الخوارزميات تستهدف «عقلية القطيع» والمحتوى الصادم فيروس يغيّب العقل
أكد الدكتور سعيد صادق، أستاذ علم الاجتماع السياسي، أن المجتمعات تواجه «حروباً هجينة» تستهدف هدم الثوابت الدينية والثقافية، محذراً من «صدمات أخلاقية» تروج للفردانية المطلقة وتغير مفهوم الأسرة والزواج، وأشار إلى أن التكنولوجيا ووسائل التواصل أصبحت «المربى البديل»، حيث يقضى ملايين المصريين ساعات فى فضاء رقمى يهدد التماسك المجتمعى والصحة النفسية لجيل «Z».
وأضاف صادق أن الحل يكمن فى تعزيز «التربية الرقمية» ودعم مبادرات الوعى مثل «باسبور القيم»، مع ضرورة تحويل الأبحاث الاجتماعية إلى سياسات ميدانية ومحتوى رقمى هادف يواجه «عقلية القطيع» ويحمى الهوية الوطنية من التفكك المعنوي.
هل ما يشهده المجتمع من تحولات أخلاقية ينذر بأننا أمام تغيير فى المفهومين القيمى والأخلاقى؟
بالطبع ما يشهده المجتمع المصرى من صدمات أخلاقية يشير فعلاً إلى تغيير ملحوظ فى المفهومين القيمى والأخلاقي، لكنه ليس «إنحلالاً» مطلقاً بل تحولاً تكيفياً مع متغيرات العصر، فى توافق بين الأصالة والحداثة فى بعض جوانبه، وبين التوتر والتفكك فى جوانب أخرى وصدام بين ثقافات فرعية ومعايير مختلفة بين أهل الحضر والريف والبادية و»الكومبوند» وبين أهل مصر وأهل « إيجيبت « ومن تعلم غربى ومن تعلم حكومى أو دينى أو أنصاف المتعلمين والنظرات المتناقضة حول مكانة ودور المرأة فى الثقافة التقليدية والحديثة، وهذا التحول ليس حديثاً تماماً، لكنه تسارع فى العقدين الأخيرين، خاصة بين الشباب، ويظهر فى تغير توقعات الأسرة والعلاقات والسلوك اليومى والزواج واستمراره.
مؤشرات
ما رصدك لمؤشرات هذا التغير ؟
فى 2024، انخفضت عقود الزواج بنسبة 2.5% (إلى نحو 936 ألف عقد)، بينما ارتفع الطلاق بنسبة 3.1% (إلى نحو 274 ألف حالة)، وأعلى نسب الطلاق بين الشباب (25-30 عاماً للنساء، و35-40 للرجال)، وأصبح الطلاق «معتاداً» نسبياً دون وصمة اجتماعية سابقة فى عائلات عديدة.. يعكس هذا تحولاً من مفهوم الزواج كـ»واجب أسرى دائم» إلى «شراكة شخصية يمكن إنهاؤها إذا لم تحقق السعادة الفردية.
ما دور التكنولوجيا الحديثة فيما نشهده من تحول مجتمعى؟
التحول التكنولوجى ، خاصة وسائل التواصل: «تيك توك، فيسبوك، إنستجرام، واتساب» ، ليست السبب الجذري، بل المحفز الأقوى والمضخّم للتغيير، لأنها تنشر الأفكار والسلوكيات المختلفة بسرعة فائقة، وخوارزمياتها تفضل المحتوى «العاطفي- الصادم - الجدلى ، ومقارنات حياة «مثالية»، علاقات غير تقليدية، نقاشات جريئة عن الطلاق أو الحقوق» ..
وهذا يغير التوقعات التقليدية القديمة : الفتيات يرين استقلالاً ممكناً عبر عمل «أونلاين»، والشباب يشبعون بعض احتياجاتهم رقمياً دون زواج، مع انكسار الحواجز التقليدية: كشف علنى للخصوصيات الشخصية (بث مباشر ينتهى بطلاق، قصص وهمية تثير فتنة بين الجنسين للمشاهدات)، وتُعرّض لثقافات عالمية (فردانية غربية، ليبرالية)، وأصبحت «تربى أكثر من البيت».
كيف نحافظ على جوهر قيمنا الإنسانية مع الاستفادة من الحداثة؟
الحل لا يكمن فى رفض التكنولوجيا، بل فى التربية الرقمية الأخلاقية، وتعزيز الوعى النقدي، ودعم الأسرة (استشارات، قوانين متوازنة، برامج شبابية).. التغيير القيمى طبيعى فى كل عصر.
