خواطر الشعراوى| الحج عرفة

الشيخ الشعراوى
الشيخ الشعراوى


يقول الشيخ الشعراوى فى خواطره حول سورة البقرة: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾ أى لا إثم عليكم ولا حرج ﴿أَن تَبْتَغُواْ فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ﴾ أى أن تتكسبوا فى الحج وهو نسك عبادي، والمكسب الذى يأتى فيه هو فضل من الله. وقديمًا كانوا يقولون: فيه «حاج»، وفيه «داجّ»، واحدة بالحاء وواحدة بالدال، «فالداجّ» هو الذى يذهب إلى الأراضى المقدسة للتجارة فقط، ونقول له: لا مانع أن تذهب لتحج وتتاجر؛ لأنك ستيسر أمرًا؛ لأننا إن منعناه فمن الذى يقوم بأمر الحجيج؟

ولماذا قال الحق: ﴿تَبْتَغُواْ فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ﴾ ولم يقل رزقًا؟. لقد أوضح الحق فى الآية التى قبلها: ألاّ تذهبوا إلاّ ومعكم زادكم. إذن أنت لا تريد زادًا بعملك هذا، أى لا تذهب إلى الحج لتأكل من التجارة، إنما تذهب ومعك زادك وما تأتى به هو زائد عن حاجتك ويكون فضلًا من الله سبحانه وتعالى، وهو جل شأنه يريد منك ألاّ يكون فى عملك المباح حرجٌ؛ فنفى الجناح عنه؛ فأنت قد جئت ومعك الأكل والشرب ويكفيك أن تأخذ الربح المعقول، فلا يكون فيه شائبة ظلم كالاستغلال لحاجة الحجيج، لذلك أسماه «فضلًا» يعنى أمرًا زائدًا عن الحاجة.

وكل ابتغاء الرزق وابتغاء الفضل لا يصح أن يغيب عن ذهن مبتغى الرزق والفضل، فكله من عند الله. إياك أن تقول: قوة أسباب، وإياك أن تقول: ذكاء أو احتياط، فلا شيء من ذلك كله؛ لأن الرزق كله من الله هو فضل من الله. ولا ضرر عليك أن تبتغى الفضل من الرب؛ لأنه هو الخالق وهو المربي. ونحن مربوبون له، فلا غضاضة أن تطلب الفضل من الله.

ثم يقول الحق بعد ذلك: ﴿فَإِذَآ أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فاذكروا الله عِندَ المشعر الحرام﴾. وأنت حين تملأ كأسا عن آخرها فهى تفيض بالزائد على جوانبها، إذن فالفائض معناه شيء افترق عن الموجود للزيادة.

قوله: ﴿فَإِذَآ أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ﴾ تدل على أن الله قد حكم بأن عرفات ستمتلئ امتلاء، وكل من يخرج منها كأنه فائض عن العدد المحدد لها. وهذا حكم من الله فى الحج. وأنت إذا ما شهدت المشهد كتبه الله للمسلمين جميعًا. إن شاء الله سترى هذه المسألة، فكأن إناءً قد امتلأ، وذلك يفيض منه. ولا تدرى من أين يأتى الحجيج ولا إلى أين يذهبون. ومن ينظر من يطوفون بالبيت يظن أنهم كتل بشرية، وكذلك إذا فاض الحجيج فى مساء يوم عرفة يخيل إليك عندما تنظر إليهم أنه لا فارق بينهم؛ ولذلك يقال: سالت عليه شعاب الحى كأنها سيل.

أى كأنه سيل متدفق، هكذا تماما تكون الإفاضة من عرفات. وعندما تتأمل الناس المتوجهين إلى «مزدلفة» تتعجب أين كان كل هذا الجمع؟ ترى الوديان يسير فيها الناس والمركبات كأنهم السيل ولا تستطيع أن تفرق شخصًا من مجموعة، وفى موقف الحجيج إفاضتان: إفاضة من عرفات، ثم إفاضة ثانية بينتها الآية التى بعدها يقول سبحانه:﴿ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ الناس واستغفروا الله إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾.وعرفات ننطقها بمنطوقين: مرة نقول «عرفات» كما وردت فى هذه الآية، ومرة ننطقها «عرفة» كما فى قول الرسول  َ: «الحج عرفة». وعرفات جمع، وعرفة مفرد.

