فى ملف التعليم، لا تكفى النوايا الطيبة، ولا تكفى العناوين الكبيرة، ولا تصلح الخطابات المطمئنة بديلًا عن السؤال الأهم: هل الطالب يتعلم فعلًا داخل المدرسة؟ هذا هو السؤال الذى ظل لسنوات طويلة مؤجلًا خلف نقاشات كثيرة عن المناهج، والتابلت، والامتحانات، والدروس الخصوصية، وكثافات الفصول، وعجز المعلمين لكن الدراسة التى قدمتها اليونيسف حول التعليم فى مصر تعيد النقاش: المدرسة، لا كجدار وفصل وجدول حضور فقط، بل كمكان يجب أن يستعيد وظيفته الأولى: أن يدخل الطفل إليه وهو ضعيف فيخرج منه قادرًا على القراءة والكتابة والفهم.
الأرقام التى أعلنتها الدراسة ليست مجرد أرقام جيدة فى مؤتمر، بل هى شهادة واعتراف مهم بأن الإجراءات التى اتخذتها وزارة التربية والتعليم بدأت تلمس جوهر الأزمة، عندما ترتفع نسب حضور الطلاب إلى ٨٧٪، وتنخفض الكثافات إلى ٤١ طالبًا فى الفصل، ويتم سد العجز فى المعلمين، وتُنفذ التقييمات بصورة منتظمة، ثم يظهر بعدها تحسن واضح فى القراءة والكتابة، نحن أمام قاعدة بسيطة لكنها حاسمة: التعليم يتحسن عندما تعود المدرسة إلى الانضباط، ويعود المعلم إلى الفصل، ويعود الطالب إلى الحضور، ويعود القياس إلى كشف الحقيقة بدلًا من تجميلها.
القيمة الكبرى فى دراسة اليونيسف أنها نزعت ملف التعليم من دائرة الانطباعات، نحن أمام اختبارات طُبقت على ١.٣٨ مليون طالب فى ٢٧ محافظة، على ثلاث مراحل، لا أمام عينة صغيرة أو تقدير مكتبى فى المرحلة الأولى، كان ٤٥.٥٪ من الطلاب يعانون ضعفًا فى مهارات القراءة والكتابة، فى المرحلة الثانية، انخفضت النسبة إلى ٣٢.٤٪. وفى المرحلة الثالثة، وصلت إلى ١٣.٩٪. هذا الانخفاض الحاد يجب أن يستوقفنا؛ لأنه يعنى أن مشكلةً ظن كثيرون أنها متجذرة ومستعصية بدأت تفكيكها عندما تم التعامل معها بمنطق الإدارة لا بمنطق التبرير.
وهنا يجب أن نقرأ ما فعله الوزير محمد عبد اللطيف بعيدًا عن المديح السهل أو الرفض المسبق، الرجل لم يبدأ من شعارات براقة، بل من مفاتيح تشغيل المدرسة: الحضور، الكثافة، المعلم، التقييم، هذه مفردات قد تبدو إدارية، لكنها فى الحقيقة سياسية وتعليمية بامتياز، لأن الدولة عندما تضمن حضور الطالب، فهى تستعيد سلطتها داخل المدرسة، وعندما تخفض الكثافة، فهى تعطى المعلم فرصة حقيقية للتدريس لا مجرد إدارة الزحام، وعندما تسد عجز المعلمين، فهى تعترف أن التعليم لا يتم بلا إنسان يقف أمام الطالب، وعندما تنفذ تقييمات، فهى تقول إن التحسن لن يُترك للانطباع، بل سيتم قياسه.
وهذه هى نقطة التحول الحقيقية: الوزارة لم تتعامل مع المدرسة كأنها مبنى، بل كنظام، والنظام إذا اختلّت حلقاته سقط كله، لا يمكن أن نطالب بنتيجة تعليمية جيدة فى فصل مزدحم، ولا من طالب غائب، ولا من معلم هو بالفعل غير موجود، ولا من إدارة لا تعرف مستوى طلابها، لذلك فإن نتائج الدراسة تؤكد أن الإصلاح التعليمى يبدأ من إعادة تشغيل النظام لا من تغيير اللافتة، وهذا بالضبط ما يجعل الأرقام مهمة: لأنها تقول إن المدرسة المصرية لم تكن عاجزة بطبيعتها، لكنها كانت تحتاج إلى ضبط مفاصلها الأساسية.
فى رأيى، أهم ما تكشفه هذه الدراسة أن جزءًا من أزمة التعليم فى مصر كان أزمة «غياب فاعلية»، لا أزمة قدرة مطلقة بمعنى أن الطالب المصرى ليس غير قابل للتعلم، والمعلم المصرى ليس غير قادر على التأثير، والمدرسة المصرية ليست محكومًا عليها بالفشل، عندما وُضعت إجراءات محددة، وجرى قياس أثرها، ظهرت نتيجة ملموسة، وهذا يغيّر طريقة النظر إلى الأزمة: لم نعد أمام حالة ميؤوس منها، بل أمام ملف يحتاج إدارة مستمرة، ومتابعة دقيقة، ومحاسبة مبنية على النتائج.
