يوميات الأخبار

خواطر ما بعد الستين

د. محمد أبوالفضل بدران
د. محمد أبوالفضل بدران


غدوتُ أنظر إلى الأشياء بألوانها المختلفة على أنها لوحة واحدة تتمم ألوان النباتات والجمادات والكائنات التى صنعها الله لينعم بها البشر.

لقد أخطأَ الحاسِبون الحساب

فجأة صحوتُ على سنين مضت، كيف؟ البسطاء أجابوا عن هذا السؤال قديما بإجابة جميلة بليغة «العمر يسرقنا» صرتُ لا أقف على أشياء لا تستحق التوقف، هل صرت أكثر حكمة؟ لا أدرى.. هل هو التغابي؟ ألم يقل الشاعر القديم: ليس الغبيُّ بسيّدٍ فى قومهِ/    لكنّ سيدَ قومِه المُتغابي
هل غدوتُ أتأمل الأمور من زوايا لم أكن أراها من قبل.. ربما صرتُ أكثر تسامحًا عن ذى قبل.. أن تسامح من أساءَ إليك هذا يحتاج إلى شجاعة وإرادة، ربما كان التسامح طريقا للوصول إلى «الرضا» الذى أراه غاية السعادة وقمة الجمال.. الحكماء الذين وصلوا إلى «الرضا» فازوا، عرفوا الحياة وخبروها فباحوا بما اقتنعوا به، رأوا أن الحياة لا تستدعى كلّ هذه الصراعات والهموم.. لذا صرتُ أنظر إلى المعارك التى خضتُها قديمًا من زوايا مختلفة، لو قلتَ لمن يخالفك الرأى: أنت ورأيك على حق لاسترحت وأرحته، غدوتُ لا أحب الجدال، لا ضيْر أن أعطى لمناقِشى لذةَ الفوز وأنا أعرف أنه يقول خطأ بَيّنا.. هذا يجعله يفرح ولا يسبب لى هذا ضررًا، كم من معارك جدلية خضناها فى حياتنا وكان من السهل أن تبدأ وتنتهى بمقولة واحدة «أحترمُ رأيك وأختلف معه» دون الخوض فى حِجاج وجدال متصل. «الرضا» ذلك الكنز الذى كنتُ أبحث عنه، ها أنا قد وصلتُ إليه وشربت من بئره التى لا تنضب؛ لم أعد أحزن على ما ضاع، ولا أبحث عمَّا تلاشى.. صرت أستعمل ما ادخرتُه للزمن لكن الزمن مضى وتسارع خطوه.

حال أبى العلاء المعرى

هل هى الحالة التى وصل إليها أبوالعلاء المعرى، فعبّر عنها قائلا:

غَيْرُ مُجْدٍ فِى مِلَّتِى وَاعْتِقَادِي/نَوْحُ بَاكٍ وَلَا تَرَنُّمُ شَادِ

وَشَبِيهٌ صَوْتُ النَّعِيِّ إِذَا قِيــسَ بِصَوْتِ الْبَشِيرِ فِى كُلِّ نَادِ

أَبَكَتْ تِلْكُمُ الْحَمَامَةُ أَمْ غَنَّــتْ عَلَى فَرْعِ غُصْنِهَا الْمَيَّادِ

هذه حالة الاستواء، تساوى الأشياء، أو هى الحال التى وصل إليها المتصوفة الذين عبروا عنها «نحن فى لذةٍ لو ذاقَها الملوك لَجالَدونا عليها بالسيوف».

لم أعد أعتب على المُتناسين ما قدمتُه لهم من معروف، فما كنتُ إلا سببا ساقَه الله على يدى لهم.. فأى فضلٍ لى عليهم فيه؟ صرتُ أميل للصمت، «مُت بِداءِ الصَمتِ خَيرٌ لَكَ مِن داءِ الكَلامِ» كما قال أبونواس؛ وأتوق إلى الخلوة، وأقرأ شعر الحكمة، غدوتُ أقرأ كثيرا، أتأملُ فى النص أكثر من ذى قبل.. وأناجى نفسى كثيرا، ربما يعلو صوتى قليلا.. ولكن تذكرت قول تميم بن أبى بن مقبل:

مَا أَطْيَبَ العَيْشَ لَوْ أَنَّ الفَتَى حَجَرٌ

تَنْبُو الحَوادِثُ عَنْهُ وَهْوَ مَلْمُومُ

ما يزال القلب شابا يتوق للحياة ويفرح بالكلمة الطيبة.

