة لتكديس الأموال والاغتناء السريع لدى بعض الأفراد والجماعات، أو إلى نصب واحتيال وارتكاب لبعض الجرائم.. إلخ. والعنصر المشترك فى ظواهر التسول كافة هو التواكل على الغير، والتوقف عن السعى لإيجاد عمل حقيقى والاكتفاء بهذه الحرفة، والتعود عليها، وقد كان التسول محل اهتمام كثير من المؤرخين المسلمين فى العصور الوسطى. وفى وقت لم يوافق فيه أغلب الكتاب والمؤرخين المسلمين فى العصور الوسطى على التسول، يمتدحون فضائل الفقراء الذين يخفون حاجتهم عن بقية المجتمع؛ أى الفقراء المتعففين. والتسول هنا فعل تعبيرى، منظومة رمزية واقتصادية وأخلاقية، يتشابك فيها الجسد واللغة والسلطة، ويغدو فيها الجوع وسيلة للقول حين يخذل القول الجائعين. فالمدينة التى لا نقرؤها من الأسفل، لا يمكن أن نفهم تاريخها ولا حاضرها.
مصادر التوثيق
يعتمد الكتاب فى مادته ومعرفة طبقات التاريخ الاجتماعى للقاهرة المملوكية على سجلات الحسبة ودفاتر القضاء، ونصوص الوقف، والمقامات، وكتابات الرحالة، وحكايات خيال الظل، بوصفها مصادر حيوية تستبطن الهامش لا لتؤرخه فقط، بل لتعيد بناء خارطة السلطة والمعنى. ومن خلالها يقدم محاولة لفهم التسول كممارسة متعددة الأوجه: أدبية، فقهية، بصرية، صوتية، وأدائية.
الفئات المهمشة
يستعرض الكتاب الجانب القانونى للتسول، ويحلل كيف وظفت العقوبات كأداة لتأديب الفقراء حين يخرجون عن سيناريو التسول المقبول. وتبين الوثائق أن القانون لم يكن دائما صارما، بل تحكمه فى كثير من الأحيان اعتبارات ظرفية ودينية. ولا يغفل الجوانب المضيئة لبعض هذه الفئات المهمشة، فتقدم صورا لمتسولين تحولوا إلى أولياء، أو قادوا عمليات إغاثة أثناء المجاعات، أو قاتلوا ضمن صفوف المدافعين عن الثغور. فالهامش لا يختزل فى العجز، بل يتسع أيضا للبطولة، ولاعادة انتاج الذات فى قلب المحنة. ويلقى الضوء على المتسول فى مصر خلال العصر المملوكي؛ لدراسة بعض جوانب الصورة الذهنية عنهم عبر نصوص أدبية وتاريخية ووثائقية.
والتحديات المعنوية التى تطرحها حالة التسول فى مجتمع يقصى المتسولين عن حدوده المادية والرمزية، وفى الوقت نفسه يزيد من عددهم ويجعلهم أكثر ظهورا فى مراكز المدن، حيث تزدهر الأعمال التجارية، وينمو الاقتصاد ويتضخم فى اتجاهات شتى، فيما يظل المتسولون على هامشه، غير مرئيين من السلطة التى ترى أنهم مجرد عالة عليها؛ مما يؤكد أهمية عدم تجاهل تام لرؤية الأبعاد الحقيقية لحياة التسول، وما فيها من قسوة وعنف فى العصر المملوكى.
ورغم ذلك يشير الكاتب أن امتلاك العديد من المتسولين للأموال لم يكن يعنى تغييرا فى نمط حياتهم، ورغم ما وجد فى إرث بعضهم وملكيته الكثير من الأموال للعيش حياة كريمة دون السؤال فإن الطبع غلب التطبع، حيث كانوا يرفضون صرف ذلك على أنفسهم .إذ تم القبض على متسول شحاذ سنة «917هـ1511م» فتبين أن لديه مائة وسبعين دينارا، وعندما سأله السلطان عن مصدر ماله أدعى أنه قد ورثه عن أمه، وحاول السلطان أن يثنيه عن ممارسة الشحاتة، بأن قرر له من ماله مبلغا من المال، يكفيه فى كل يوم حتى ينتهى المبلغ الذى وجد معه، فرفض وأخذ يصرخ «اعيدوا لى مالى. ولا حاجة لى بكسوتكم».
