يعد حق الكد والسعاية من أبرز الملامح التي أثارت نقاشًا واسعًا داخل مشروع قانون الأحوال الشخصية المُحال إلى مجلس النواب، لما يحمله من أبعاد اجتماعية واقتصادية تتعلق بحماية حقوق الزوجة داخل الأسرة. ويقوم هذا المبدأ على الاعتراف بما تبذله الزوجة من جهد وعمل ومساهمة مادية أو معنوية خلال الحياة الزوجية، سواء بالمشاركة المباشرة في تنمية أموال الأسرة أو بتحمل أعباء المنزل ورعاية الأبناء بما يساعد الزوج على تحقيق الاستقرار وزيادة الثروة.
ومعنى إقرار هذا الحق يعني تحقيق قدر أكبر من العدالة بين الزوجين، خاصة في الحالات التي تشارك فيها الزوجة بصورة فعلية في بناء الثروة الأسرية، فمع تطور الحياة الاقتصادية والاجتماعية، أصبحت المرأة شريكًا أساسيًا في تحمل المسئوليات الأسرية، الأمر الذي دفع إلى المطالبة بوجود نصوص قانونية تُنصف الزوجة وتحمي حقوقها عند وقوع الطلاق أو النزاعات الأسرية.
كما يرى المؤيدون أن حق الكدّ والسعاية لا يتعارض مع أحكام الشريعة الإسلامية، بل يستند إلى اجتهادات فقهية قديمة أقرت بحق من أسهم في تنمية المال أن يحصل على نصيب من ثمرة جهده.
مع تطور الحياة ومستجداتها وجدت المرأة نفسها تخرج إلى سوق العمل، ربما برغبتها أو حتى رغمًا عنها، لكن الغاية انها تريد مساعدة زوجها في تحمل أعباء المعيشة وتربية الأبناء والكد والكفاح لبناء حياتهما الخاصة، وفي بعض الحالات بعد مرور السنوات والمعاناة التي واجهتها طوال سنوات زواج ما بين حلوها ومرها، تجد نفسها ضحية لزوج أناني يبيع سنوات العشرة والتعب ويطلقها لأي سبب ويلقي بها في الشارع بعد أن ضاعت سنوات شبابها وصحتها ولا تملك شيئًا بعد أن دخلت أموالها في أموال زوجها وصارت كل ممتلكاتهما باسمه، بينما هي لا تعرف أين تعيش بعد أن مات والداها وضاع إرثها أو تضطر تعيش ضيفة ثقيلة – هكذا ترى نفسها - لدى أحد أبنائها.
ومحاكم الاسرة مكتظة بمثل هذه القضايا المثيرة للشفقة والاستياء في آن واحد، فما نقوله ليس من وحي الخيال، وأكيد سمعنا جميعًا عن زوجة مسنة او امرأة باعت كل ما تمتلكه لمساعدة زوجها فطلقها غدرًا وخسة.

لكن الامام الاكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الازهر الشريف أضاء بريق الامل بدعوته إلى ضرورة حفظ حق «الكد والسعاية» للزوجة في ثروة زوجها، كما أكد بعدها الازهر الشريف دعوته إلى إحياء هذه الفتوى بأنه؛ «يجب تعويض المشترك في تنمية الثروة العائلية كالزوجة التي تخلط مالها بمال الزوج والأبناء الذين يعملون مع الأب في تجارة ونحوها، فيؤخذ من التركه قبل قسمتها ما يعادل حقهم».
وقد سلطت وزارة العدل الضوء على ملامح مشروع قانون الاحوال الشخصية الجديد والذي وافق عليه مجلس الوزراء وأرسلته الحكومة إلى مجلس النواب لمناقشته، ومن بين أهم ملامح القانون الجديد إقرار حق «الكد والسعاية» بتقرير الذمة المالية المستقلة لكل زوج وتقسيم الثروة المكتسبة حسب اتفاقهما على المساهمة.
