جاء الاتصال المشترك الذى ضم الرئيس عبدالفتاح السيسى والرئيس الأمريكى دونالد ترامب وعددًا من القادة العرب والإقليميين ليحمل رسائل تتجاوز الكلمات الدبلوماسية المعتادة، وتذهب إلى ما هو أبعد من مجرد التشاور السياسى العابر، فحين تتقاطع العواصم الكبرى حول طاولة اتصالات واحدة، يصبح السؤال الأهم ليس فقط: ماذا قيل؟ وإنما: لماذا قيل الآن؟ ولماذا حضرت القاهرة فى قلب المشهد؟
المنطقة التى أنهكتها الحروب والصراعات الممتدة من غزة إلى البحر الأحمر ومن سوريا إلى ساحات الاشتباك الإقليمية المتعددة تواجه واحدة من أكثر لحظاتها حساسية، وسط مخاوف من توسع دوائر المواجهة، وانزلاق المنطقة إلى حالة من عدم اليقين قد تعيد تشكيل خرائط النفوذ والتوازنات لعقود مقبلة، وفى هذا السياق جاءت مشاركة الرئيس السيسى فى الاتصال المشترك تأكيدًا على رؤية مصرية ثابتة تقوم على منع الانفجار، وتغليب منطق السياسة على منطق السلاح، والدفع نحو استثمار المساحات الدبلوماسية قبل أن تغلق أبوابها تمامًا، كما شدد الرئيس خلال الاتصال على أهمية اغتنام الفرصة الراهنة للتوصل إلى اتفاق شامل عبر المفاوضات، مؤكدًا أن مصر لن تدخر جهدًا لدعم المسار السياسى ومنع تجدد التصعيد.
ويرى الخبراء أن أهمية الاتصال لا ترتبط فقط بطبيعته أو بأسماء المشاركين فيه، وإنما تعكس أيضًا اعترافًا متزايدًا بدور مصر بوصفها أحد أبرز الأطراف القادرة على مخاطبة جميع القوى المتباينة فى المنطقة دون أن تتحول إلى طرف فى الصراع، وهو ما يؤكده الدكتور أحمد سيد أحمد خبير العلاقات الدولية، مُشيرًا إلى أن قراءة التحركات المصرية خلال السنوات الأخيرة تكشف عن وجود فلسفة سياسية ثابتة قائمة على منع انهيار الدول ومنع تمدد الصراعات، مُضيفًا أن السياسة المصرية لم تتعامل مع الأزمات الإقليمية باعتبارها ملفات منفصلة، وإنما باعتبارها دوائر متشابكة يؤثر بعضها فى بعض؛ فالتصعيد فى الخليج ينعكس على أمن البحر الأحمر، والأزمات فى المشرق العربى تؤثر فى معادلات الأمن القومى المصرى، مُشددًا على أن مصر تنظر إلى أى توسع للصراع الإقليمى باعتباره تهديدًا مباشرًا للاستقرار العربى، ولذلك تعمل على خلق مسارات سياسية بديلة قبل أن تتحول الأزمات إلى مواجهات مفتوحة.
ساعات حاسمة
ويُشدد الخبير السياسى على أن المنطقة تعيش ساعات حاسمة وفارقة باتجاه ترجيح الحلول الدبلوماسية وتجنب التصعيد العسكرى، لافتًا لوجود مؤشرات إيجابية نحو صياغة اتفاق إطارى مرتقب بين الولايات المتحدة وإيران، يهدف لوقف العمليات العسكرية مؤقتًا لمدة 60 يومًا، وإعادة فتح مضيق هرمز أمام حركة التجارة والملاحة الدولية، بالتوازى مع إطلاق مسار تفاوضى يبحث القضايا الخلافية الرئيسية وعلى رأسها الملف النووى، مُضيفًا أن نجاح هذا المسار يعتمد على جدية الأطراف المعنية ورغبتها فى تجاوز العقبات، مؤكدًا أن التوصل لتهدئة يُمثل مصلحة مُشتركة لجميع الأطراف بعد ثبوت عدم جدوى الحلول العسكرية فى تحقيق أى أهداف استراتيجية مستدامة.