التسول والصوفية
يتناول المؤلف ظاهرة التسول بوصفها من الظواهر المذمومة فى أصلها، إلا أنها ظهرت لدى بعض الفرق الصوفية فى صورة مغايرة، إذ اتُّخذت وسيلة لتهذيب النفس وكسر الكِبر والتعلّق بالماديات. فالتسول هنا لم يكن دائمًا بدافع الحاجة، بل أحيانًا كنوع من الزهد والتقشف والتدريب الروحى، مع التأكيد على أن هذا التوجه لم يكن محل اتفاق بين جميع الفرق الصوفية.والمتصوفة الذين مارسوا هذا السلوك كانوا يرون فيه نوعًا من المجاهدة للنفس وتحررًا من سلطة المال والاعتماد على الأسباب المادية، فشاركوا المتسولين فى بعض مظاهرهم كالزهد ولبس الثياب المرقعة، وترك الحِرَف، والاعتماد على ما يُقدَّم لهم من صدقات، بل واللجوء إلى الخوانق والتكايا للحصول على الطعام، واعتبر بعضهم السؤال نوعًا من المجاهدة وتذليل النفس، لا يُلجأ إليه إلا عند انقطاع الأسباب..
وفى المقابل، أشار إلى وجود مظاهر سلوكية منحرفة عند بعض المنتسبين لهذا النهج، وارتبط التسول أحيانًا بالتواكل، والانخراط فى سلوكيات شاذة، من أبرزها تعاطى الحشيش وما عُرف بالحشيشية، فضلًا عن التطفل فى التجمعات الدينية، خاصة فى المواسم والموالد، طلبًا للعطاء، مما أسهم فى تشويه صورة هذا الاتجاه، وأثار انتقادات واسعة.
كما يعرض الكتاب مواقف مختلفة من العلماء والفقهاء تجاه هذه الظاهرة، حيث رفض كثير منهم التسول إذا لم يكن بدافع الضرورة، مؤكدين أن الأصل فيه المنع، ولا يُباح إلا عند الحاجة الملحّة كالحصول على الطعام أو الكسوة. ويشدد النص على أن التسول إذا خرج عن هذا الإطار وأصبح عادة دون ضرورة، فإنه يُعد سلوكًا مذمومًا أو محرمًا.
وفى النهاية، يبرز التباين بين الرؤية الصوفية التى قد تبرر التسول فى سياق روحى، والرؤية الفقهية التى تقيده بضوابط صارمة، مما يعكس اختلافًا فى فهم هذا السلوك بين البعد الروحى والبعد التشريعى، ويؤكد ضرورة التمييز بين الزهد الحقيقى والسلوكيات المنحرفة التى قد تُنسب إليه.
ثقافة رثة
يتم تعريف المتسول هنا بأنه «هو الشخص الذى يعيش على التسول ويجعل منه صرفة له، ومصدرا وحيدا أو أساسيا للرزق، وأهم ما يميزه هو الإلحاح فى الطلب للحصول على العون والمساعدة، واستخدام مختلف أساليب التأثير للوصول إلى الغرض بالحصول على المال أو الأغراض العينية، دون مراعاة للأعراف والعادات والتقاليد والقيم الدينية والاجتماعية السائدة فى المجتمع، وبذلك يصبح التسول سلوكا مرضيا ومستهجنا من الناحية الاجتماعية الأخلاقية.
وعن لغة التسول يعرفه الكاتب بأنه ممارسة تواصلية لا تقتصر على طلب المساعدة، بل تقوم على توظيف وسائل متعددة للتأثير فى المتلقى. فالمتسول يعتمد على اللغة، ونبرة الصوت، وحركات الجسد، إلى جانب مظهره الخارجى، فى سبيل استثارة التعاطف وكسب العطاء، بما يجعل التسول خطابًا قائمًا على الإقناع والتأثير. ويُبرز أن هذا الخطاب يتسم بالمرونة والتكيف دائمًا، بل قد يقوم على استراتيجيات لغوية يختار المتسول ألفاظه وعباراته وفقًا لطبيعة الشخص الذى يخاطبه، فيلجأ إلى الدعاء والعبارات الدينية، أو إلى أساليب الاستعطاف وإثارة الشفقة، وقد يستخدم المبالغة أو الادعاء لتعزيز أثر خطابه. وهذا يدل على أن التسول ليس فعلًا عفويًا وتواصلية مقصودة.