كانوا هنا والأمس قد رحلوا

أحنُّ إلى الراحلين من أقاربى وأصدقائي، ولكنى أعلّلُ النفس بلقائهم؛ أجمل شيء أننى عندما أذهب للضفة الأخرى سأقابل الأقربين لقلبى الذين مضوا دون وداع، لكنى لا أنسى الأحبة، وكأن أبامدين التلمسانى يعبر عني: 

لستُ أنسى الأحبابَ ما دمتُ حيّا

مُذ نأوْا للنوى مكانا قَصيّا

ولذكراهمُ تسيحُ دموعي

كلَّما اشتَقت بُكرةً وعشيّا

لم يك البعد باختيارى ولكنْ

كان أمرا مُقدّرا مَقضيّا

خفّ رنين هاتفى لبُعدى عن المناصب، وسفرى خارج مصر، ربما كان هذا هو السبب.. لكنى ألتمس للناس أعذارا، قسوة الحياة ومشاغلها؛ ما زلتُ أكتب ما يعنّ على قلبي، صرتُ أستمع جيدا لما يهمس به الفؤاد.. العقل يعجز أحيانا عن إدراك هذا الحديث الصامت..

لم أعُد أبكى على ليلى ولا ليلى ستبكينى غدا

كل ما قد عشتُ يبدو لى سرابا فى سُدى

والذى يأتى من الماضى صدى

فاظْفرِ الآنَ بيومٍ، إنما الموتُ بدا

غدوتُ أنظر إلى الأشياء بألوانها المختلفة على أنها لوحة واحدة تتمم ألوان النباتات والجمادات والكائنات التى صنعها الله لينعم بها البشر.. كم أشفق على هؤلاء البشر الذين يثيرون الحروب والفتن، كم هم أغبياء، يبيعون السلاح ويؤججون نيران الخصومة ويموتون بعد كل ما اكتنزوه! ربما أنسى أسماء بعض من أعرف وجوههم جيدا، صرت أحب الناس وأميل إلى السكون الذى يوصلنى للرضا، يبدو أن السنين تجعل الإنسان نباتا ينمو ويتفاءل ثم يمضى إلى الضفة الأخرى.

