عوالم الفنان على سعيد

عوالم الفنان على سعيد
عوالم الفنان على سعيد


د. أمل نصر

ينشأ الطفل الريفى على سعيد فى بيت جده بقرية «محلة الأمير» إحدى قرى رشيد، تظهر محبته للفن بصورة مبكرة جدًا لا يتذكر حتى بدايتها، كل ما يتذكره هو أنه كان يرسم طوال الوقت بتشجيع من والدته وأخواله، كان الفن يمنحه متعة الاختلاف والمكانة الخاصة فى المدارس التى درس فيها، فقد أصبح الرسام المشهور. يرسم هوامش الخطابات الغرامية لزملائه ويزينها بالقلوب والورود ويصدر مع ابن خالته مجلة دورية على صفحات كشكول برسومه وكتابات ابن الخالة، تضم كاريكاتير وكتابات ومسابقات ورسوم متقاطعة وفوازير، يحصد جائزة فى الرسم من مركز الشباب وجائزة آخرى على مستوى رشيد، يفرح بالتكريم وتتكرس مكانة الرسم عنده كمرادف للتفوق والتميز. 

يتم دراسته الإبتدائية والإعدادية فى القرية ثم ينتقل لمدينة رشيد ليلتحق بالمدرسة الثانوية ويكون كل همه اجتياز دراسته بها ليحقق حلمه الأهم وهو الالتحاق بكلية الفنون الجميلة. 

ويقول على عن اليوم الذى تسلم فيه بطاقة الترشح لكلية الفنون الجميلة من مكتب بريد القرية: «ربما كانت أسعد لحظة فى حياتى عندما وقعت عيناى على اسم الكلية، وقمت بالعدو من مكتب البريد إلى المنزل وهى مسافة كبيرة، ثم صعدت مباشرةً إلى الدور الثالث عدوًا بخطوات سريعة، ولم ألتقط أنفاسى إلا بعد مرور دقائق قبل أن أخبر والدتى وباقى أفراد الأسرة بالخبر، ثم بدأت بحزم أمتعتى فورًا بالرغم أنه كانت تفصلنى أيام عن موعد السفر».

وبالفعل يحقق على حلمه وتبدأ رحلته الدراسية ليقضى عامه الدراسى الأول بكلية الفنون الجميلة بجامعة المنيا. تثقل موهبته بالقلم الرصاص فقط فى جميع المواد لعام دراسى كامل، ليترسخ عنده قيمة الخط والظل والنور فى مستهل رحلته الأكاديمية.
ثم يلتحق بكلية الفنون الجميلة بالإسكندرية ليكمل دراسته الأكاديمية بها، يتلقى بشغف خبراته الدراسية ويستفيد من أساتذته.
فى الإسكندرية تبدأ رحلته مع اللون ويتتلمذ فى السنوات الأولى على يد الأساتذة: محمد القبانى،  حمدى عبد الكريم، نعيمة الشيشينى، ملك أبو النصر، محمد شاكر، عادل المصرى، عبد المحسن ميتو، وعبد الفتاح علي. وفى السنوات الأخيرة على يد الأساتذة: مصطفى عبد المعطى، بكرى محمد بكرى،  حامد عويس، فاطمة العرارجى،  وفاروق وهبة. يجتهد على ويتخذ مكانه فى الصفوف الأولى بين زملائه ويتفوق فى مادة «التصميم» حيث كان يجد فيها الحرية للتعبير عن عالمه الخاص الذى تميز به فى مشواره بعد ذلك. يتفوق فى دراسته حتى يحصل على الترتيب الأول فى مشروع التخرج، ويُتم رحلته الدراسية فى عام 2002.
يبدأ على سعيد مشواره الفنى بمشروع التخرج المكون من ثلاثة أجزاء، يتحاور فى المشروع  الجسد الإنسانى مع بنية من المفردات الإلكترونية والكهربية: تلك المفردات التى كان يحتفظ بها طفلًا فى أدراج مكتبه حائرًا فى عوالمها الدقيقة المركبة، فكانت هوايته بجانب الرسم محاولة فك طلاسم الأجزاء الدقيقة فى بوردات الراديوهات القديمة ومحاولة إصلاحها، ويعاود الاهتمام بها عندما يطرح عليه فى أثناء الدراسة مشروع «كولاج» فيبدأ فى التقاطها من سوق المتروكات القديمة بالإسكندرية (سوق الجمعة) ويعيد استخدامها لتختلط بمخيلته مع موجة الأفلام الجديدة التى تعرض لسيطرة الآلة ودخولها لجميع مفاصل الحياة، وتشير إلى عالم آلى جديد يتسيده (الروبوت) وبدايات ظهور التليفون المحمول وانتشار أجهزة الكمبيوتر، وتساؤلات الإنسان المعاصر أمام هذا العالم الجديد القادم بقوة فى تنبؤ مبكر لسيطرة الآلة على الإنسان والتى باتت جليّة فى عالمنا اليوم.

