وداع الحجاج واستقبالهم.. طقوس شعبية مصرية تحفظها الذاكرة عبر الأجيال

صور موضوعية
صور موضوعية


تُعد رحلة الحج في الوجدان المصري أكثر من مجرد شعيرة دينية، فهي مناسبة اجتماعية وروحية ارتبطت بعادات وموروثات شعبية متوارثة عبر مئات السنين، فمنذ لحظة توديع الحجاج وحتى استقبالهم بعد العودة من الأراضي المقدسة، تتجلى مظاهر الفرح والدعاء والأغاني الشعبية والرسومات والزغاريد، لتشكل جميعها لوحة تراثية فريدة تعكس عمق ارتباط المصريين بالحج ومكانته الخاصة في الذاكرة الشعبية.
 

اقرأ أيضا| مجزرة أسيوط.. 8 قتلى و7 مصابين في إطلاق نار عشوائي

- احتفالات شعبية مرتبطة برحلة الحج


وأكد خبير الآثار الدكتور عبد الرحيم ريحان، مدير المكتب الإعلامي لمجلس الآثاريين العرب ورئيس حملة الدفاع عن الحضارة المصرية، أن الاحتفالات الشعبية المرتبطة برحلة الحجيج تضم مفردات تراثية متنوعة من الأغاني والأمثال الشعبية والرسومات المعبرة عن الحج، مشيرًا إلى أنها تستحق إعداد ملف متكامل لتسجيلها ضمن التراث اللامادي على القائمة التمثيلية لمنظمة اليونسكو، وفق اتفاقية حماية وصون التراث غير المادي لعام 2003.

وأوضح أن أغاني الحج عُرفت في التراث الشعبي باسم "التحنين"، وهو فن قريب من "العديد" الذي يعبر به المصريون عن الحزن في حالات الفقد، إلا أن أغاني الحج ارتبطت بالشوق والحنين إلى زيارة الأراضي المقدسة.

وتناقلت الأجيال كلماتها وألحانها دون معرفة مؤلفيها، واشتهرت النساء بأدائها، وانقسمت إلى نوعين؛ أغانٍ لتوديع الحجاج أثناء السفر، وأخرى لاستقبالهم والاحتفاء بعودتهم.

وأشار الدكتور ريحان إلى ما ذكره المؤرخ ابن إياس في كتابه "بدائع الزهور" حول موكب الحج الذي خرجت فيه زوجة السلطان قايتباي عام 880 هـ / 1475م، حيث وصف وجود "أربعة من الحداة" أمام الموكب، والحُداة هم المغنون الذين كانوا يرافقون قوافل الحج بالأناشيد.

- أغاني الحج



كما وثق خروج المحمل من منطقة الخرنفش بالقاهرة إلى مكة المكرمة، بينما كان المصريون يحيطون به مرددين: "بيع اللحاف والطراحة.. حتى أرى ذي الرماحة.. بيع لي لحافي ذي المخمل.. حتى أرى شكل المحمل".

وأضاف أن الذاكرة الشعبية المصرية ما زالت تحتفظ بالعديد من أغاني الحج التي تتردد حتى اليوم، ومنها: "رايحة فين يا حاجة يا أم الشال قطيفة.. رايحة أزور النبي محمد والكعبة الشريفة"، وكذلك: "يا نبي يا نبي يا ما ليك أحبة.. هملوا عيالهم يا نبي وجولك محبة".

ومن أشهر الأغاني التراثية المرتبطة بالحج، تلك التي تنافس في شهرتها أغنية الفنانة الراحلة ليلى مراد "يا رايحين للنبي الغالي"، حيث كانت النسوة يجتمعن لترديد: "بعيدة بعيدة ونفسي أزور.. وأمسح بإيدي شباكه الكريم.. وأكحل عيوني بنور البشير"، وكانت هذه الأغاني تصاحبها الدفوف، بينما اعتمد الرجال على الموال الشعبي والمزمار البلدي والربابة في الأداء.


