من وراء النافذة

كلام فى الأحوال الشخصية

هالة العيسوى
هالة العيسوى


مسألة وثيقة التأمين التى سُتطلب  لتمويل ما يسمى بصندوق رعاية الأسرة، تحتاج بدورها للمزيد من الدراسة المتعمقة

خطوات مهمة تتخذها الدولة لإجراء تعديلات فى قانون الأحوال الشخصية، تهدف لاستتباب الحقوق وتحقيق التوازن ومنع الافتئات على الآباء ومنحهم حق الرؤية والحضانة، وتخليصهم من جور بعض الزوجات بحرمانهم من التواصل الصحى مع أبنائهم. وعلى الجانب  الآخر يثبت للزوجة أو المطلقة حقوقًا مادية وآليات آمنة للحصول على حقوقها وحقوق أبنائها المادية والمعيشية لضمان نشأة سوية وتربية كريمة، ووضع حدود واضحة للعلاقة بين الأزواج وبين الوالدين والأبناء.

وحسنًا فعلت الحكومة بالإعلان عن مراجعة شاملة للبنود المُقترحة، وبعرض الأمر برمته على الأزهر الشريف، إذ لم يكن جائزًا تجاهل هذا الصرح الشامخ والمرجعية الدينية الأعلى عند تناول قضايا تتصل بهوية الوطن وأمنه المجتمعي.

وبهذه المناسبة لفت نظرى عدد من بنود التعديلات التى تحتاج إلى المزيد من النقاش والتفكير خارج الصندوق، منها مثلًا البند الخاص بسن الحضانة الذى أصبح فى الخامسة عشرة؛ أرجو ألا يتم تطبيقه بأثر رجعى ولا فور إعلان تطبيق القانون. إذ ليس من المعقول أن تحل المهلة القانونية بشكل مفاجئ فترتبك نفسية الأبناء والأهالي. والأنسب أن يحدد موعد تالٍ يبدأ بعده تنفيذ هذا البند، وإمهال الأسر ليقوموا بترتيبات الحضانة والسكن وأماكن الدراسة وتهيئة نفسية الأبناء للتعامل مع هذا المستجد الذى سيؤثر قطعًا على حياتهم.

كذلك يختل ميزان العدالة  فى البند الخاص بحرمان الزوجة من المهر،  وإلزامها برد المؤخر والمهر حين تطلب فسخ العقد بسبب التدليس، مع التمييز بين حالات الدخول بها من عدمه، أو فيما يتعلق بوجود أطفال من عدمه. هذا الحرمان للزوجة غاية فى الغرابة، فإذا أثبتت أنها وقعت ضحية الخداع والتدليس من قبِل الزوج، فمن الذى يستحق العقوبة والحرمان؛ الجانى أم الضحية؟. إن شرط الخداع والتدليس يختلف عن  حالات الخلع التى أجازها الشرع للضرر الذى قد يحدث بعد الزواج أو لسبب عدم القبول، وفيه تتنازل الزوجة عن حقوقها المالية (المؤخر والمهر) لتطليق نفسها، وبين طلب فسخ العقد بسبب الخداع الذى وقع بنية مُبيتة قبل الزواج، والذى لو انكشف قبل الزواج لكان سببًا فى رفض الزواج وعدم إتمامه.
أما بالنسبة للمهلة الضيقة المتاحة لإثبات الخداع، فيجوز وصفها بالضارة النافعة، هى فترة تجربة، وقد تكون سبباً للريبة والحيطة وتحرى عدم الإنجاب وتأخير الحمل حتى لا يسقط الحق فى طلب فسخ الزواج. لكن يبقى السؤال: ماذا لو ثبت الخداع بعد مهلة الشهور الستة، واستحالت العشرة، هل يُكتب على الزوجة اللف فى المحاكم طلباً للتطليق؟.

الأمر نفسه ينطبق على الزوج الذى تعرض للخداع أو التدليس. مع فارق وحيد أن الرجل صاحب القوامة يتمتع بميزة شرعية تسمح له بإنهاء الزواج والتطليق دون الحاجة للجوء للمحاكم، اللهم إلا إذا رغب فى استرداد المهر والإعفاء من المؤخر حال إثباته وقوع الخداع. وهنا يكمن قصور وخلل فى عدم تحقيق التوازن فى الحقوق بين الأزواج والزوجات.

مسألة وثيقة التأمين التى ستُطلب من كل الأزواج القدامى وحديثى الزواج  لتمويل ما يسمى بصندوق رعاية الأسرة، تحتاج بدورها للمزيد من الدراسة المتعمقة، لأنها ستشكل عبئًا ماديًا جديدًا على راغبى الزواج، وحتى على قدامى الأزواج، خاصة وأن هذا الصندوق التكافلى لن يخدم سوى الأسر المنفصلة. مفهوم بالطبع الحاجة لضمان توافر أموال لنفقة المطلقة والأبناء، وهى مسئولية الزوج فى المقام الأول. تصدى الدولة  لتوفير هذا البديل من جيوب المواطنين، من شأنه تسهيل تهرب الأزواج من الإنفاق على أولادهم. وأخشى ما أخشاه أن يحدث تضارب بين تلك النفقة، وبين معاش المؤمّن عليهم، أو مستحقات معاش مثل تكافل وكرامة، فتعانى الأرملة المعيلة، وتُحرم من أحد المدخولين بحجة منع الازدواجية.