حداثة خاصة

يتقدم الفنان بعمل كبير فى صالون الشباب عام 2003 بعنوان «إتزان» يرتبط هذا العمل بشكل ما بتجربة الفنان فى مشروع التخرج، إلا أن الفنان قد أجرى فى هذا العمل ما يشبه التنقية والتلخيص مع حضور أكبر للفراغ والأسطح الهندسية الصامتة مابين المسطحات البيضاء والرمادية والظلال الخافتة، وبحضور للتراكيب الإلكترونية التى كثف الفنان حضورها فى الجزء الأوسط من العمل وبدت كأرض ممتدة يرتكز عليها بطل العمل فى وضعية صعبة وموترة ما بين الوقوع والرغبة فى الصعود مرة آخرى  فى مقاومة لجسده الذى تمت ميكنته. وقد ربطه الفنان بين السجادة الإلكترونية ذات العناصر المجسمة على الأرض وبين الشاشة الإلكترونية المربعة فى الخلفية، وفى الجزئين الأيمن والأيسر من العمل يتحرك وسط المسطحات الهندسية ما يشبه البندول حيث تظهر بعض الأشكال (دائرة أو مربع أو مكعب) مرتبطة بخيط أو خط رفيع بما يوحى بالحركة بل ويوحى أيضًا بالصوت وسط السكون الهادِئ للمسطحات الهندسية الصماء.
يحصد هذا العمل الجائزة الثانية فى الصالون إلا أن رئيس لجنة التحكيم ينصحه بالتخلى عن تصوير الجسد، مؤكدًا أنه لولا وجود الجسد فى عمله لفاز العمل بالجائزة الأولى، يجد الفنان الشاب نفسه فى حيرة، فتيار أبطال الحداثة وما بعدها من حوله يتجاهل تصوير الإنسان ويعتبره عودة للخلف، ونزوعه كرسام يميل إلى تصوير الإنسان كبطل دائم لأية متغيرات، ولاحقًا سنرى كيف خلق على سعيد حداثته الخاصة التى تسيد فيها الوجود الإنسانى.
المشردون 

يعود على سعيد عام 2010 إلى الشكل الإنسانى موضوعه المفضل الذى أزاحه بشكل مؤقت من تجربته، ولكن يتناوله بشكل مختلف ابتعد فيه عن التقصى الواقعى وغلب عليه التحوير وذلك من خلال تجربة «المشردين» وهو كموضوع يطرح إشكالية القبيح وكيف يمكن أن تكون محركًا فنيًا فى إطار أفكار الفن الحديث حول الجمال التى أطلقتها الرومانسية، التى كرست لفكرة أن الجمال قد يمتد إلى ما هو بسيط وعادى فى الحياة اليومية، وإلى ما يمثل مشاعر الإنسان أو يفصح عن وجوده الروحي.
وقد طرح علم الجمال الحديث على يد الفيلسوف بومجارتن 1714-1762) كدراسة فى الإدراك الحسى، فقد كان الجمال حتى ذلك الوقت مرتبطًا بالمكونات الجمالية الكلاسيكية، ولكن ما أن ظهرت تلك النوعية من الدراسات حتى أخذت درجة من درجات عدم الجمال أو حتى القبح تأخذ مكانها فى سياق الدارسات الجمالية، عندما تم إعطاء الأولوية لاستثارة الانفعال عند المشاهد وقدم بيرك سنة 1775 دراسات تقوم على تقليل طغيان العقل من ناحية، وإعلاء شأن الانفعال من ناحية آخرى وقد كان هذا المفكر يعتقد أن كل شىء حولنا يمكن أن تكون له قيمته الجمالية، وأن التميزات الجمالية تتم على أساس الخبرة الخاصة التى يتم الشعور بها من قبل المتلقى.
وتحت هذا المفهوم تندرج تجربة «المشردين ـ 2010» للفنان على سعيد فأبطال هذه التجربة هم هؤلاء الذين تتجاوزهم نظراتنا فى لحظات قليلة بعدم اكتراث عندما نصادفهم فى شوارع مدننا القاسية التى لا تكترث بالضعفاء، كان المثيرالأول للتجربة عندما لاحظ الفنان فى أحد الشوارع مشردًا يرتدى كتلة من الملابس ذات الرقع الملونة فيبدأ فى تتبع المشردين وملاحظة حركتهم وثيابهم وأماكنهم ليصبحوا أبطالًا لتجربته الجديدة.