لكن هذا النجاح، بقدر ما يستحق التقدير، لا يجب أن يتحول إلى نشوة مبكرة، انخفاض النسبة إلى ١٣.٩٪ إنجاز، لكنه ليس نهاية الطريق، السؤال الآن: كيف نمنع الارتداد؟ كيف نضمن أن التحسن لا يبقى مرتبطًا بحملة أو برنامج مؤقت؟ كيف نربط كل تقييم بخطة علاج داخل المدرسة؟ كيف نضمن أن الطالب الذى خرج من دائرة الضعف لا يعود إليها بعد شهور؟ وكيف نحول التجربة من تدخل ناجح إلى سياسة دائمة داخل كل مدرسة؟.
هنا تأتى المسئولية الأكبر، التعليم لا يُصلح بالموجات، بل بالاستمرارية وما حققته الوزارة يجب أن يتحول إلى قاعدة عمل سنوية: تقييمات مبكرة، تدخلات علاجية فورية، تدريب للمعلمين على علاج ضعف القراءة والكتابة، متابعة حضور يومية لا شكلية، توزيع عادل للمعلمين، وربط الإدارة المدرسية بنتائج تعلم حقيقية، لأن الخطر فى أى إصلاح ناجح أن نحتفل به ثم نتركه بلا تحصين، فيعود النظام القديم إلى امتصاصه.
وهناك معنى سياسى واجتماعى أعمق لهذه النتائج، إصلاح القراءة والكتابة هو إصلاح للعدالة، لأن الطالب الذى لا يمتلك المهارات الأساسية فى سنواته الأولى يصبح أكثر قابلية للفشل، وأكثر اعتمادًا على الدروس، وأكثر عرضة للتسرب، وأقل قدرة على المنافسة لاحقًا، لذلك فإن تحسين القراءة والكتابة ليس ملفًا فنيًا صغيرًا، بل سياسة إنصاف اجتماعى، كل طفل يتعلم القراءة جيدًا هو طفل يأخذ فرصة أوسع فى الحياة، وكل مدرسة تستعيد قدرتها على التعليم هى خطوة فى تقليل الفجوة بين من يملك الدعم الخارجى ومن لا يملكه.
ومن هنا نفهم أهمية الاعتراف الدولى بنتائج الدراسة، اليونيسف لا تمنح مجاملة سياسية، بل تقدم قراءة فنية لبيانات واسعة وعندما تظهر هذه المؤسسة أن الإجراءات انعكست فعليًا على مهارات الطلاب، فإن ذلك يمنح التجربة مصداقية إضافية، لكنه فى الوقت نفسه يضع على الوزارة عبئًا أكبر: أن تحافظ على المسار، وأن توسع نطاقه، وأن تجعل الشفافية فى نشر النتائج جزءًا من ثقافة الإصلاح فالتعليم لا يحتاج فقط إلى إنجاز، بل إلى ثقة عامة بأن الإنجاز يُقاس ويُراجع ويُبنى عليه.
فى الحقيقة، هذا الملف يعطينا درسًا أكبر من التعليم نفسه: الدولة عندما تمسك بالمشكلة من جذورها تستطيع أن تغيّر. لا يكفى أن نشكو من ضعف المستوى، ولا أن نلعن الدروس الخصوصية، ولا أن نحمل الأسرة وحدها المسئولية، الحل يبدأ عندما تسأل الإدارة سؤالًا واضحًا: أين الخلل؟ ثم تتحرك فى النقاط المؤثرة: الكثافة، الحضور، المعلم، التقييم هذه ليست تفاصيل هامشية؛ هذه هى مفاتيح استعادة المدرسة.
لذلك، فإن ما جرى يستحق أن يُقرأ كأول اختبار جدى لفكرة أن إصلاح التعليم لا يكون بالوعود الكبيرة، بل بالنتائج الصغيرة المتراكمة التى تغير حياة الطالب يومًا بعد يوم، حين يتحسن طفل فى القراءة، فهذه ليست قصة فردية فقط، هذا مؤشر أن فصلًا يعمل، ومعلمًا يؤدى، وإدارة تتابع، ونظامًا بدأ يخرج من الفوضى إلى الفاعلية.
دراسة اليونيسف لا تقول: إن التعليم فى مصر أصبح بلا مشكلات، هذا غير صحيح، ولا أحد جادًا يمكنه أن يقول ذلك، لكنها تقول شيئًا أهم: إن الإصلاح ممكن، وأن المدرسة إذا أُعيد تشغيلها بجدية تستطيع أن تعطى نتيجة، وأن الإجراءات التى اتخذها الوزير محمد عبد اللطيف ليست مجرد قرارات فوقية، بل بدأت تظهر فى أكثر نقطة حساسية: قدرة الطالب على القراءة والكتابة.
نحن أمام رسالة واضحة: حين تعود المدرسة إلى دورها، يعود التعليم إلى معناه، وحين يُدار الإصلاح بالرقم والانضباط والقياس، لا يعود تطوير التعليم شعارًا مؤجلًا، بل نتيجة يمكن رؤيتها داخل الفصل.

المنشاوى.. العظيم
محمد علي السيد يكتب: الأسرى.. عبيد وألات.. وفي الإسلام بشر
شعب مصر.. وجيشها