حروب الجيل الرابع
ما تأثير حروب الجيل الرابع على منظومة القيم العالمية الثابتة؟
تأثير مباشر، وعميق على القيم التى كانت تُعتبر ثابتة عالمياً (مثل الولاء الوطني، الأسرة التقليدية، الأخلاق المطلقة المبنية على الدين أو التراث، التضامن الجماعي، والحقيقة الموضوعية)، لأنها تستهدف بالأساس «المستوى المعنوى للمجتمع تفكيك الشرعية الثقافية والوطنية: بدلاً من هزيمة الجيش، تهدف إلى جعل المجتمع يفقد الثقة فى قيمه الخاصة، فى السياق العالمي، يُستخدم الإعلام والتواصل الاجتماعى لنشر قيم نسبية تجعل «الحقيقة» شخصية، والولاء الوطنى «عنصرياً»، والأسرة التقليدية «قمعية»، ونشر الفوضى والفتن الداخلية.
ما أبرز أمثلة حروب الجيل الرابع من وجهة نظرك؟
الربيع العربى (يُرى من بعض المنظورات كتطبيق لها)، أو الحروب الهجينة الحديثة (روسيا فى أوكرانيا، الصين عبر التأثير الثقافي).. إيران شهدت مظاهرات حقيقية بسبب تدهور المعيشة نتيجة للعقوبات الاقتصادية الأميركية، ولذلك تدخلت أمريكا وإسرائيل لتأجيج هذه المظاهرات لقلب نظام الحكم كوسيلة أوفر من إرسال مليون جندى لاحتلال إيران.. التسارع العالمي: مع الإنترنت ووسائل التواصل، أصبحت أدواتها (الدعاية، التعليم الرقمى ، مع تغير التوقعات الأخلاقية عالمياً)
حروب هجينة
لماذا ما زال هناك مَن يحصرها فى «نظرية المؤامرة»؟
الإنكار يأتى غالباً من رغبة فى تجنب مواجهة الضعف الداخلي، أو من نقد علمى مشروع لمبالغاتها.. والأهم: الدفاع عن القيم «الثابتة» «الإنسانية العميقة: العدل، الكرامة، المسئولية» لا يكون بالإنكار، بل بالوعى النقدي، التربية الرقمية، وتعزيز التماسك الاجتماعى.
ما مخاطر انغماس «جيل Z» فى عالمهم الافتراضي؟
انغماس جيل Z (المراهقين والشباب من مواليد 1997-2012 تقريباً) فى العالم الافتراضى - خاصة «تيك توك، إنستجرام، يوتيوب، وفيس بوك «- يحمل مخاطر حقيقية ومتعددة الأبعاد، خاصة مع الانتشار الواسع للاستخدام (أكثر من 50.7 مليون مستخدم سوشيال ميديا فى مصر مطلع 2025، أى 43.1% من السكان، و89% من الشباب يستخدمون الإنترنت)..
هذا الانغماس ليس «شر مطلق»، بل يصبح خطيراً عند الإفراط (أكثر من 4 ساعات يومياً لدى نسبة كبيرة)، ويُسرّع التحولات الأخلاقية والقيمية، لكنه يمكن التحكم فيه بالوعى والتربية الرقمية..والمخاطر النفسية (الأكثر شيوعاً وخطورة)هى الإدمان والقلق والاكتئاب: 63% من طلاب الطب المصريين (عينة تمثل الشباب المثقف) يعانون إدماناً متوسطاً على السوشيال ميديا، و13.2% إدماناً عالياً..
يرتبط بالخوف من الفوات، الشعور بالوحدة رغم «التواصل»، والاكتئاب، واضطراب صورة الجسم : 6.3% من طلاب الطب المصريين يعانون منه (أعلى من المتوسط العالمى 1.7-2.4%)، بسبب مقارنة أنفسهم بـ»الكمال» المعدل بالفلاتر والـذكاء الاصطناعى واضطرابات النوم والتركيز، وتشتت ذهنى وانخفاض الإنتاجية الدراسية، أما المخاطر الاجتماعية والأسرية، فتشمل :»العزلة والضعف فى التواصل الواقعى والمخاطر التعليمية والجسدية :تتمثل فى انخفاض التحصيل الدراسي: تشتت التركيز والمخاطر الأمنية والسلوكية (الأكثر خطورة على المدى الطويل).
هل هناك جانب إيجابى أو أمل؟
نعم: بعض جيل Z يقودون «حركة تسجيل الخروج ويحذفون حساباتهم بحثاً عن التوازن. . «السوشيال ميديا « يمكن أن تكون أداة للتعلم، الدعم النفسي، والوعى (مثل حملات توعوية)..
إذن المشكلة ليست التكنولوجيا، بل الاستخدام غير المنضبط، والحل بأيدينا بتربية رقمية فى المدارس والمنازل (حد زمني، رقابة أبوية)، دعم المبادرات مثل «صحح مفاهيمك» و»باسبور القيم، وسياسات حكومية (قيود عمرية، فلاتر محتوى)، و تشجيع الأنشطة الواقعية (رياضة، هوايات، تواصل أسري) . جيل Z هو مستقبل مصر - إذا حُمى من «السجن الرقمي»، سيصبح أكثر إبداعاً وتوازناً، والوعى اليوم يحمى الغد.