الموسيقيون 

يلتفت على سعيد إلى عالم الموسيقيين بتأثير من إقامته مجاورًا لأعمال الفنان المصرى الكبير سيف وانلى حول المسرح والعازفيين فى مرحلة عمله كأمين لمتحف سيف وأدهم وانلى،  التى دفعته لكى يتأمل الموسيقيين وعالمهم الخاص، تتوافق طريقته فى الأداء مع إيقاعهم الذى يرتكز على حركة اليدين ونكاد نستشعر نبض إيقاع عزفهم من خلال بنية خطية اعتمدها الفنان فى تصويرهم والخطوط هنا متعددة الأنواع والاتجاهات ما بين أفقية ورأسية ومائلة ومتعرجة، فالخطوط أيضًا لها موسيقاها الخاصة، فى بعض الأعمال نجد العازف والآلة مصورين بشكل ظلى وقد استخدم الفنان الخطوط الرمادية فى بنية وجه العازف وأجزاء من الآلة مع استخدام اللون فى أجزاء محدودة فى تفاصيل جسد الآلة، بينما يبنى الخلفية بالخطوط السميكة المتنوعة، سطح اللوحة هنا يُنشئ ذبذبته البصرية الخاصة المعتمدة بشكل كبير على إيقاع الخطوط.

الثورة 

يتفاعل الفنان على سعيد مع أحداث ثورة 25 يناير 2011 ويتأمل الأيادى العديدة التى تعبث بالعقول، والمنجل الذى تحول دوره من حصد الثمرات إلى حصد الأرواح. يصور تكتلات الشعب  الثائرة، يصور أياديه التى تتحول إلى أسلحة وأيادى أفراد الأسرة التى تتحول إلى أطواق حماية لبعضها البعض، الأعين الزجاجية فارغة المعنى فى مقابل الأعين الحانية، يبعث على سعيد برسالته الخاصة عبر لغته التصويرية الرمزية  مستعيناً ببنية الخطوط التى تشكل هيكل المرئيات التى يتناولها، سواء كان ما يرسمه فرد واحد يتصدر العمل أو عدة أفراد ملتحمة، يسيطر عليه فى معظم الأعمال مركزية التصميم والهدف فيما عدا بعض الأعمال القليلة التى يصور فيها الشخصية محاطة بالتركيبات الخطية المنتظمة أو الملتوية. 
وبمجموعة أعمال الثورة يكون الفنان قد سجل بشهادته المرئية ومعايشته لفكرة الثورة وتداعياتها، مؤكدًا أن الفنان ليس هو الكائن البوهيمى الهائم فى مرسمه والمنعزل عن مجتمعه أو المتفرج الصامت على العالم الذى يشتعل خارجه. 
ويقول على عن تلك الفترة: «من أكثر المشاهد التى لفتت انتباهى هى حشود المصريين بمختلف أشكالهم وأعمارهم وتفاوت طبقاتهم الاجتماعية فى مقابل حشود الجنود بزيهم الأسود الموحد، ولم أعتبر الجنود أعداءًا قط بل كنت أتخيل أنهم بمجرد التخلى عن الزى الرسمى ربما تبدلت أماكنهم ليكونوا فى صفوف الجماهير».

وجوه الفيوم

فى البداية يجد على سعيد ضالته فى وجوه الفيوم فيقدمها فى عمله (الخروج إلى النهار) بصالون الشباب عام 2013، يلتفت إليها التفاتة خاصة تغير مسار تجربته وتضعه على خطه الإبداعى الخاص، يتأمل تلك الوجوه السحرية التى تشع بالحياة وكأنها إبنة اليوم على الرغم من  أنها سكنت فوق توابت الموتى. وتدين وجوه الفيوم باسمها إلى مكان اكتشافها فى مقابر واحة الفيوم فى شمال غرب مصر، واسم الفيوم هو اسم قبطى الأصل ويعنى (البحر) ويعود تاريخها إلى القرن الرابع قبل الميلاد - القرن الأول الرابع قبل الميلاد، فمنذ وقعت مصر تحت الحكم الرومانى اندمج سكانها الجدد مع المعتقدات المصرية، خاصة فكرة الموت بوصفه بداية للحياة الآخرى الأبدية، من هنا استخدم الناس فى طقوس الجنازة صورًا ذاتية مرسومة من الطبيعة، تُؤطَّر وتُعلَّق فى المنازل وعند وفاة صاحبها توضع فوق تابوته. 
يعيد على سعيد وجوه الفيوم للحياة فهى صالحة لكل زمان، يستوحيها بذاتها أو يبحث فى (موديلاته) عن شبيهاتها، الوجوه ذات السمت المصرى،  وجوه الواقع التى تتوق للخلود، تصبح هى طريقه لعبور الأزمان والأمكنة ويبدأ فى تحقيق هذا التراكب الحضارى باستحضارها فى أروقة زمنية ومكانية متعددة، فنراها مع عناصره الآخرى فى اللوحة وكما ذكرنا سابقًا، تحقق مقولة المصوِّر الإيطالى جورجيو دى شيريكو: «يجب أن تعيش فى العالم، وكأنك تعيش فى متحف ضخم من الغرائب».