من الخبر إلى الدرس التربوي..

دينا الأدغم تكتب: كيف تعيد السوشيال ميديا طرح دور الأب في تشكيل وعي الفتاة؟

دينا الأدغم
دينا الأدغم


■ بقلم: دينا الأدغم 

في لحظةٍ تتقاطع فيها التربية مع الضوء الإعلامي، وتلتقي القيم الإنسانية مع ضجيج السوشيال ميديا، يمكن للخبر أن يتحول من مجرد حدث عابر إلى مدخلٍ لقراءة أعمق في العلاقات الإنسانية ودور الأسرة في تشكيل الوعي.

في الأيام الأخيرة، تداولت منصات التواصل الاجتماعي أخبارًا وتعليقات حول ما نُسب إلى فيديو فاطمة محمد حماقي بشأن تعزيز شخصيات أعماله الفنية الغنائية والفيديو كليب، وما صاحب ذلك من نقاشات واسعة بين مؤيدين ومتابعين ودوائر نقدية اختلفت في تفسير الخبر وتوقيته وطبيعته. 

وكما يحدث غالبًا في فضاء السوشيال ميديا، لم يكن الحدث مجرد خبر فني، بل تحوّل إلى مساحة جدل عام امتزجت فيها المشاعر بالآراء، والتقييمات السريعة بالانطباعات الشخصية.

وسط هذا الزخم الرقمي، يبرز سؤال أكثر عمقًا لا يتعلق بالخبر ذاته بقدر ما يتعلق بالإنسان خلف الكواليس: كيف تتشكل شخصية الفتاة في عالم سريع الإيقاع، تتنازع فيه الأصوات، وتتعدد فيه النماذج، وتصبح فيه الشهرة جزءًا من الحياة اليومية؟

هنا تحديدًا تتجلى أهمية وجود الأب في حياة البنت، ليس بوصفه سلطة تقليدية، بل بوصفه سندًا نفسيًا ومرجعًا قيميًا وصوتًا متزنًا في عالم يميل إلى المبالغة والتضخيم. فالأب في حياة ابنته ليس مجرد معيل، بل هو أول نموذج للرجل، وأول مساحة أمان، وأول من يزرع في داخلها شعورًا بالثقة في الذات دون إفراط أو تفريط.

وجود الأب الداعم يمنح الفتاة قدرة أكبر على التعامل مع ضغوط المجتمع، خصوصًا في زمن السوشيال ميديا، حيث تُبنى الأحكام بسرعة، وتُصاغ الصور النمطية في لحظات، وتتحول التفاصيل الصغيرة إلى قضايا رأي عام. في هذا السياق، تصبح التربية الواعية حصنًا حقيقيًا، لا يقوم على المنع بقدر ما يقوم على الفهم، ولا على السيطرة بقدر ما يقوم على الحوار.

ومن الملاحظ أن النقاشات التي دارت حول خبر فني مرتبط بعائلة فنية معروفة لم تكن منفصلة عن هذا السياق العام؛ إذ أعادت إلى الواجهة فكرة «البيت الداعم» وأثره في قدرة الأبناء على الظهور في المجال العام بثقة واتزان. فكل شخصية عامة، مهما كان حضورها، تقف خلفها بيئة أولى تشكلت فيها القيم الأولى: كيف تتعامل مع النقد؟ كيف توازن بين الخصوصية والظهور؟ وكيف تحافظ على هويتها وسط الضجيج؟

إن الدمج بين الخبر الفني والنقاش التربوي ليس ترفًا كتابيًا، بل هو محاولة لفهم الواقع كما هو: واقع لم تعد فيه القضايا منفصلة، بل متداخلة بين الإعلام والأسرة والثقافة. ومن هنا يصبح الحديث عن الأب ليس حديثًا عاطفيًا فقط، بل حديثًا عن بناء إنسان قادر على التوازن في عالم متغير.

وفي النهاية، قد ينتهي الجدل حول أي خبر سريعًا على صفحات السوشيال ميديا، لكن الأثر الحقيقي يظل في مكان آخر: في البيت، في العلاقة الأولى، وفي ذلك الحضور الهادئ الذي يمنح الفتاة القدرة على أن تكون نفسها، لا نسخة من ضجيج الآخرين.