حسام بركات
عيد الأضحى المبارك لم يكن مجرد أيام للفرح والاحتفال، بل موسماً إيمانياً عظيماً امتلأت فيه القلوب بالطاعة، وتعالت فيه أصوات التكبير، وتجددت معانى الرحمة والتكافل وصلة الرحم، غير أن التحدى الحقيقى لا يكمن فى الاجتهاد خلال المواسم المباركة فقط، وإنما فى القدرة على الحفاظ على أثرها بعد انتهائها، حتى تظل العبادة منهج حياة لا عادة موسمية.
عن هذا يؤكد د. محمد محمد داود الأستاذ بجامعة قناة السويس، أن مواسم الطاعات، وعلى رأسها عيد الأضحى المبارك، ليست محطة عابرة فى حياة المسلم، وإنما هى فرصة حقيقية لتجديد الإيمان وتهذيب النفس وربط القلب بالله سبحانه وتعالى، موضحاً أن المحافظة على روح الطاعة بعد انتهاء العيد تبدأ من إدراك أن رب المواسم هو رب سائر الأيام، وأن العبادة فى الإسلام منهج حياة لا يرتبط بزمن محدد.
حيث يقول الله تعالى:﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾، مشيرا إلى أن الآية الكريمة تؤكد معنى الاستمرار والثبات على الطاعة دون انقطاع، كما أن النبى كان أحب الأعمال إليه «أدومها وإن قل»، وهو منهج تربوى عظيم يدعو إلى الثبات ولو بالأعمال اليسيرة.
ويضيف أن المسلم يستطيع الحفاظ على هذه الروح الإيمانية من خلال المحافظة على الصلوات فى أوقاتها، ودوام الذكر وقراءة القرآن، والحرص على الصدقات وصلة الرحم التى تتجلى بوضوح فى أيام العيد، حتى تبقى هذه القيم ممتدة فى حياة الإنسان كلها.
ويرى أن من أهم أسباب الثبات كذلك صحبة الصالحين والابتعاد عن أجواء الغفلة، لأن النفس تتأثر بالبيئة المحيطة، مستشهداً بقول الله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾..
وأن نجاح المسلم الحقيقى لا يكون فقط فى الاجتهاد وقت المواسم، بل فى قدرته على تحويل نفحات الإيمان إلى سلوك دائم ينعكس على أخلاقه ومعاملاته وحياته اليومية.
يضيف د. منصور مندور، كبير أئمة وزارة الأوقاف سابقاً، أن أخطر ما يقع فيه بعض الناس بعد انتهاء المواسم الدينية، ومنها عيد الأضحى المبارك، هو العودة السريعة إلى الغفلة والتهاون فى الطاعات، وكأن العبادة كانت مرتبطة بوقت محدد ثم انتهى أثرها بانتهاء المناسبة، موضحاً أن هذا السلوك يُفقد الإنسان كثيراً من الثمار الإيمانية والتربوية التى اكتسبها خلال الأيام المباركة.
ويشير إلى أن من أبرز هذه السلوكيات أيضاً هجر القرآن بعد كثرة تلاوته، والتكاسل عن الصلاة فى أوقاتها، والانشغال المفرط باللهو ومواقع التواصل، فضلًا عن عودة بعض العادات السلبية مثل القطيعة أو الغيبة أو الانشغال بالمظاهر والتفاخر، مؤكداً أن الإسلام يريد من المسلم الاستقامة الدائمة لا التدين الموسمي.
ويستشهد بقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِى نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا﴾، موضحاً أن الآية تحذر من هدم ما بناه الإنسان من طاعة واجتهاد، كما قال النبى : «أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل»، وهو توجيه نبوى عظيم يرسخ قيمة الثبات والاستمرار.
ويرى أن المواجهة الدينية والتربوية تبدأ من ترسيخ مفهوم المراقبة لله سبحانه وتعالى، وربط الناس بأن العبادة ليست موسمًا مؤقتاً، بل منهج حياة، إلى جانب دور الأسرة والمسجد والإعلام فى تشجيع السلوك الإيجابي، وإحياء مجالس العلم والذكر، وتعويد الأبناء على الطاعات الصغيرة المستمرة، لأن التربية على الاستقامة اليومية هى الضمان الحقيقى لبقاء أثر المواسم الإيمانية فى النفوس والمجتمعات.
يرى د. مصطفى علوان، الأستاذ بكلية الإعلام جامعة الأزهر ، أن وسائل الإعلام تمتلك دوراً محورياً فى تحويل القيم الإيمانية المرتبطة بعيد الأضحى المبارك من مجرد مشاعر موسمية عابرة إلى سلوك يومى دائم ينعكس على أخلاق المجتمع واستقراره، موضحاً أن الرسالة الإعلامية الناجحة لا تكتفى بتغطية المظاهر الاحتفالية، وإنما تعمل على ترسيخ المعانى الإنسانية والدينية التى يحملها العيد، مثل الرحمة والتكافل وصلة الرحم والتسامح.
«سيلفى الحج»| علماء: جائز ما لم يشغل عن العبادة
خواطر الشعراوى| فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَّنَاسِكَكُمْ
دكتوراه حول الحرية الدينية بين الشريعة الإسلامية والمواثيق الدولية







