خبير أمن سيبرانى: صناعة التريند مرض إلكترونى خطير
كانت آخر رسالة كتبتها على هاتفها: «مش قادرة أكمّل»، لم يدرِ أحد أنها تقصد ما تقول. كانت تملك آلاف المتابعين، وقلباً ينزف وحيداً خلف الشاشة..
لم تكن هذه الفتاة استثناءً.. باتت قصتها نموذجاً متكرراً فى عيادات الأطباء النفسيين، وفى تقارير السوشيال ميديا ونشرات الأخبار، وفى همسات الأسر التى تجلس على أنقاض فقدان لم تجد له تفسيراً، الشاشة الصغيرة التى وعدت بأن تجمع العالم فى راحة يدك، باتت فى حالات كثيرة تُعمّق الوحدة، وتُغذّى اليأس، وتُطبع صور الكمال المزيّف على أدمغة هشّة لم تكتمل بعد.
فى هذا التحقيق، ترصد «الأخبار» ظاهرة تتصاعد فى صمت: كيف تتحوّل السوشيال ميديا إلى عبء نفسي، وتُسهم فى تآكل قيم المجتمع، وتُلقى بأبنائنا فى غيابات الاكتئاب والإدمان الرقمي، وفى أقسى الحالات، إلى حافة النهاية.
ليس الاكتئاب وحده مَن يهدد أبناءنا، ثمة وجه آخر أكثر شراسة: التنمر الإلكتروني، الذى تحوّل من ظاهرة عارضة إلى وباء صامت. الجانى فى هذه الجريمة لا يترك بصماتٍ، والضحية لا تحمل كدمات - لكن الجرح يذهب إلى أعماق لا تطالها الضمادات..
وتُشير التقارير النفسية إلى أن ضحايا التنمر الإلكترونى يعانون من معدلات اكتئاب وقلق أعلى بكثير مقارنة بالتنمر الجسدى التقليدي، وذلك لأن الإنترنت لا يُغلق، لا يوجد مكان آمن، لا بيت ولا غرفة نوم، طالما يظل الهاتف مضاءً.
قال أحد الآباء فى بوست منتشر على السوشيال ميديا : «ابنى لم يمرض ولم يشتكِ، فقط أصبح أكثر صمتاً، وفى صباح يوم عادي، وجدناه يحاول الانتح..». لم يُكمل الجملة، لا أحد يريد أن يكملها! .
الأخطر أن المحتوى الرقمى بات يُروّج لما يُعرف بـ «التطبيع مع الانتحار»؛ مجموعات سرية، وترندات مشفّرة، وتحديات تتنافس فى الانزلاق نحو الهاوية، والضحية الأولى دائماً من لم يعرف له أحد طلباً للنجاة.
طبيعة جيل
وفى هذا الصدد ترى د. هالة منصور أستاذة علم الاجتماع أن التعامل مع التكنولوجيا لم يعد خيارًا يمكن تأجيله أو الهروب منه، بل أصبح واقعًا يوميًا يفرض نفسه على كل بيت، وتؤكد أن الخطاب القائم على التخويف أو الرفض المُطلق لم يعد مجديًا، لأنه ببساطة يتجاهل طبيعة الجيل الجديد الذى وُلد داخل هذا العالم الرقمي، ويتعامل معه باعتباره امتدادًا طبيعيًا لحياته.
وتوضح أن الخطر الحقيقى لا يكمن فى التكنولوجيا ذاتها، بل فى غياب الوعى بكيفية استخدامها. فالأطفال والمراهقون، فى ظل هذا الانفتاح الهائل، يتعرضون لمحتوى متناقض ومتشابك، ما بين مفيد وخطير، دون امتلاك الأدوات النقدية الكافية للتمييز، وهنا يظهر دور ما تسميه «التربية الرقمية الأخلاقية»، التى لا تقتصر على وضع قيود، بل تركز على بناء وعى داخلى لدى الطفل يجعله قادرًا على اتخاذ القرار بنفسه.
وتضيف أن المبادرات الحكومية تمثل خطوة مهمة نحو بناء هذا الوعي، لكنها لن تحقق أثرها الكامل دون شراكة حقيقية من الأسرة..
وتشدد على أن الأسرة لم تعد مطالبة بدور رقابى فقط، بل بدور تفاعلى قائم على المشاركة، فالأب والأم يجب أن يكونا حاضرين فى العالم الرقمى لأبنائهما، يفهمان ما يشاهدونه، يناقشونهما فيه، ويتركان مساحة للحوار بدلًا من المنع القاطع. لأن المنع، من وجهة نظرها، قد يدفع الطفل إلى البحث فى الخفاء، بينما الحوار يخلق ثقة تحميه على المدى الطويل.
وتختتم بأن التحدى الأكبر ليس فى حماية الأطفال والنشء والشباب من التكنولوجيا، بل فى إعدادهم ليكونوا مستخدمين واعين لها، قادرين على الاستفادة منها دون أن يقعوا فريسة لمخاطرها.
جيل الشاشة
فى السياق المصري، بات الأطباء النفسيون يصطلحون على مسمى «جيل الشاشة المكتئب»؛ شباب يرفعون أصابعهم ليُعبّروا عن البهجة أمام الكاميرا، بينما تغرق أرواحهم فى قلق مزمن لا يجدون له اسماً ، وهو ما يراه.