صناعة المحتوى
هل من ضرورة تحليل صناعة المحتوى الرقمى، الذى يستهدف عقلية القطيع وما عنصر الجذب فيه؟
نعم، هناك ضرورة ملحة وأساسية لتحليل صناعة المحتوى الرقمى الذى يستهدف «عقلية القطيع» أو الميل الجماعى للتقليد دون تفكير نقدي) بدلاً من مخاطبة العقل التحليلى والعقلاني، هذه الصناعة ليست مجرد «ترفيه»، بل أداة اقتصادية-نفسية -اجتماعية هائلة تسيطر على انتباه مليارات المستخدمين خاصة جيل Z فى مصر.
بدون تحليلها، نبقى ضحايا لها، لا صانعى وعي، فى مصر، يقضى الشباب ساعات يومياً على تيك توك وإنستجرام، حيث يُنتج المحتوى «الترندي» (الترندات) ليُستهلك جماعياً دون تمحيص، دراسات مثل تلك المنشورة فى مجلة «علم النفس الإعلامي» (2022) تظهر أن 62% من المراهقين يشاركون محتوى ترند فقط لأنه «شائع»، حتى لو لم يفهموه أو يتحققوا من صحته، هذا يحول «المهم» إلى ما يلمع الآن، لا ما له قيمة بعيدة المدى، وتحليلها يساعد فى بناء «مناعة رقمية»، كما فى مبادرات «باسبور القيم» و»صحح مفاهيمك».
ما عنصر الجذب الرئيسى فى هذا المحتوى؟
العنصر الأساسى هو «الانجذاب العاطفى السريع» ، الذى يحفز الدماغ العاطفى ويخدع العقل المنطقي، مدعوماً بخوارزميات المنصات وآليات نفسية قديمة فى الطبيعة البشرية، ليس «المعلومات» تجذب، بل الشعور بالانتماء والإثارة الفورية:الإثارة العاطفية العالية ، الغضب، الدهشة، الحسد، الضحك، أو الخوف يجعل المحتوى «فيروسياً» أكثر من المحتوى العقلانى الهادئ.
وهل من الممكن صناعة محتوى بديل يفوق تأثيره؟
من الممكن تماماً صناعة محتوى بديل عن «المحتوى الترندى الذى يستهدف عقلية القطيع»، وفى كثير من الحالات يتفوق تأثيره على المدى المتوسط والطويل، رغم أنه قد لا يحقق «جذب» فورى بنفس السرعة.
ما خطورة استهداف القيم المجتمعية والثوابت والموروثات الدينية والثقافية والمجتمعية؟
تهدد «النسيج الاجتماعي» نفسه - الذى يربط الأفراد بالجماعة، والماضى بالمستقبل، حيث يشعر الشباب بالاغتراب عن ماضيه ومجتمعه والنتيجة: ضعف الولاء الوطني، سهولة التأثر بالشائعات والفتن، و»تفجير ذاتي» للوطن، وانتشار التطرف والفتن الداخلية (الجانب المظلم للأمية القيمية)الأمية الدينية أو الثقافية (ضعف الفهم الصحيح للثوابت) تجعل الأفراد عرضة للتفسيرات المتطرفة أو المنحرفة.
حتى لا تتحول الأطروحات والأبحاث الخاصة بعلم الاجتماع إلى «مكلمة» ما المطلوب حتى نرى لها تأثيرًا إيجابيًّا وفعالًا على المجتمع؟
هناك إرادة سياسية ومؤسسية واضحة اليوم (استراتيجية مصر 2030، المركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية، مبادرات «باسبور القيم» و»صحح مفاهيمك» تجعل التأثير الإيجابى ممكناً وواقعياً إذا طبقنا الآتي: ربط البحث مباشرة بصنع السياسة العامة (الجسر المؤسسي) إلزام كل بحث مدعوم حكومياً أو جامعياً بتقرير سياسات قصير يُقدم للوزارات المعنية خلال 3 أشهر من الإنجاز وتشكيل «لجان مشتركة دائمة» بين المركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية والوزارات (التضامن، الشباب، الأوقاف، التربية) تضم باحثين وصانعى قرار وتحويل البحث إلى «محتوى عام مؤثر» (من الأكاديمى إلى الشعبي) وترجمة كل بحث إلى: فيديوهات قصيرة (تيك توك/ريلز) بلهجة مصرية بسيطة مع حملات توعية مشتركة مع «باسبور القيم وتطبيقات أو كتيبات عملية للأسر والمدارس، وصانعو المحتوى البديل يمكنهم أن يصبحوا «سفراء البحث» - يأخذون نتائج الأبحاث ويحولونها إلى قصص ونصائح عملية، وتمويل مشروط بالتأثير الميدانى (لا بالنشر فقط) تخصيص نسبة من ميزانية البحث (مثل 30%) لتنفيذ برامج تجريبية فى قرى «حياة كريمة» أو أحياء حضرية.
عبد العاطى يدعو المستثمرين لتعزيز تواجدهم بمصر
163 ألف طالب وطالبة يخوضون امتحانات الثانوية الأزهرية
100 خريج فى هندسة عين شمس بسوق العمل الأوروبى