مدرسة العُوَيْضات

من أساتذتى الذين أفخر بهم الأستاذ سيد فارس الذى يبدو من هيئته كأنه بطل من أبطال الأساطير فتوةً وبِنيةً جسدية فقد آتاه الله بَسْطة فى العلم والجسم، وأتذكر أنه كان يحفظ أسماء تلاميذ مدرسة العويضات الابتدائية جميعا، فهو ابن القرية ويعرف أهلها واحدًا واحدًا، يقرأ خطابات المسافرين لذويهم ممن لا يجيدون القراءة والكتابة وهو المؤتمن على أسرارها، والحريص على أبنائها، يشدّ برفق أُذن التلميذ المُقصّر فى حلِّ واجباته، ويعطى لنا الحصص الإضافية؛ وهى لمن لا يعرفها حصص يعطيها المدرسون قبل طابور الصباح وفى الفُسح مجانا، يعيدون فيها الشرح للتلاميذ ويحلُّون فيها معهم أسئلة امتحانات السنوات الماضية ولا يتقاضون مليمًا واحدًا عنها، وإنما يفعلونها من واجب حرصهم على تفوق أبنائهم وهذا كان دَيْدنهم جميعا؛ الأستاذ عبدالفتاح آدم والأستاذ أبوالسعود عبادى والأستاذ علاء خير صالح والأستاذ عبدالرحيم نور والأستاذ حمزة دردير والأستاذ رمضان الطويل والأستاذ عبدالحميد بشير والأستاذ حمزة الطويل والأستاذ أبوالصفا محمود عبدالجليل الذى أخذنى معه فى أول رحلة فى حياتى إلى معابد الأقصر ووادى الملوك والملكات، كانوا جميعا يتفانون فى تحسين مستوى تلاميذهم العلمى دون أجر، بل إنى أتذكّر أن مدير التعليم الأستاذ على دردير عيسى زار مدرستنا وكان آنذاك مديرا فدخل فصْلَنا (رابعة ابتدائي) وكتب على السبورة بالجملتين «قِنا عذابَ النار» و«قِنا محافظةٌ جميلة» وطلب منا التفريق بين «قِنا» الأولى والثانية فأجبتُه ففرح فرحًا جميلًا وسألنى عن اسمى فعرف أبى وحمّلنى له السلام، وكدتُ أن أقول له إن الأستاذ سيد فارس هو الذى شرح لى هذه المعلومة، كان هؤلاء الأساتذة يمثلون المُعلم العالِم والوجيه والخَيّر والفقيه والساعى بين الناس بالخير، وكم سعدت بما شاهدته الأسبوع الماضى من أنشطة تربوية هادفة بمدرسة العويضات الابتدائية ورأيت نفسى تلميذا كنتُه بهذه المدرسة العريقة التى بُنيت على أرض تبرع بها عمنا المرحوم مغربى المهدي، فكل الشكر لمدير المدرسة الأستاذ محمد عبدالحافظ الجزار والمدرسين، وهذا ما ننتظره من الأجيال القادمة التى تسير على خُطى الآباء المؤسّسين، وتعيد احترام المدرس وتوقيره؛ أعود إلى أستاذى سيد فارس ذى صوت من أجمل الأصوات عندما يؤذّن للصلاة فى خشوع وجمال، عندما زرتُه -متّعه الله بالصحة- رفع الوسادة التى ينام عليها وأخرج قلم حبر صَحِبَه أكثر من نصف قرن وأهدانيه فى رحابة نفس وسماحة روح وجمال كلمات إطراء خالدة فى ذاكرتي، ووعدنى أنه سيجعل أبناءه البررة يبحثون عن الرّيَش والمَحبرة التى كنا نكتب بها فى المدرسة قديما وهى هدية لى أيضا، أدعو الله له بالشفاء وطول العمر وإمتاعنا بحكاياه وذاكرته التى تحمل ذكريات جميلة مفيدة وقِيَما ما أحوجنا إليها.

الشعراء وما بعد الستين

قال الشاعر أحمد الصافى النجفي:

ستون من عمرى تمرُّ وخمسةٌ 

وأنا كعهدى فى الشبيبة باقِ

أبداً أهيمُ من الغرام بمَهْمَةٍ 

وأطوفُ فى الأفكار والآفاقِ

وأرى رفاقى مُستقِرَّا عيشهم

بالمال والأبناء والأرزاقِ

أدركتُ من دنياى ما لم يُدركوا 

عِلّمًا ولذّاتٍ على إملاقِ

فهل الرفاق هم الذين قد اهتدوا 

أم هل هُديتُ أنا وضلَّ رفاقي

بينما قال الشاعر العباسي- عَوف بن مُحـلِّـم الخُزاعي:

إنّ الثمانين - وبُلِّغْتَها- قد أحوجَتْ سَمعى إلى ترجمانِ

وما زلتُ أقرأ «وبُلِّغْتَها» بفتح التاء دعاء للسامع أن يبلغ الثمانين رغم شكواه من ضعف سَمْعه، وليست «وبُلِّغْتُها» بضم التاء إقرارا بأنه بلغ الثمانين كما يرى بعض الشراح لأن الشطر الثانى يُغنى زهيرا عن هذا الإقرار. ولكن ألم يقل زهير أيضا:

سَئِمتُ تَكاليفَ الحَياةِ وَمَن يَعِش 

ثَمانينَ حَوْلًا لا أَبا لَكَ يَسأَمِ

وأما الشاعر عبدالرزاق عبدالواحد فقد صاح: «جاوزتَ ستّينَ عامْ/ وما زلتَ من وجَعٍ لا تنامْ»

ويجيئ الشاعر لبيد لكى يقول لي:

وَلَقَد سَئِمتُ مِنَ الحَياةِ وَطولِها 

وَسُؤالِ هَذا الناسِ كَيفَ لَبيدُ