■ كتبت: ندى بدوي
في سكون صحراء مصر الشرقية وعلى بعد كيلومتراتٍ قليلة من صخب مدينة الغردقة يخوض الزائرون تجربةً فريدة لمعايشة التراث البدوي داخل «مركز المعازة للثقافة والتراث»، وهو المشروع الذي يستهدف دمج التراث الثقافي في السياحة البيئية، بما يحقق التنمية للمجتمع المحلي ويحافظ على استدامة هذا التراث، مما أهله للحصول على جائزة السياحة المسئولة في إفريقيا لعام 2026. حيث تتجه منظومة السياحة العالمية نحو تعظيم التجارب الأصلية كمنتجات سياحية تستدعى الصون والتسويق.
لسنواتٍ طويلة ظل التراث البدوي رغم ثرائه وتنوعه بعيدًا عن التخطيط السياحى المنهجى، بينما بقيت المجتمعات المحلية خارج دائرة التأثير الفعلى، إذ بقيت مساهمتهم فى التجربة السياحية محدودة وغالبًا لا تشارك فى صناعة التجربة ولا تنعكس عليها عوائد السياحة بشكل عادل، غير أن هذا التراث الذى يبدو راسخًا فى ظاهره يواجه فى العمق خطر التآكل والاندثار، نتيجة التغيرات الاجتماعية وتسارع أنماط الحياة الحديثة.

■ أبناء قبيلة المعازة يحافظون على نمط حياة ممتد لأجيال
على امتداد الصحراء الشرقية وفى المنطقة الواقعة ما بين الغردقة والزعفرانة، تعيش قبيلة المعازة «واحدة من أقدم التجمعات البدوية التى حافظت على نمط حياتها لقرون طويلة»، هنا لا يُقاس الزمن بالساعات، بل بحكايات تنتقل من جيل إلى جيل، مع إيقاع الحياة البدوية الذى مازال قائمًا رغم التحولات الكبرى التى تشهدها المنطقة. يقف الشيخ مرعى مسلم، «شيخ قبيلة الخشمان التابعة للمعازة»، كحارسٍ لهذه الذاكرة الممتدة، يستحضر تاريخ القبيلة التى تعود جذورها إلى الجزيرة العربية، قبل أن تنزح من مئات السنين لتستقر فى الصحراء الشرقية.
يعيش أبناء القبيلة وفقًا للشيخ مرعى فى تجمعاتٍ بدوية يضم كل منها ١٥ - ٢٠ أسرة، غالبًا ما تجتمع بالقرب من آبار ومصادر المياه فى خيام وبيوت خشبية بسيطة.
ويتابع الشيخ مرعي: كنا نعتمد كليًا على تربية الأغنام والجمال وتجارة الأعشاب الطبية والفحم، غير أن السياحة فتحت لنا أبوابًا جديدة للرزق، دفعت بالعديدين للاستقرار بدلاً من الترحال الدائم، إلا أن حركة الزوار لم تكن دائمة وكثيرًا مالا نحصل على مقابل مجزٍ من منظمى الرحلات.
هذا الواقع هو ما دفع بمحمود عطية المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة «Green planet» لإعادة اكتشاف التراث البدوى وتوظيفه سياحيًا من خلال «مركز المعازة للثقافة والتراث» الواقع بقرية الردة على بعد 18 كيلومترًا من مدينة الغردقة.
والذي يقول: هذا المشروع ننفذه ونديره بشكل كامل، بالتعاون مع «TUI Care Foundation»، وهى مؤسسة دولية معنية بالتنمية السياحية المستدامة، ونهدف بالأساس إلى حفظ وصون التراث غير الملموس للقبائل البدوية، وإدراجه بشكل فاعل في الخطط السياحية مما يسهم في تحويله من عنصر مهمش إلى مورد مستدام يقوده المجتمع المحلي نفسه.