كما يركز على دلالة المظهر الخارجى، موضحًا أن الهيئة والملابس تؤديان دورًا مهمًا فى تكوين الانطباع الأول، إذ قد يتعمد المتسول إظهار علامات الفقر أو المرض، لتكون هذه الصورة داعمة لخطابه، ومُعزِّزة لتأثيره دون الحاجة إلى الإطالة فى الكلام. وقد لاحظ «السيوطى» أن ظاهرة التسول لا تختص فقط بالمنحرفين فقد يكون المتسول إنسانا صالحا، ويمثل اللباس غالبا علامة التخفى، وعدم الإفصاح عن الحقيقة وشاع بين الناس أن لبس ملابس التسول والفقر قد يكون من ملاذات المخادعة والمراوغة، كما يفعل بعض المتسولين فى عصرنا حين يرتدى لبسا رثا ويغير فى ملامح ملابسه، وربما فى أطرافه رغبة فى المخادعة، واستجلاب المال، هذه الظاهرة بدأت تتشكل فى ذهن أغلب الناس حين رأوا هذه الصورة المتكررة فى المساجد والأماكن العامة صورة من صور الخداع والمكر، وإلى هذا المعنى ألمح «ابن الجوزى» فى حديثه عمن لبسوا لباس الفقراء والشحاذين كى يروا أنهم صلحاء وهم أشرار الذباب والحفلة، ومع هذا يعترف كل من « السبكى، والسيوطى» بأن هذه الأساليب التى يلجأون إليها ليست سوى جزء صغير من جراب الحيل لديهم.
ويتطرق إلى السياق الاجتماعى للظاهرة، مبينًا ارتباطها بالفقر والبطالة وضعف شبكات التكافل الاجتماعى، حيث تعكس بعض حالات التسول حاجة حقيقية. وفى المقابل، يشير إلى تحول التسول فى بعض الأحيان إلى ممارسة استغلالية، تقوم على الخداع واستثمار عواطف الناس.
ويخلص إلى أن خطاب المتسول يجمع بين البعد الإنسانى والبعد الاستغلالى، وأن فهمه يقتضى النظر إلى آلياته اللغوية والبصرية، فضلًا عن سياقه الاجتماعى، مع التنبيه إلى أن انتشار الممارسات غير الصادقة يسهم فى إضعاف الثقة وتشويه صورة المحتاجين الحقيقيين.
كثرة الهائمين
ويشير الكتاب إلى ثمة ظاهرة لازمت مجتمع المتسولين ،وانتشرت بين الأوساط الشعبية شرقا وغربا تمثلت فى كثرة الهائمين الذين سلكوا مسلكا غريبا وشاذا، كعدم ارتداء الملابس والسير فى الطرقات عرايا دون ملابس تستر عوراتهم، وتجاهل قواعد اللياقة والنظافة، والتجول بلا هدف وقد أطلق عليهم فى مصر المملوكية اسم «المجاذيب» من لهم ولاية ويعتقد فى بركتهم ،وكرمتهم العديد من العامة فى الأوساط الشعبية، ولا نجد أبلغ من وصف المؤرخ «ابن تغرى بردى» فى اعتقاد الناس فى المجذوب الشيخ الصنافيرى يقول فيه: «أجمع الناس على اعتقاده وهو لا يفيق من سكرته، وكان الناس يترددون إليه فوجا فوجا رغبة التماس بركته. وقد كان أحدهم يلبس الصوف صيفا وشتاء وتقصده الناس يتبركون به فمات، فخلف أربعة آلاف دينار، وحسبنا ما أشار إليه موفق الدين بن عثمان فى قوله: كان رجل بمصر يسمى عفان بن سليمان المصرى، قد وجد فى داره مالا مدفونا، فصار عفان يتصدق من المال على الفقراء».