ويرى الدكتور أشرف سنجر خبير السياسات الدولية أن أحد أهم أسباب استمرار الحضور المصرى فى الملفات الإقليمية يتمثل فى أن القاهرة حافظت على مساحة حركة واسعة مع أطراف متناقضة فى المواقف والمصالح، موضحًا أن مصر ترتبط بعلاقات استراتيجية مع الولايات المُتحدة، وفى الوقت نفسه تمتلك علاقات واتصالات متنوعة مع القوى الإقليمية المُختلفة، كما تحافظ على خطوط اتصال سياسية تجعلها قادرة على أداء أدوار الوساطة، مُشددًا على أن نجاح الوسيط لا يعتمد فقط على قوته السياسية، بل أيضًا على مستوى الثقة الذى يحظى به لدى الأطراف المُختلفة، وهنا تظهر الميزة المصرية؛ فالقاهرة لم تُعرف تاريخيًا بأنها طرف يسعى إلى إدارة الصراعات لصالح أجندات ضيقة، وإنما باعتبارها طرفًا يعمل على احتواء الأزمات ومنع تمددها.
نموذج غزة
ويؤكد سنجر أن هناك تقدمًا فى سياسات الرئيس الأمريكى دونالد ترامب تجاه الأزمة الإيرانية، موضحًا أن هذا التوجه يأتى بالمخالفة لما تريده إسرائيل فى طريقة التعامل مع الملف الإيرانى، مُضيفًا أن ترامب يجرى اتصالات مُباشرة مع قادة الدول الرئيسية بالشرق الأوسط، وفى مُقدمتهم الرئيس السيسى إلى جانب قادة تركيا والإمارات وقطر والأردن وباكستان، فى إطار رؤية أمنية شاملة للتعامل مع تطورات المنطقة، وأشار إلى أن نموذج التهدئة الذى جرى فى قطاع غزة يتكرر بصورة ما فى الملف الإيرانى، موضحًا أن الهدف الأساسى للرئيس ترامب من التعامل مع الأزمة يتمثل فى منع إيران من الوصول لسلاح نووى، مُشددًا على أن إيران من خلال انخراطها فى تفاهمات مع الولايات المتحدة والدول المعنية بالأزمة تؤكد أنها لا تسعى لامتلاك سلاح نووى، مُعتبرًا أن فترة الشهرين الحالية تمثل اختبارًا للنوايا بين الجانبين.
توقيت الاتصال يحمل دلالات لا تقل أهمية عن مضمونه، فالمنطقة تمر بمرحلة شديدة الحساسية، وسط تصاعد المخاوف من انتقال التوترات لمستويات أكثر خطورة، بما يهدد الاستقرار الإقليمى بأكمله.
هذا ما يراه ناجى الشهابى رئيس حزب الجيل الديمقراطى عضو مجلس الشيوخ الذى يُشير إلى أن الاتصال المشترك يعكس حجم القلق الإقليمى والدولى من خطورة استمرار التوترات فى الشرق الأوسط، كما يؤكد المكانة المحورية التى باتت تحتلها مصر فى معادلات الأمن والاستقرار الإقليمى، مُضيفًا أن مشاركة السيسى إلى جانب قادة الدول العربية والإقليمية الكبرى تعكس الثقة الدولية المتزايدة فى الرؤية المصرية التى تدعو دائمًا لتغليب الحلول السياسية والدبلوماسية ورفض الانزلاق لمواجهات عسكرية واسعة قد تؤدى لإشعال المنطقة بالكامل، موضحًا أن مصر تتحرك وفق رؤية استراتيجية متوازنة تقوم على حماية الأمن القومى العربى والحفاظ على استقرار الدولة الوطنية ومنع محاولات دفع المنطقة نحو الفوضى والصراعات المفتوحة.
رسائل سياسية
ويُشير الشهابى إلى أن أهمية الاتصال لا تكمن فقط فى مشاركة هذا العدد من القادة، وإنما أيضًا فى الرسائل السياسية التى حملها، وفى مقدمتها التأكيد على ضرورة استثمار الفرصة الدبلوماسية المتاحة للتوصل لاتفاق شامل يحد من التوترات ويمنع اتساع دائرة الصراع، مؤكدًا أن أى تصعيد عسكرى واسع ستكون له تداعيات خطيرة على أمن الخليج وأسواق الطاقة العالمية وحركة التجارة الدولية، فضلًا عن تأثيره المُباشر على الأمن القومى المصرى والعربى، كما أن أى تصعيد إضافى يحمل تداعيات تتجاوز الجغرافيا السياسية التقليدية، ليصل للاقتصاد الدولى وسلاسل الإمداد وأسعار الطاقة وحركة التجارة العالمية، ولهذا فإن التحرك السياسى فى هذه اللحظة لا يُمكن النظر إليه باعتباره إجراءً بروتوكوليًا، وإنما محاولة استباقية لاحتواء الأزمة قبل تحولها لواقع أكثر تعقيدًا.