د. وليد هندى استشارى الصحة النفسية أكد أن ما نشهده اليوم على منصات التواصل الاجتماعى لم يعد مجرد تفاعل طبيعي، بل تحول إلى بيئة مولِّدة لأزمات نفسية وسلوكية مُعقدة، تفرض نفسها على المجتمع، مشيراً إلى أن الاستخدام المُفرط وغير الواعى لهذه المنصات أدى لظهور أنماط جديدة من الاضطرابات، مثل: القلق المزمن والشعور الدائم بالمقارنة والعجز.
ويحذر من أن الخوارزميات الرقمية لم تعد مجرد أدوات عرض، بل أصبحت تتحكم بشكل غير مباشر فى الحالة النفسية للمستخدم، عبر تغذية مستمرة بمحتوى سريع، متكرر، ومشحون عاطفيًا، مما يؤدى إلى ما يُعرف بـ «البلادة الرقمية»، حيث يفقد الإنسان قدرته على التفاعل الطبيعى والتركيز العميق، ويصبح أسيرًا للاستجابات اللحظية..
ويضيف أن أحد أخطر أوجه هذه الأزمة هو «الإدمان السلوكى الرقمي»، حيث يرتبط الدماغ بمكافآت فورية مثل: الإعجابات والمشاهدات، مما يخلق دائرة مغلقة من الاعتماد النفسي، يصعب كسرها بمرور الوقت..
كما يشير إلى أن السوشيال ميديا ساهمت فى خلق «واقع بديل»، يعيش فيه البعض حياة افتراضية قائمة على التجميل والمثالية الزائفة، مما يعمّق الإحساس بعدم الرضا عن الذات، ويزيد من معدلات الاكتئاب والعزلة الاجتماعية، خاصة بين الشباب.
ويؤكد أن مواجهة هذه الظواهر لا تكون بالمنع أو الانسحاب الكامل، بل ببناء وعى نفسى ورقمى حقيقى.
ويرى د. شاكر الجمل خبير الأمن السيبرانى والذكاء الاصطناعى أن ما يُعرف بـ «صناعة التريند» لم يعد مجرد ظاهرة عفوية، بل أصبح صناعة قائمة على خوارزميات مُعقدة تشكل وعى المستخدم وسلوكه تدريجياً، ويؤكد أن منصات مثل: تيك توك تعتمد على تحليل دقيق لتفضيلات الجمهور، ثم تدفع بالمحتوى الأكثر إثارة للانتباه - سواء كان إيجابيًا أو سلبيًا.
ويحذر من أن هذا النمط السريع والمكثف من المحتوى يخلق بيئة خصبة لما يمكن تسميته بـ «الأمراض الرقمية»، حيث يصبح المستخدم أسيرًا لدائرة لا تنتهى من التمرير والمشاهدة، مما يؤثر على تركيزه، ونمط تفكيره، وحتى حالته النفسية..
ويضيف: أن أخطر ما فى هذه الظاهرة هو التلاعب غير المباشر، إذ يمكن استغلال التريندات لنشر محتوى مضلل أو روابط خبيثة أو حتى مواد مصنّعة بتقنيات التزييف العميق، مما يهدد الأمن الرقمى للأفراد ويضعهم أمام مخاطر لا يدركونها.. كما يشير إلى أن التفاعل السريع وغير الواعى
مثل الإعجاب والمشاركة - يُسهم فى تضخيم هذا المحتوى، ويمنحه قوة انتشار أكبر، دون أن يدرك المستخدم أنه أصبح جزءًا من هذه المنظومة، وهو ما يخلق ما يشبه «الوهم الجماعي».
ويؤكد أن مواجهة هذه الظواهر لا تعتمد فقط على القوانين، رغم أهمية تشريعات مثل: قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات، بل تحتاج إلى وعى مجتمعى حقيقي، يقوم على التفكير النقدي، والتعامل الحذِر مع المحتوى الرقمى .
مرآة المنصات
ومن جانبه أكد د. أحمد كريمة أستاذ الشريعة الإسلامية والفقه المقارن بجامعة الأزهر، أن الإسلام يحذر من الكذب والمبالغة والتهوين والتهويل فى عرض الأمور، وهو ما يحدث الآن على السوشيال ميديا، مؤكدًا أن المصداقية فى تناول القضايا يجب أن تكون بواقعية متجردة دون اندفاع أو تزييف.
بعدما غادرت تلك الفتاة التى فتحنا بها هذا التحقيق، لا تتركنا أمام سؤال عن التكنولوجيا، بل أمام سؤال عن أنفسنا: هل كنا موجودين حقاً بينما كانت تكتب رسالتها الأخيرة؟ هل سمعنا الصمت قبل أن يتحوّل إلى نهاية؟
السوشيال ميديا ليست الشيطان، وليست الملاك، هى مرآة - تعكس ما نُقدّم لأبنائنا من أدوات وقيم وحضور .
عبد العاطى يدعو المستثمرين لتعزيز تواجدهم بمصر
163 ألف طالب وطالبة يخوضون امتحانات الثانوية الأزهرية
100 خريج فى هندسة عين شمس بسوق العمل الأوروبى