لقد تمتع المتسولون بإحسان الطبقات الحاكمة، وقد انعكس ذلك على الثراء النسبى الذى تمتعوا به خاصة وقت الأزمات. لاعتقاد بعض الولاة والحكام وهم فى محور الابتلاءات أن تلبيتهم لطلبات المتسولين ستساعدهم على درء المصائب المحدقة بهم.
ولم يكن الأمر بسائد فى القاهرة وحدها، بل امتد إلى أغلب قرى مصر مثل الفيوم التى ظهر فيها رجل يدعى: على بن عبد الله الروبى كان مجذوبا وتظهر منه أشياء خوارق للعادة، وللناس فيه اعتقاد زائد وآخر فى دمياط اشتغل بالعلم فى أوائل عزه مدة، ثم حصل له جذب فشطح وهام. وكان المتسولون المجاذيب أو الحمقى ظاهرة عامة كتب عنها الكتاب المسلمون فى العصر الوسيط وامتد صداها إلى حكايات «ألف ليلة وليلة» التى تعج بشخصيات الدراويش أو المتسولين المباركين.
دائرة الفقر
ويشير إلى أن الأزمات الكبرى تؤدى إلى اتساع دائرة الفقر، ومن ثم زيادة أعداد المتسولين، حيث تظهر فئات جديدة لم تكن تمارس هذا السلوك من قبل. كما يؤكد أن قصور نظم التكافل الاجتماعى وعدم كفاية الدعم المؤسسى يسهمان فى تفاقم الظاهرة، ويجعلان التسول أحد الخيارات المتاحة أمام الفئات الهشة..
كما يناقش العلاقة بين التسول والعمل، موضحًا أن بعض الأفراد يعزفون عن العمل، إما لضعف المهارات أو تدنى العائد، أو لأن التسول يحقق لهم كسبًا أسرع دون جهد يُذكر، وهو ما يحول التسول فى بعض الحالات إلى نشاط قائم على المنفعة والمردود الاقتصادى. ويتطرق إلى الآثار الاجتماعية المترتبة على انتشار التسول، حيث يؤدى إلى ترسيخ قيم الاتكالية، وإضعاف قيمة العمل، فضلًا عن انتشار ممارسات الاستغلال والخداع.
كما يسهم فى تكوين صورة سلبية عن الفقر والفئات المحتاجة، ويؤثر فى منظومة القيم داخل المجتمع.
ومن جانب آخر، يبرز بعض الأبعاد الصحية والاجتماعية المرتبطة بالظاهرة، مثل سوء التغذية وانتشار الأمراض بين المتسولين، خاصة الأطفال، الذين يُعدّون من أكثر الفئات عرضة للاستغلال. وهذا يعكس عمق المشكلة وتشابكها مع أوضاع اجتماعية واقتصادية متردية.
ويخل الفصل إلى أن التسول ظاهرة معقدة ومتشابكة، تتداخل فيها عوامل اقتصادية واجتماعية وصحية، الأمر الذى يستدعى معالجتها من خلال سياسات شاملة تستهدف الحد من الفقر، وتوفير فرص العمل، وتعزيز نظم الحماية الاجتماعية، بما يكفل الحد من انتشار هذه الظاهرة.
الاحتيال المجتمعى
ورغم ظهور المتسولين فى مصادر الحسبة ومدونات التاريخ كفئة شاذة أو كبيرة للاحتيال المجتمعى، فإنهم فى الوقت ذاته مثلوا مرآة عاكسة لمجموعة من الاختلالات المجتمعية السياسية والاقتصادية، والسياسات غير المتوازنة على المستوى الاجتماعى مثل: البطالة، وعدم وجود وسيلة مشروعة للعيش، وعدم وجود محل إقامة مستقر، وتفاقم ظاهرة التضخم الاقتصادى نتيجة التلاعب بقيمة الدينار المملوكى، وتهالك الناس المقتدرين على شراء الأقوات وتخزينها، وصار أكثر الناس لا يقدر إلا على النخالة، وأكل الفقراء السلق والطين، الأمر الذى يستدعى بالمتسولين وغير القادرين إلى اتخاذ الطرقات والأسواق والتجمعات الشعبية ميدانًا لتسولهم واستدرار العطف، وتدهورت الأحوال الاقتصادية والاجتماعية فى كثير من الأوقات بحيث أصبحت القاهرة ملاذًا لكل الهاربين من دمشق ونابلس والشام والصعيد والأرياف.
