خواطر الشعراوى| فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَّنَاسِكَكُمْ

الشيخ الشعراوي
الشيخ الشعراوي


فى خواطره حول الآية 200 من سورة البقرة حول قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَّنَاسِكَكُمْ فاذكروا الله كَذِكْرِكُمْ آبَآءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا ...﴾ يقول الشيخ الشعراوي: نعرف أن «قضى» تأتى بمعان متعددة، والعمدة فى هذه المعانى فصل الأمر بالحكمة، قد يُفصل الأمر بحكمة لأنه فرغ منه أداء ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ﴾ أى إذا فرغتم من مناسككم، هذه واحدة.

وقد يكون لأنك فصلت الأمر بخبر يقين مثل قوله الحق: ﴿وقضى رَبُّكَ أَلاَّ تعبدوا إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ «الإسراء: ٢٣» وقد يكون «قضى» بمعنى حكم حكما لازمًا كما تقول: قضى القاضي. إذن فكلها تدور حول معنى: فصل بحكمة. ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَّنَاسِكَكُمْ فاذكروا الله﴾ . أى إذا فرغتم من مناسككم، والمناسك هى الأماكن لعبادة ما، فعرفات مكان للموقف، و«مزدلفة» مكان للمشعر الحرام يبيت فيه الحجاج. و«منى» منسك للمبيت أيضا، إذن كل مكان فيه عبادة يُسمى «منسكا» .

وقوله سبحانه: ﴿فاذكروا الله﴾ أى فلا يزال ذكر الله دائما واردًا فى الآيات، كأنك حين توفق إلى أداء شيء إياك أن تغتر، بل اذكر ربك الذى شرع لك ثم وفقك وأعانك. وكأن الحق يريد أن يضع نهاية لما تعودت عليه العرب فى ذلك الزمان فقديمًا كانوا يحجون، فإذا ما اجتمعت القبائل فى منى، كانت كل قبيلة تقف بشاعرها أو بخطيبها ليعدد مآثرها ومآثر آبائها، وما كان لهم من مفاخر فى الجاهلية ويحملون الديات، ويحملون الحمالات، ويطعمون الطعام، ويفعلون غير ذلك من العادات، فأراد الله سبحانه وتعالى أن ينهى فيهم هذه العادة التى هى التفاخر بالآباء وبأعمالهم فقال: ﴿فاذكروا الله كَذِكْرِكُمْ آبَآءَكُمْ﴾ والذكر معناه توجيه الفكر إلى شيء غير موجود ساعة تأتى به، ولا يمكن أن يذكر الإنسان من أحداث الماضى إلا الحدث الذى له الأثر النافع فيه، وعلى مقدار الأثر النافع يكون الذكر.

وكانوا قديمًا يطعمون الطعام، والذى يطعم الطعام يؤدى مهمة فى مثل هذه البلاد البُدائية أى البدوية وكان من المبالغة فى الجفنات أن بعضهم كالمطعم بن عدى مثلًا كانت له جفنة يحكى رسول الله  َ أنه كان يستظل بها ساعة الهجير. والجفنة هى الوعاء الذى يوضع فيه الطعام، فتأمل الجفنة كيف تكون؟!

ويحملون الحمالات، بمعنى أنه إذا قامت قبيلة على قبيلة وقتلت منها خلقًا كثيرًا يتطوع منهم ذوو الحسب وذوو المروءة وذوو الشهامة وذوو النجدة فيحمل كل هذه الآثار فى ماله. والديات هى التى يتطوع بدفعها أهل الشهامة منهم إذا ما قتل قاتل قتيلًا، ولا يقدر على أن يعطى ديته، وكانت كل تلك الأعمال هى المفاخر.

أراد الحق سبحانه وتعالى أن يردهم فى كل شيء إلى ذاته، فقال لهم: أنتم تذكرون آباءكم؛ لأنهم كانوا يفعلون كذا وكذا، وآباؤكم يفتخرون بآبائهم، انقلوها وسلسلوها إلى خالق كل الآباء وكل البشر، فكل ما يجرى من خير على يد الآباء مرده إلى الله، فإن ذكرتم آباءكم لما قدموه من خير، فاذكروا من أمدهم بذلك الخير.

وهو يريد منهم أن يذكروا الله كذكرهم آباءهم؛ أو أشد ذكرا؛ لأن كل كائن إنما يستحق من الذكر على مقدار ما قدم من الخير، ولن تجد كل الخير إلا لله، إذن لابد أن نذكر الله.