هذه الكلمة أصبحت علمًا على المكان الفسيح الذى يجتمع فيه الحجيج فى التاسع من ذى الحجة، ولا تظن أنها جبل، فإذا سمعت: «جبل عرفات» كما يقول الناس فافهم أن المقصود هو الجبل المنسوب إلى عرفات. وليس عرفات فى ذاتها، ولذلك تجد أناسًا كثيرين يظنون أنهم إن لم يصعدوا الجبل المسمى بجبل الرحمة الذى عند الصخرات التى وقف عليها رسول الله فى حجة الوداع فكأن الإنسان منهم لم يحج. نقول لهم: لا. الوقوف يكون فى الوادي، والجبل المجاور للوادى أسميناه جبل عرفات، فالجبل هو المنسوب لعرفات وليس الوادى هو المنسوب للجبل.

﴿فَإِذَآ أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فاذكروا الله عِندَ المشعر الحرام﴾. والمشعر الحرام فى مزدلفة: ﴿فاذكروا الله﴾ معناها أن الله يَسّر لكم هذه الرحلة الشاقة، وجاء بكم آمّين وقاصدين بيت الله الحرام، ثم تعودون مغفورا لكم، وهى مسألة تستحق أن تذكروا الله بالشكر والعرفان.

﴿واذكروه كَمَا هَدَاكُمْ﴾؛ لأن هدايته لكم وتعليمكم أقصر طريقة يوصل إلى الخير هو تحية من الله لخلقه، والتحية يجب أن يُرَدّ عليها، فكما هداكم اذكروه. ﴿وَإِن كُنْتُمْ مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضآلين﴾؛ لأنهم طالما حجوا كثيرًا، فى الجاهلية، فأنتم كنتم تحجون بضلال، والآن تحجون بهدى. ﴿ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ الناس﴾ .

قوله: ﴿ثُمَّ﴾ تدل على أنه لابد من الوقوف بعرفة أو المبيت فى مزدلفة؛ لأن ﴿ثُمَّ﴾ تدل على البعدية ببطء والتعقيب بتمهل.

إذن قوله: «﴿ثُمَّ أَفِيضُواْ﴾ حجة لمن قال: إنه لابد من المبيت فى مزدلفة. وهذه الآية نزلت لأن قريشًا كانت ترى نفسها أهل الحرم فلا يُطالبون أبدًا بما يُطالب به سائر الناس، ولذلك لا يذهبون مع الناس إلى عرفات، والله يريد بالحج المساواة بين الناس، ولذلك قال النبى فى حجة الوداع: «كلكم بنو آدم وآدم خلق من تراب، لينتهين قوم يفتخرون بآبائهم أو ليكونن أهون على الله من الجعلان» فلابد أن ينسخ الله مسلك قريش فقال: ﴿ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ الناس﴾ يعنى لا تميز لكم ولا تفرقة بين المسلمين.

وبعض المفسرين يقول: إن معنى ﴿مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ الناس﴾ المقصود به من حيث أفاض إبراهيم، بمعنى أن سيدنا إبراهيم عليه السلام قد رسم مناسك الحج كلها بعد أن علمها الله له، فالناس وإن كانوا جمعًا إلا أن المراد بكلمة «الناس» هو «إبراهيم». ولا نستغرب أن يكون معنى: «الناس» هو «إبراهيم» لأن الله وصفه بأنه «أمة». وكلمة الناس تُطلق على الإنسان الذى يجمع خصائص متعددة؛ ولذلك قال الله عز وجل عن سيدنا رسول الله  َ: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ الناس على مَآ آتَاهُمُ الله مِن فَضْلِهِ﴾ «النساء: ٥٤».