من واقع المحاكم

ولكن في البداية نروي بعض القضايا والرأي القانوني للمستشارة القانونية «فيروز الصافي» التي كانت من أولى المحاميات اللاتي طالبن بإقرار قانون «الكد والسعاية» بعد ما واجهته من مشكلات لزوجات ضاعت حياتهن بجانب الزوج وفي النهاية وجدن أنفسهن في مهب الريح، وتروي لنا أول تلك القضايا لزوجة تعدى عمرها منتصف الخمسينات، حضرت لمكتبها في حالة يرثى لها، وهنا تقول المستشارة «فيروز»:الزوج يعمل مدرسًا، وقفت زوجته بجواره طوال 25 سنة زواج، ساندته في بداية حياته وكان لا يمتلك شيئا، تحملت معه الايام الصعبة بل باعت إرثها من والديها لتعطيه المال حتى يقف على قدميه، حتى استطاع بمرور الايام والسنوات وبصبر زوجته ودعائها له أن يصبح مدرسًا معروفًا لا يشق له غبار كما يقولون في منطقته ومدرسته ومراكز الدروس الخصوصية وأصبح مقتدر ماديًا ويمتلك أكثر من سيارة وعقار كامل وعدة شقق تمليك، دون حتى أن يعطي مليما من إرثها ولم تطلب منه الزوجة شيئًا، فمن جانبها كل ما تمنته أن تعيش حياة هادئة مستقرة مع زوج يحبها بإخلاص وتربي أبناءها الأربعة، لكن لم تتخيل يومًا أن هناك عاصفة مدوية في انتظارها.
فزوجها قرر الزواج عليها من أخرى لأنها لم تعد المرأة التي يحلم أن يعيش معها، تزوج بشابة تصغره سنًا بأعوام كثيرة، ورغم أن الزوجة المغلوبة على أمرها لم تعترض، بل طلبت منه أن تبقى على ذمته مقابل أن توافق أن تكون زوجة ثانية، لكن زوجته الشابة الحسناء الجديدة لم يعجبها الحال، وطلبت منه أن يطلقها، لتجد الزوجة نفسها بعد عشرة 25 سنة في الشارع، بعد ان كانت السبب في نجاحه وثرائه.
وتقول المحامية «فيروز الصافي» محامية الستات:حتى نفقة العدة والمتعة رفض أن يعطيها إياها، ويقوم بعمل استئناف على كل حكم تحصل عليه، ورغم اني تمكنت من الحصول على حكم تاريخي لها بنفقة عدة ومتعة بـ12 سنة، لان الحد الأقصى في نفقة العدة والمتعة عادة يكونون عامين فقط، ورغم ذلك استأنف على الحكم، رغم أن كل الخير الذي هو فيه بسبب إرث زوجته الذي باعته وأعطته المال لكنه داس على كل هذه السنين في غمضة عين.
نقل ملكية
قضية أخرى بطلتها زوجة أنهكتها الأمراض نتيجة الكفاح والتعب مع زوجها، كانت هي وزوجها يمتلكان مخبزا كان في الاصل ورثها من والدها، لكنه أقنعها بوعود الحب الكاذبة، وبـ دهاء وبعد أن حرر عقدًا مشتركًا بينهما بامتلاك المخبز، اتفق مع المحامي ان يقنعها بعمل توكيل عام له بإدارة المخبز، بعدها نقل ملكية المخبز كله إليه بيع وشراء، بعد سنوات من العمل المشترك، ساندته خلالها يدًا بيد، حتى جعلت منه صاحب مخبز كبير له سيط في منطقتهم، وبعد مرور السنوات كبر الابناء والتحقوا بالجامعات، وكبرت الزوجة وأنهكها العمل والمرض، لتكون نهاية حياتها معه هو أن رماها هي وأبناءها إلى الشارع، وقرر الزواج من عروس شابة في عمر ابنته الصغيرة، تاركا زوجته تجري وراءه في المحاكم للحصول على حقوقها واسترداد ولو جزء من ثروتها.
ضاع عمري
أما «ر.ف» زوجة في بداية الستينيات من عمرها قالت بأسى بالغ:تزوجته وهو عامل بسيط، بعت بعض القطع من الذهب كنت أمتلكها من إرث والدتي بجانب شقة صغيرة في بيت عائلتي، ساعدته بعد أن دفع مبلغا صغيرًا من المال كان ادخره بمساعدتي، ليبدأ تشغيل حصيلة هذه الأموال في صناعة البلاستيكات ومع مرور الوقت كبر العمل، وزاد الانتاج وكنت أسعد بنجاحه ودخله اليسير وأقول لنفسي كله لأبنائنا ولم اطلب منه رصيدًا في البنك لنفسي، بل كنت اذهب للعمل معه وأباشر المصنع في غيابه أو مرضه دون أن اطلب دخلا أو غيره، حتى بدأ غيابه المتكرر وتأخره في العودة للمنزل وسفره على غير العادة، إلى أن علمت أنه متزوج منذ عامين من فتاة صغيرة في السن، جن جنوني، طلبت الطلاق وكانت النتيجة انه رماني في الشارع، لأعيش مع ابني الاكبر لكن على استحياء وبكسرة قلب ونفس، عندما طالبته بحقي قال لي «ملكيش عندي حاجه، أكلتي وشربتي بهم»!، بعد أن اصابني المرض واصبحت مسنة تركني فتقدمت بدعوى نفقة متعة ومنقولات لكن دون فائدة ولم احصل على شيء.