ويثمّن شيخ القبيلة بشكل كبير تدريب الأجيال الجديدة على الحرف والفنون التقليدية، التى يرى أنها تفتح مجالاً هائلاً للتنمية، وتساعد على توفير مصادر للدخل من الرحلات السياحية، لافتًا إلى أن هذه الحرف تستحق أن تُصان وتستمر، خاصة فى الأزياء البدوية التى تتمتع بتنوع كبير، بخلاف صنعة غزل أصواف الجمال والأغنام التى نستخدمها فى الفرش، وتزيين «خرج» الجمال. ويوضح عطية أن الدراسات العلمية حول طبيعة هذه القبائل وتراثها وثقافتها لا تزال قاصرة ومحدودة بشكل كبير، مما دفعنا لمحاولة سد هذه الفجوة، من خلال عمل منهجى بدأناه بدراسة كاملة عن المجتمعات المحلية واحتياجاتهم، ولاحظنا أن غياب التوثيق بالأساس أثر على إمكانية تسويق المنتج ودمجه فى المنظومة السياحية فى المنطقة، التى غالبًا ما تركز على الأنشطة الترفيهية وسياحة السفارى والمغامرة مع إغفال الجانب الثقافى العميق للقبائل، أو اتخاذه كفقرة عابرة ضمن البرنامج السياحي، بشكل أدى إلى تهميشهم ماديًا ومعنويًا من هذا الزخم، مضيفاً أن المشروع يقوم على فكرة أن المجتمعات المحلية ليست عنصرًا مساعدًا أو جانبيًا فى المنظومة السياحية، بل هى جوهرها الحقيقى، لافتًا إلى أن طبيعة المنتج السياحى فى مركز المعازة تختلف جذريًا عن الأنماط التقليدية، إذ نأخذ الزائر فى تجربة مختلفة تعتمد على المعايشة الكاملة، من خلال إشراك الزوار فى تفاصيل الحياة اليومية، من صناعة الخبز إلى تعلم الحرف اليدوية.

ويضيف: نهتم بشكل كبير بالتدريب وبناء قدرات المجتمع المحلى، ونعمل بالفعل على تدريب 100 من أبناء القبيلة بقرى الردة وخرز ملكى على مهارات الضيافة والاستقبال والسرد القصصى والإرشاد السياحي، مما يمكّنهم من التعبير بصدق واحترافية عن هويتهم، كما أن لدينا برنامجًا خاصًا بالحرف اليدوية، تعمل فيه السيدات بشكل أساسى، ونستهدف تدريب80 سيدة على منتجات سعف النخيل والجلود والنسيج والتطريز اليدوى، حيث خصصنا مساحة داخل المركز لعرض وتسويق المنتجات، بخلاف ورش العمل المصغرة التى يشارك بها الزوار لتعلم الحرف التقليدية، مما يعظم من قيمة المنتج السياحى.

وأضاف أن تشييد هذه المساحة التى تحتضن ساحات الاستقبال وأماكن ممارسة الأنشطة تم بأسلوب مستدام يعكس انسجامًا كاملًا مع البيئة الصحراوية المحيطة كما يوضح عطية، «اعتمدنا على خامات طبيعية من البيئة المحلية، بما فى ذلك جريد وسعف النخيل وأخشاب الجزورين، بخلاف حصير السمر والبوص والغاب وغيرها من الخامات، إلى جانب الأحجار الطبيعية التى تم توظيفها فى البناء، لنحافظ على الطابع البدوى الأصيل مع الحد من الأثر البيئى».

ويشير محمود عطية إلى أن تنظيم الرحلات السياحية بهذه الهوية الجديدة بدأ بالفعل، وهناك عدد كبير من الزيارات تتوافد على المشروع، كاشفًا عن اتجاه إلى التوسع من خلال مهرجان المعازة الثقافى الذى سنعمل على إقامته بنهاية هذا العام، ونستهدف أن يصبح حدثًا سنويًا، يكون بمثابة تجربة مكثفة ومنتج يتم تسويقه فى الأسواق الأوروبية، الألمان والإنجليز بشكلٍ خاص. كما نستهدف زيادة وعى السياح غير المعنيين بالسياحة البيئية، ولدينا مذكرات تفاهم مع فنادق كبرى فى البحر الأحمر لوضع هذه التجربة على خريطة السياحة العالمية.
ويرى الشيخ مرعي أن الحياة البدوية رغم قسوتها، تحمل جمالاً وسحرًا خاصًا لا يلمسه إلا من يقترب منه ويعايشه بحق، ثم يصف كيف ينظر السياح الأجانب إلى تفاصيل هذه الحياة البسيطة بدهشة وإعجاب، خاصة ما تحمله من سمات الكرم والضيافة، مؤكدًا أن «رأس المال الحقيقى هو التراث والاعتزاز بالهوية». ويتابع: هناك تحديات بالفعل تواجه الأجيال الجديدة التى تتأثر بالتمدن بشكل كبير، وقد يبتعدون عن عاداتنا وطريقة معيشتنا، إلا أن هذه الأجيال بدأت تدرك قيمة التراث مع اهتمام السياح به، خاصة مع تزايد أعداد الزوار من مختلف الجنسيات.

الأزهر والبرلمان والحكومة.. من يرسم ملامح قانون الأسرة الجديد؟
اقتصاد الفحم.. كيف تحولت "المكامير" إلى أزمة بيئية في الغربية؟
«مفتاح التنافسية ومواجهة الفقر».. تحليل يكشف مؤشرات تطوير التعليم