وانتشر الفساد فى العصر المملوكى إلى قمة السلطة، وانتشر بين السلاطين والأمراء والقادة ورجال الدين وأدعياء العلم والولاية، وحدد المقريزى أسباب العلة فى ثلاثة أشياء: أولها الرشوة، وثانيها غلاء الأثمان، وثالثها قلة ما بأيدى الناس من الدراهم، وجميعها تنبع من حب المال، فهو مفتاح كل جريمة وفساد.. ووصل الأمر إلى قطع الطرق وأخذ المال وأخذ المراكب واختطافها ونهبها ثم إحراقها، واختطاف الخبز من أيدى الناس، بل وارتكاب الجرائم.
وفى ظل سطوة غاشمة قاهرة وشعب مأزوم ومقهور، يسود الفساد والبطش وتشيع الأبدان والأرواح، ولا يبدو مستبعدًا أن يحل الغش والسرقة، وأصبح المجتمع مضطربًا، وانحسار روح التراحم والتكافل. وعبر المصريون عن سخطهم على الأحوال الاقتصادية والسياسية، وتجلى ذلك فى سوء الأوضاع والتنديد بالتفاوت الطبقى، ومعاناة مجتمعية لأفراد هذه الطبقة من ضيق وعسر، مع تحول عدد كبير من العامة والطبقة الوسطى إلى متسولين، مدفوعين بالحصول على لقمة العيش، وتقلص عدد الأثرياء وزيادة الفقراء.
حتى تعجز الورثة عن الطلب فتترك المطالبة، ومن ثم تستولى الدولة على هذه الأموال، وكان إبطال الميراث من أهم العوامل التى أدت إلى إفقار أسر بكاملها، حيث حل السلطان محل الورثة الشرعيين واستولى على أموال مورثهم تاركًا إياهم بلا مورد للرزق.
كما تناول لجوء النظام المملوكى إلى المصادرات تارة وإلى العنف تارة أخرى مع زيادة الضرائب لم يكن إلا أن يعكس ضعف وهشاشة النظام، وإذا كانت السلطة المملوكية ضعيفة يقف على رأسها نظام يبدو قويًا فإنه يظل أضعف من أن يسيطر على فقر الطبقات الدنيا وتضخم ظاهرة التسول، وزيادة معدلات الجريمة، وتبقى حقيقة ساطعة هى أن السلطة المملوكية بهذا الشكل كانت تزداد ترهلاً وتحللاً، وتزداد الحلول معها تعقيدًا وتأزمًا
تعاطف وعدم اكتراث
يتراوح الموقف المجتمعى من المتسولين بين التعاطف وعدم الاكتراث؛ إذ يتعاطف البعض معهم من منطلقات إنسانية ودينية وتقدير الظروف، وقد «كان أحد الفقراء كثير الصدقات وربما قطع من عمامته وأعطى فقيرًا يسأله»، بينما لا يتحرك البعض الآخر، وقد يُتَّهَم المتسولون باحتراف هذه الحرفة، إذ «اتخذوا السؤال صناعة»، أو يلجأون إلى الحيل فى استمالة الناس، «بما ألفه الناس من أهل مصر فإنهم يصدقون ويرعون الصحبة ويوفون بالعهد».
وتسجل أحيانًا مبالغات فى وصف المتسولين، كما فى الحديث عن أشخاص عُرفوا بالسخاء أو مخالطة الفقراء، وقد أدركت السلطة المملوكية تأثير المتسولين فى المجتمع، «فوصفتهم المصادر بأنهم طائفة كبيرة أهل صلابة ونفس»، وانتهجت سياسة متوازنة باستخدام وسائل عنف أحيانًا أو غض الطرف أحيانًا أخرى، ومع زيادة أعدادهم لجأت الدولة إلى الاعتراف بهم فى أوقات، ومحاولة التخلص منهم فى أوقات أخرى، مثل محاولة الظاهر بيبرس.
