يداعب الملابس بقدميه| «عم خلف» مكوجى رجل.. حتى آخر العمر

مكوجى الرجل
مكوجى الرجل


دينا عرفة

فى زوايا الزمن، تختفى المهن القديمة ، تاركة خلفها أثرًا خفيفًا يشبه الحنين. ومع تطور الآلات وسرعة الحياة، تبتعد الأيدى عن الحرف التى كانت يومًا روح الشارع ونبضه، ليبقى القليل ممن يتمسكون بها كأنهم يحرسون ذاكرة لا تريد أن ترحل.

فى محل بسيط بمحافظة بنى سويف، يجلس عم خلف أمام مكواته الحديدية القديمة، وكأنه لا يعمل فقط، بل يسترجع عمرًا كاملًا من الذكريات. بعمر الثانية والسبعين، لا يزال يمارس المهنة بنفس الهدوء والرضا، كأنها رفيقة عمر لا يمكن التخلى عنها.. يقف عم خلف إبراهيم محمد، كآخر خيط يربطنا بمهنة «مكوجى الرجل»، التى تقاوم الغياب فى صمت..

وبصوتٍ يختلط فيه الحنين بالفخر، يتحدث عم خلف قائلاً. «المهنة دى مش مجرد شغل، دى حياة كاملة. أنا كبرت فيها، من وأنا طفل صغير ماسك هدوم الناس لحد ما بقيت أفهم القماشة قبل ما ألمسها».

كانت بدايتى فى المهنة وأنا فى الحادية عشرة من عمرى، فى أحد محال منطقة رمسيس بالقاهرة، حيث تعلمت خطوة خطوة معنى الدقة والصبر، فى زمن كانت فيه المكواة اليدوية عنوانًا للحرفة الحقيقية، وكان «مكوجى الرجل» جزءًا أساسيًا فى الحياة.. ويضيف «المهنة دى كانت بتعلمنى أسمع القماش…

كل نوع له طريقته فى الكى والتطبيق، وكل غلطة فيها كانت بتوجع لأنها مش بترجع زى ما كانت، ومع مرور السنوات، تغير كل شىء. تركت المحل لأسباب عديدة، لأعود إلى مسقط رأسى بنى سويف حاملًا معى مهنتى ومكواتين تزن إحداهما ٢٥ كيلو والاخرى ٤٥ كيلو، وطبعًا لكل منها استخدام حسب نوع القماش، موقد بسيط، قطعة قماش تفصل بين المكوى والملابس، وزجاجة ماء تستخدم بحساب، وطاولة مخصصة للكى.. وبدأت من جديد فى محل صغير».

ويقول عم خلف: «زمان كانت الناس تيجى مخصوص عشان المكوجى، وكانت بتثق فى إيد الصنايعى أكتر من أى حاجة، لكن مع تطور الأدوات وتسارع الإيقاع، بدأت المهنة تتراجع، وحاليًا بقت صعبة على الناس، ومبقاش فى حد عايز يتعلمها».. وتابع: «المهم مش السرعة، المهم تطلع الحاجة مظبوطة، من غير ما تسيب علامة فى الملابس أو غلطة».

ويؤكد عم خلف أنه لا يزال متمسك بمهنته، لا من أجل الرزق فقط، بل لأنها جزء من كيانه، قائلًا: «أنا مش قادر أبعد عنها، وهفضل طول عمرى اشتغلها، دى مش شغلانة بالنسبة لى، دى عمر عشته، ولا يمكن أن أتغير وصعب استخدم مكاوى حديثة، لأنه مازال هناك زبون وناس كتير بتفضل المكواة الرجل».

ويضيف: أنا أب لتسع أبناء ولدى أحفاد، لكنهم رفضوا تعلم المهنة، رغم أنى ربيتهم وعلمتهم وزوجتهم من هذه المهنة.