- طابع احتفالي خاص بعد العودة


كما نقل الدكتور ريحان بعض الأغاني التراثية التي كانت تؤدى في منازل الحجاج، ومن بينها الأغاني التي اشتهر بها المنشد الشعبي الراحل جابر الحلاوي بمنطقة الحسامية في قوص، ومنها: "هنيالك يا حاج مكتوبة لك يا حاج.. مكتوبة لك حجة هنية". إلى جانب الأغاني الخاصة بالنساء مثل: "حاجة يا حاجة ما تمدي يداك.. أوعى تخافي يا حاجة دا النبي دعاك".

أما استقبال الحجاج بعد العودة، فكان له طابع احتفالي خاص، حيث تُردد أغانٍ مثل: "سالمة يا سلامة والحاج رجع بالسلامة"، وأغنية "طريق النبي" التي تقول: "في طريق النبي جنينة رشوها.. بنوها الحبايب والله لفاطمة وأبوها".

ولم تغب بئر زمزم عن الأغاني الشعبية، إذ تغنى الناس قائلين: "يا بير زمزم سلبك حريري.. والشربة منك دوا للعليلي"، كما ارتبطت العودة من الحج بأغانٍ تصف جلب الكسوة والهدايا من الأراضي المقدسة.

وأشار الدكتور ريحان إلى أن أغنية "القلب يعشق كل جميل" لكوكب الشرق أم كلثوم، التي كتب كلماتها بيرم التونسي ولحنها رياض السنباطي وغنتها عام 1971، أصبحت أيقونة ترافق سفر وعودة الحجيج، خاصة بمقاطعها الشهيرة: "مكة وفيها جبال النور.. طالة على البيت المعمور".


- تقاليد تزيين منازل الحجاج بالرسومات

وأوضح أن رحلة الحج ارتبطت كذلك بعدد من الأمثال الشعبية المتداولة بين الناس، مثل: "اللي ما يلحق الحج يدرمغ في ترابه"، و"اللي تولد في مكة يجيب أخبارها الحجاج"، في إشارة إلى مكانة الحج قديمًا باعتباره وسيلة للتواصل ونقل الأخبار من الأراضي المقدسة.

وتابع أن قرى ونجوع الأقصر والعديد من محافظات مصر ما زالت تحافظ على تقاليد تزيين منازل الحجاج بالرسومات والزخارف الدينية التي توثق رحلة الحج. ومن أبرز الفنانين الذين اشتهروا بهذا الفن الفنان أحمد الطيب النجار بمنطقة القرنة، والذي يرسم مشاهد الحج على المنازل منذ عام 1984، متضمنة رسومات الكعبة المشرفة وجبل عرفات وآيات قرآنية وأحاديث نبوية مرتبطة بالحج.

كما تختلف مظاهر الاحتفال بالحجاج بحسب المستوى الاجتماعي والإمكانات المادية، فبعض الأسر تستعين بفرق موسيقية شعبية ترافق الحاج بالطبل والمزمار والزغاريد، بينما يكتفي آخرون باللافتات الدينية وعبارات التهنئة مثل "حمد الله على السلامة". وتستمر الاحتفالات أحيانًا لأسبوع كامل، تتخللها الولائم واستقبال المهنئين وتبادل الهدايا القادمة من الأراضي المقدسة.

وأشار الدكتور ريحان إلى أن بعض القرى المصرية ما زالت تحافظ على عادات اجتماعية قديمة، منها أن يمر الشخص الذي ينوي الحج على بيوت القرية لطلب السماح ممن أخطأ في حقهم، في إشارة إلى تطهير النفس قبل السفر.

كما تشهد مناطق مثل الوادي الجديد وبعض قرى سوهاج عادة "النقوط"، حيث يقدم الأهالي مبالغ مالية للحاج كمساهمة في نفقات الرحلة، على أن يعود إليهم بهدايا تذكارية بعد عودته من الحج.

واختتم الدكتور ريحان حديثه بالتأكيد على أن احتفاليات توديع واستقبال الحجاج تمثل أحد أبرز عناصر التراث الشعبي المصري، بما تحمله من قيم دينية واجتماعية وإنسانية، تستحق التوثيق والحفاظ عليها باعتبارها جزءًا أصيلًا من الهوية الثقافية المصرية الممتدة عبر العصور.