كما أن «الأيام لا تمضى طريقة واحدة فى الكرم والصبر»، وقد أدى رخص الخبز وكثرة المساعدات إلى عطف الناس على الفقراء، حتى «إن كثيرًا من الفقراء بالمغرب يتركون أوطانهم إلى مصر» لما فيها من سعة، ويُعتقد أن ذلك بسبب كثرة الصدقات.. فمنح الصدقات لم يتوقف، وكانت أعمال الخير شائعة، خاصة فى القاهرة، حيث «لم تخلف أية سجلات مكتوبة يستخدمها المؤرخون مادة وثائقية إلا فى حالات الأشخاص الذين اشتهروا بتقواهم الفائقة».
وقد حاولت السلطة الحد من ظاهرة التسول؛ فتم «ترحيلهم إلى الفيوم وتوفير رواتب لهم»، ثم صدرت أوامر بإخلاء الشوارع من المتسولين والقبض عليهم، وتتبعهم، بل ونفى بعضهم، أو إرسالهم خارج البلاد.
كما صدرت محاولات بمنع الشحاذة، «بألا يتصدق أحد على حرافوش»، وأُلزموا بالتكسب، «فامتنعوا من الشحاذة وخلت الطرقات منهم»، لكن ذلك لم يستمر، فعادت الظاهرة، وانتشر المتسولون فى الأسواق وأماكن التجمع. وأخيرًا، «باءت بالفشل الذريع» محاولات علاج التسول، ولم تكن هناك سياسات طويلة المدى، وافتقرت الدولة إلى وسائل إصلاح فعالة، وأصبح المتسولون «تحت إشراف زعماء»، بينما استمرت الظاهرة دون حل، مما يطرح التساؤل: هل كان هناك جانب إيجابى للتسولين؟
وجهة نظر
سمحت السلطات المملوكية للسجناء بالتسول أحيانًا تحت حراسة الشرطة، رغم محاولات المنع، وكشفت السياسات عن ازدواجية بين الإكراه والقبول، واستغلال الفقراء والمتسولين فى الأعمال العامة كحفر الخلجان وأعمال الحجر وإنشاء العمائر السلطانية. وأصدر السلطان أوامر بالقبض على المتسولين وإجبارهم على العمل، ونُقل بعضهم لنقل التراب، كما جُمِعوا عند بناء الجسور.كما أُجبر بعض المتسولين على العمل مقابل أجر، وجُمِع الحرافيش والأسرى وردموا التراب، حتى عُمِّرت بعض البلاد، ولم تكن هذه الظاهرة منتشرة لكثرة ما يلزم لها من تنظيم.
وأُجبرت فئات من المتسولين على التسول تحت حراسة مشددة لجمع مال الضرائب، وكانوا يُسجنون ويُخرجون للتسول ويُؤخذ ما جمعوه، ومن لا يلتزم يُعاقب. ورغم وقوع حوادث عنف ضد المتسولين، فإن النظرة العامة تكشف محاولة إدراجهم ضمن الحياة العامة، ورصد وجودهم ومشاركتهم، وما يواجهونه من تحديات وأحكام سلبية بسبب الضعف والوجود الهامشى.
وفى العصور الوسطى لم تُبدِ النخبة القاهرية اهتمامًا دائمًا بالمحتاجين، بينما فى أوروبا أدى تزايد الفقر إلى إجبار الفقراء على العمل والحد من التسول، مع وجود مؤسسات تقدم المساعدة وتدفعهم للعمل. وكان يتصدق السلاطين والأمراء على الفقراء والمتسولين فى مناسبات مختلفة دون التزام رسمى دائم، وشارك العامة فى الصلوات ومنح الصدقات. وفى النهاية، لم توجد آلية مستدامة لعلاج ظاهرة التسول، وإنما ظل التعامل معها موسميًا، مع استمرار العطف عليهم دون تنظيم دائم.

خطابات ندب المراقبين الأسبوع المقبل
عودة اختبارات القدرات.. وتقييم التخصصات النظرية
المشاعر السلبية مثل «القلق» أو «الغضب» قد تكون محفزاً على التغيير ووسيلة لحماية الذات