وأيضًا فإن الإسلام أراد أن ينهى التفاخر بالآباء ليجعل الفخر ذاتيا فى نفس المؤمن، أى فخرًا من عمل جليل نابع وحاصل من الشخص نفسه؛ ولذلك يقولون فى أمثال هؤلاء الذين يفخرون بأسلافهم إنهم: «عظاميون» أى منسوبون إلى مجد صنعه من صاروا عظاما تضمها القبور، والله يريدنا أن نكون ذاتيين فى مفاخرنا، أى أن نفخر بما نفعل نحن، لا بما فعل آباؤنا، فالآباء أفضوا إلى ما قدموا، ويريد الله أن يأخذ الإنسان ذاتية إيمانية تكليفية. ومن يريد أن يفتخر فليفتخر بنفسه.

وعندما كان العرب يتفاخر بعضهم على بعض يقول أحدهم للآخر: يا أخى أنت تفتخر عليّ بماذا؟

فيرد عليه الثاني: أفتخر عليك بآبائى وأجدادي.فيرد الأول: اذكر جيدا أن مجد آبائك انتهى بك، ومجد آبائى بدأ بي، ولماذا لا أجعل لآبائى الفخر بأنهم أنجبوني؟ وفى ذلك يقول أحدهم: قالوا أبو الصقر من شيبان قلت لهم ... كلا لعمرى ولكن منه شيبانُ

وكم أبٍ قد علا بابن ذُرَا شَرَفٍ ... كما عَلتْ برسول الله عدنانُ

ومادام القوم يفتخرون بحى منهم، فهم يلتحمون بمن يعطيهم المدد ليكونوا شيئا باقيًا ومؤثرًا فى الوجود، وليس بذلك الشيء المحدود المتمثل فى أنه يطعم الطعام، ويحمل الحمالات ويؤدى الديات، وإنما يكون بحمل رسالة الإنسانية العالمية.

﴿فاذكروا الله كَذِكْرِكُمْ آبَآءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ . لأن ذكركم الله سيصلكم بالمدد منه، ويعطيكم المعونة لتكونوا أهلا لقيادة حركة الحياة فى الأرض، فتوطدوا فيها الأمن والسلام والرحمة والعدل، وهذا هو ما يجب أن يكون مجالا للفخر.

وبعد ذلك يلفتنا الحق فيما يأتى إلى أن الإنسان إذا ما قضى المناسك كان أهلا لأن يضرع إلى الله، ويسأل الله بما يحب أن يسأله، والسؤال لله يختلف باختلاف همة السائلين، وكانوا لا يسألون الله إلا قائلين: يا رب أعطنى إبلًا، يا رب أعطنى غنمًا، يا رب أعطنى بقرًا، ويا رب أعطنى حائطًا أى بستانًا، يا رب كما أعطيت أبى أعطني.. ولم يكن فى بالهم إلا الأمور المادية، وأراد الله أن يجعلهم يرتفعون بالمسألة لله، وأن يُصَعِّدُوها إلى شيء أخلد وأبقى وأنفع، ومن هنا تأتى المزية الإيمانية، فإذا كنتم ستسألون الله متاعا من متاع الدنيا فما الفارق بينكم وبين أهل الجاهلية؟

ذلك ما نفهمه من قول الله عز وجل فى ختام هذه الآية: ﴿فَمِنَ الناس مَن يَقُولُ رَبَّنَآ آتِنَا فِى الدنيا وَمَا لَهُ فِى الآخرة مِنْ خَلاَقٍ﴾ . فالعبد حين يؤدى مناسكه لله يجد نفسه أهلا لأن يسأل الله، وما دمت قد وجدت نفسك أهلا لأن تسأل الله فاسأل الله بخير باق؛ لأن الإنسان إنما يُصعدُ حاجته إلى المسئول على مقدار مكانة المسئول ومنزلته؛ فقد تذهب لشخص تطلب منه عشرة قروش، وقد تذهب لآخر أغنى من الأول فتقول له: أعطنى جنيها، ولثالث: تطلب منه عشرة جنيهات، إنك تطلب على قدر همة كل منهم فى الإجابة على سؤالك.

إذن ما دام العباد بعد أداء المناسك فى موقف سؤال لله فليُصَعِّدُوا مسألتهم لله وليطلبوا منه النافع أبدًا، ولا ينحطوا بالسؤال إلى الأمور الدنيوية الفانية البحتة. ﴿فَمِنَ الناس مَن يَقُولُ رَبَّنَآ آتِنَا فِى الدنيا وَمَا لَهُ فِى الآخرة مِنْ خَلاَقٍ﴾ إن العبد قد لا يريد من دعائه لله إلا الدنيا، ولا حظ ولا نصيب له فى الآخرة، ومثل هذا الإنسان يكون ساقط الهمة؛ لأنه طلب شيئًا فى الدنيا الفانية، ويريد الله أن نُصَعِّد همتنا الإيمانية. ولذلك يتبعها بقوله الحق: ﴿وِمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ رَبَّنَآ آتِنَا فِى الدنيا حَسَنَةً وَفِى الآخرة حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النار﴾.