المنطقة تقف حاليًا أمام احتمالين، السيناريو الأول يقوم على نجاح الجهود السياسية فى احتواء التصعيد وإعادة فتح مسارات التفاوض، أما السيناريو الثانى فيتمثل فى توسع دوائر المواجهة بما يفتح الباب أمام تداعيات يصعب احتواؤها، وبحسب الدكتور أيمن محسب وكيل لجنة الشئون الاقتصادية بمجلس النواب تنحاز مصر بوضوح إلى السيناريو الأول، ليس فقط باعتبارات أخلاقية أو سياسية، وإنما أيضًا انطلاقًا من حسابات استراتيجية تتعلق بمستقبل المنطقة، موضحًا أن السياسة الخارجية المصرية لا تنظر إلى الأزمات الإقليمية من منظور أمنى وسياسى فقط، وإنما تضع فى اعتبارها أيضًا انعكاساتها المُباشرة على الاقتصاد العالمى والإقليمى، خاصة فى ظل الترابط المُتزايد بين الأمن والاستقرار من جهة وحركة التجارة والاستثمار والطاقة من جهة أخرى، وهو ما يفسر حرص القيادة السياسية على دعم كل الجهود الرامية إلى التهدئة والحلول التفاوضية.
ويوضح محسب أن منطقة الخليج العربى ومضيق هرمز يمثلان أحد أهم الممرات الحيوية للاقتصاد العالمى، حيث تمر نسبة كبيرة من صادرات النفط والغاز والتجارة الدولية، وبالتالى فإن أى اضطرابات أو تهديدات للملاحة فى هذه المنطقة تؤدى إلى ارتفاع تكاليف النقل والتأمين، وتنعكس بصورة مباشرة على أسعار الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية ومعدلات التضخم فى العديد من دول العالم، وأشار إلى أن تأكيد الرئيس السيسى خلال الاتصال على ضرورة اغتنام الفرصة الحالية للتوصل إلى اتفاق شامل ومستدام يعكس رؤية استراتيجية تستهدف حماية الاستقرار الاقتصادى إلى جانب الحفاظ على الأمن الإقليمى، لافتًا إلى أن التجارب الدولية أثبتت أن الحلول الدبلوماسية تظل أقل تكلفة بكثير من الصراعات العسكرية التى تستنزف الموارد وتؤثر سلبًا على معدلات النمو والاستثمار وفرص التنمية، مُضيفًا أن أى تقدم فى مسار التفاهمات بين الولايات المتحدة وإيران من شأنه أن يبعث برسائل طمأنة للأسواق العالمية، ويحد من حالة عدم اليقين التى تؤثر على القرارات الاستثمارية والتجارية، كما يساهم فى تعزيز استقرار أسعار الطاقة وتحسين بيئة الأعمال، وهو ما تحتاجه اقتصادات المنطقة والعالم فى ظل التحديات الاقتصادية المتراكمة التى شهدتها السنوات الأخيرة.
واختتم محسب بالتأكيد على أن مصر كانت من أكثر الدول إدراكًا لأهمية الحفاظ على انسيابية حركة التجارة الدولية وحماية الممرات البحرية الاستراتيجية، نظرًا لموقعها الجغرافى المحورى وارتباط مصالحها الاقتصادية باستقرار حركة النقل البحرى العالمية، مشيرًا إلى أن أى تهدئة فى بؤر التوتر الإقليمى ستنعكس إيجابًا على الاقتصاد المصرى من خلال دعم حركة التجارة وتعزيز ثقة المستثمرين وتحسين مناخ الاستثمار، لافتًا إلى أن التنسيق الذى ظهر خلال الاتصال بين الولايات المتحدة وعدد من الدول العربية والإقليمية الكبرى يعكس وجود إرادة سياسية حقيقية لتجنب السيناريوهات الأكثر خطورة، والبحث عن حلول تحقق التوازن بين متطلبات الأمن والاستقرار ومقتضيات التنمية الاقتصادية، وهو ما يتوافق مع الرؤية المصرية الداعية إلى معالجة الأزمات عبر الحوار والتفاهمات السياسية.
اقرأ أيضا: ترامب يهاجم اتفاق أوباما النووي مع إيران ويتوعد باتفاق "معاكس تماما"
دبلوماسية فاعلة وتنمية لا تتوقف .. تحركات رئاسية لدعم الاستقرار الإقليمى وصناعة المستقبل
لا اعتراف.. لا شرعية.. لا عبث بالتاريخ| القاهرة تتصدى لـ«سفارة الوهم» على أرض القدس
نقيب الفلاحين يتوقع تراجع الأسعار قريبا.. الطقس والسوسة وراء «هيستريا الطماطم»