وتتذكر «فيروز الصافي» قضية مثيرة وتقول:كانت قد حضرت لمكتبي حالة لزوجه لم تنجب وكان الزوج السبب في عدم الإنجاب ـ على حسب قولها والتقارير الطبية التي بحوزتها ـ وبعد 25 سنة قرر الزواج بفتاة شابة سحرت عقله وأنسته سنوات العذاب، حيث باعت كل ما تمتلكه بجانب عملها وراتبها الذي ضاع على مصاريف البيت والعلاج لدى الاطباء في محاولة الإنجاب، ورحل والداها وليس لها أحد فأتت الى مكتبي مقهورة تبحث عن حقوقها الضائعة.
المشاركة
بسؤال المستشارة القانونية «فيروز الصافي» محامية الستات، عن حق (الكد والسعاية)، قالت:المشاركة تبدأ من قبل الزواج، فالمرأة وأسرتها تشارك في تأسيس بيت الزوجية من منقولات حتى انها تتنازل عن طلب المهر للتيسير على الزوج، وبعد الزواج إما تشارك بإرث لها او تخرج للعمل لتساند زوجها في تحمل نفقات البيت، حتى من لا تخرج للعمل ولم تشارك بإرث او أي شىء، لو نفترض لا تمتلك اي شىء، فيكفي أنها عاشت عمر 20 أو 30 سنة في بيت الزوجية تخدم زوجها وأبناءها، وتتحمل مصاعب الحياة مع زوجها وتعيش على حلو الحياة ومرها، وتوفر لزوجها في وقت أزماته أو فرحه، واقل شىء توفره له أجر «خادمة» كل هذا من أجل حياة هادئة مستقرة، وحتى يتمكن الزوج أن يصل إلى ما وصل إليه من نجاح، أي أن المرأة تشارك زوجها في تكوين ثروته بأي طريقة سواء براتبها او إرثها أو حتى صبرها وتحملها لو كانت ربة منزل.
وبعد ما ربنا يكرمه ويصبح يمتلك الاموال يكافئها بالزواج عليها، وإذا اعترضت تصبح (ناشز) أو يطلقها ويرميها في الشارع، والسؤال المهم: الست دي تروح فين؟!، بعد أن دفعت عمرها وصحتها وشبابها وكذلك أموالها وضعتها في بيت ليس باسمها؟!، هنا يأتي مفهوم مهم جدًا اسمه»حق الكد والسعاية» ومعناه باختصار أي ست شاركت زوجها في بناء حياته وثروته، لها حق فيه ليس منّة لكنه عدل، وهذا ليس كلام جديد ولا اختراع حديث ده موجود في تراثنا الإسلامي نفسه، وفي واقعة مشهورة في عهد سيدنا عمر بن الخطاب حكم فيها للزوجة بنصف المال لأنها شاركت في تكوينه.
وتستكمل محامية الاحوال الشخصية «فيروز الصافي» محامية الستات حديثها لأخبار الحوادث قائلة:وهناك الكثير من الدول التي طبقت هذه الفكرة بالفعل، في المغرب القانون يسمح إن الزوجين يتفقوا على تقسيم الثروة التي تكونت أثناء الزواج واذا لم يكن هناك اتفاق، القاضي يحدد مشاركة كل طرف منهما ويحدد نصيبه، وفي تونس في نظام قانوني يسمح باشتراك الزوجين في الملكية ويعترف أن الزوجة ممكن تكون شريكة فعلية في تكوين الثروة، وفي دول مثل فرنسا وبريطانيا وإسبانيا والولايات المتحدة، القانون يقوم على مبدأ التوزيع العادل يعني الثروة التي بنيت أثناء الزواج تقسم بين الزوجين بشكل منصف عند الطلاق.
ببساطة العالم كله بدأ يعترف إن الزواج ليس مشاعر فقط، لكنه شراكة فيها حقوق وواجبات على الطرفين، لكن نحن أين من هذا؟، المرأة ممكن تخرج من الزواج بعد سنين، والدولة تصرف لها معاش قد لا يكمل 700جنيه ممكن ما (يجيبوش)علاج، والمرأة التي خرجت للعمل وساعدت في الانفاق والبناء لابد أن يحميها القانون أكثر، وفضيله الشيخ أحمد الطيب بنفسه أكد إن حق «الكد والسعاية» من العدل ومن أصول الشريعة، وإن للزوجة نصيب في الثروة التي أسهمت فيها.
