أرى

حين تتحرك مصر

وردة الحسينى
وردة الحسينى


فى عالم الدبلوماسية، لا تفهم السياسة الخارجية من خلال البيانات الرسمية ذات اللغة الهادئة فقط، الأهم هو ما تخفيه تلك اللغة من رسائل استراتيجية قد تعيد تشكيل خرائط ومعطيات الواقع الراهن، فكل لقاء أو تصريح، قد يحمل دلالات تتجاوز ظاهره البروتوكولى لأبعاد أعمق تتعلق بالأمن القومى والمصالح طويلة المدى.. كما أن توقيت ذلك اللقاء، ومن شارك فيه، قد يحمل مغزى لا يفهمه من يعتد بظواهر الأمور.

ومن هذا المنطلق، حملت زيارة وزير الخارجية، د- بدر عبد العاطى إلى إريتريا مؤخرًا، دلالات تتجاوز الإطار البروتوكولى المعتاد، فالزيارة جاءت فى توقيت إقليمى معقد يشهد تغيرات متسارعة بمنطقة القرن الإفريقى والبحر الأحمر، وهو ما عكس تحركًا مصريًا محسوبًا لإعادة ترتيب دوائر التأثير فى محيطها الإقليمى، كما أن أحد أبرز المؤشرات الحكيمة بتلك الزيارة، الحضور الموازى للملف الاقتصادى، حيث تم اصطحاب وزير النقل وممثلين عن مجتمع الأعمال، مما يشير إلى أن القاهرة تتحرك بمنطق بناء المصالح المشتركة، باعتبار أن النفوذ السياسى الأكثر استدامة هو ذلك المدعوم بشبكات اقتصادية ومصالح حقيقية.

وبالوقت نفسه، حملت المباحثات المتعلقة بأمن البحر الأحمر رسالة سياسية واضحة مفادها أن استقرار هذا الممر الحيوى مسئولية الدول المطلة عليه، مما يؤكد تمسك مصر بدورها الإقليمى الفاعل فى إدارة القضايا المرتبطة بأمن الملاحة.

كما أن تناول ملفات مثل السودان والصومال خلال اللقاءات فى هذه الزيارة عكس الإدراك المصرى بأن أمن القرن الإفريقى لم يعد ملفًا منفصلًا، بل جزء مباشر من معادلة الأمن القومى المصرى.

أخيرًا.. تتحرك الدبلوماسية المصرية اليوم، ليس فقط فى إدارة الأزمات، وإنما عبر صناعة بيئة إقليمية أكثر اتزانًا تحمى المصالح وتؤسس لشراكات طويلة الأمد.