وما نحتاجه الآن تدخل قانوني واضح وصريح يحمي المرأة ويحافظ على حقوقها، وهذا أقل شيء ومن باب الحماية الاجتماعية والتي ملزمة الدولة في توفيرها للمرأة، ينص أن أي زوجة شاركت في بناء ثروة زوجها يبقى ليها نصيب عادل فيها (يوصل لنصفها حسب حجم مشاركتها)، ويحمي المرأة من أنها تترمي في الشارع بعد عمر كامل، يعترف أن (التعب له ثمن)، والمرأة ليستضيفه في حياة أحد بل هي شريكة في البناء ومن حقها أن تشارك فيما بنته.
ولا يزال الحديث للمستشارة القانونية «فيروز الصافي» محامية الستات، وتقول:مادة «الكد والسعاية» في غاية الاهمية وسوف يتم تفعيله في قانون الاحوال الشخصية الجديد، ويكون تأمين لحالات كثيرة من سيدات عشن حياتهن كلها مع أزواجهن وسخرت حياتها من أجله وفي النهاية يرميها وفي الغالب يكون السبب زواجه من أخرى أصغر سنًا تأخذ من ورائه كل ما بناه مع زوجته الأولى الضحية، وفي أغلب الحالات تكون الزوجة مات والداها وليس لديها أحد لتذهب اليه أو تعيش معه وهي امرأة كبرت في السن وتحتاج إلى رعاية وعلاج وأن تعيش حياة هادئة مستقرة.
سوف يتم اقرارها بمادة قانونية بمعنى أنه يحق للزوجة في حالة الطلاق أن تتقدم بدعوى اسمها «حق الكد والسعاية»، تثبت فيها بالمستندات او إحالتها للتحقيق وشهادة الشهود، إن الزوج حقق ثروة بمشاركة الزوجة سواء كان هذا بطريق الإرث أو راتب من عملها أو مال خاص بها شاركت به فى تكوين ثروة زوجها وتستطيع إثبات ذلك بكل طرق الاثبات الممكنة.
هل يحق للزوجة كتابة شرط عند عقد القران أنها ستشارك زوجها براتبها أو بمالها الخاص كاتفاق على مشاركة الزوجة لزوجها فى الحياة الزوجية؟!
تجيب فيروز الصافى قائلة: للأسف لا يوجد أحد يقبل بأن يكتب هذا الاتفاق عند عقد القران أو يقره كتابة، لكن فى القانون الجديد سوف يسمح للزوجة بأن تتقدم بدعوى، ولها إثباتها بجميع طرق الإثبات.
ثغرات القانون
وتنهي المحامية «فيروز الصافي» حديثها قائلة: الثغرات التى يمكن أن يتفاداها أو يستغلها بعض الأزواج بأن يكتب كل أملاكه باسم شقيقه او أحد افراد أسرته أو يحصل على قروض بنكية لادعاء حاجته المادية، وهذا ما يحدث الآن من تلاعب بعض الأزواج للهروب من دفع النفقات، فيقترض او يكتب املاكه باسم والدته، او يقوم والداه أو شقيقته المطلقة او التي لم تتزوج برفع دعوى نفقة أقارب ضده، أو يجعل زوجته الثانية اذا كان متزوجا بأخرى تتقدم ضده هي الأخرى بدعوى نفقة رغم انهما على علاقة طيبة، لكن الهدف فقط تقليل النفقة لطليقته الاولى وأبنائه، وللاسف في كل هذه الحالات هناك طرف سوف يتمكن من إساءة استخدام ثغرات القانون لظلم الطرف الآخر.
لكن للعلم القضاه على دراية كاملة بكل ألاعيب الأزواج، علاوة على ذلك هناك تحريات المباحث عند التحقيق والقانون أعطى الحق للزوجة أن تثبت إذا كان المال والاملاك تخصه أو تخص غيره، وايضا الاستماع إلى شهادة الشهود، وهناك بعض الزوجات تتمكن من الحصول على مستندات خلال فترة الزواج، تثبت ممتلكات واعمال زوجها ويمكن استخدامها كدليل إثبات.
اقرأ أيضا: تطبيق إلكتروني موحد.. هل تنجح الرقمنة في الحد من قضايا محاكم الأسرة؟
الاستئناف تعيد حضانة طفلين لوالدتهما بعد كشف ألاعيب الأب
تقتل طفلها انتقامًا من زوجها
ضبط طالب نصب على المواطنين عبر السوشيال ميديا







