العدالة الحقيقية ليست فى توحيد المعاملة بين الجميع، وإنما فى تحقيق التوازن بين حق الدولة وحق المواطن
تحول ملف التصالح فى مخالفات البناء خلال السنوات الأخيرة إلى واحد من أكثر الملفات تعقيدًا وتشابكًا، ليس بسبب رفض المواطنين تقنين أوضاعهم، ولكن نتيجة تعدد الإجراءات وتغيير التعليمات وغياب التنسيق الكامل بين الجهات المختلفة. ورغم أن الدولة استهدفت من قانون التصالح إنهاء حالة الفوضى العمرانية وفتح الباب أمام المواطنين لتوفيق أوضاعهم بشكل قانونى، فإن الواقع العملى كشف عن أزمات متلاحقة يتحمل المواطن عبئها الأكبر.
أحدث هذه الأزمات ظهر مع قرار تطبيق نظام السعر الموحد على العدادات الكودية، وإلغاء نظام الشرائح التقليدى، وهو ما تسبب فى ارتفاع واضح فى قيمة فواتير الكهرباء على شريحة واسعة من المواطنين، خاصة من محدودى ومتوسطى الدخل. والمفارقة أن جزءًا كبيرًا من هؤلاء ليسوا مخالفين هاربين من القانون، بل مواطنون تقدموا بالفعل بطلبات التصالح، وسددوا الرسوم المطلوبة، وحصل بعضهم على نماذج رسمية مثل نموذج 8 أو نموذج 10، وينتظرون فقط انتهاء الدورة الإدارية الخاصة بتقنين المرافق.
وهنا يبرز السؤال الأهم: لماذا تتم معاملة من بدأ إجراءات التصالح بنفس طريقة من لم يتقدم أصلًا للتقنين؟
الحقيقة أن الأزمة لم تعد مرتبطة فقط بارتفاع قيمة الفواتير، وإنما بغياب التفرقة بين المراحل المختلفة داخل منظومة التصالح نفسها. فالمواطن الذى حصل على نموذج رسمى، وأثبت جديته فى استكمال الإجراءات، لم يعد فى وضع المخالفة الكاملة، بل أصبح فى مرحلة قانونية انتقالية تستوجب معاملة مختلفة، إلى حين انتهاء الجهات التنفيذية من استكمال الإجراءات النهائية.
كما أن المشكلة لا تتوقف عند الكهرباء فقط، بل تمتد إلى ملف «المطابقة» وإعادة فحص المرافق القائمة بالفعل منذ سنوات. فهناك آلاف العقارات لديها عدادات مياه وكهرباء وغاز، ويتم تحصيل الفواتير عنها بصورة منتظمة منذ سنوات طويلة، ومع ذلك يواجه أصحابها موجة جديدة من المعاينات والرسوم والإجراءات بعد الحصول على نماذج التصالح، وكأن الخدمات يتم تركيبها لأول مرة.
هذا الوضع يخلق حالة من الإرهاق الإدارى والمالى للمواطن، ويطرح تساؤلات منطقية حول جدوى إعادة الإجراءات على خدمات قائمة بالفعل ومعتمدة من الجهات المختصة. فالأصل أن يؤدى قبول التصالح إلى تسهيل تحويل المرافق إلى وضعها القانونى الطبيعى بصورة مباشرة، من خلال ربط إلكترونى وإدارى بين الأحياء وشركات المرافق، بدلًا من إدخال المواطن فى دوامة جديدة من الطلبات والانتظار.
إن فلسفة القوانين الخدمية يجب أن تقوم على التيسير وتقليل التعقيدات، لا مضاعفة الأعباء. ولذلك فإن إعادة النظر فى بعض الإجراءات التنفيذية أصبحت ضرورة حقيقية، سواء فيما يتعلق بالمطابقة، أو بملف العدادات الكودية، أو بآليات التعامل مع الحاصلين على نماذج التصالح.
كما أن إعادة العمل بنظام الشرائح بشكل مؤقت للحاصلين على نموذج 8 أو نموذج 10، لحين الانتهاء من إجراءات التقنين النهائية، ستكون خطوة متوازنة تحقق العدالة الاجتماعية وتحافظ فى الوقت نفسه على حق الدولة. فهؤلاء المواطنون لم يعودوا فى وضع المخالفة الكاملة، بل أصبحوا داخل مسار قانونى واضح يستوجب معاملة انتقالية مختلفة، عبر إعادتهم إلى نظام الشرائح العادل لمدة لا تقل عن 6 أشهر، أو لحين الانتهاء من إجراءات التقنين وربط المرافق بشكل نهائى.
فالدولة نجحت فى فتح باب التصالح وتشجيع المواطنين على تقنين أوضاعهم، لكن نجاح هذا الملف لن يكتمل إلا بتبسيط الإجراءات، والتفرقة بين المواطن الذى استجاب للقانون، وآخر ما زال خارج المنظومة. فالعدالة الحقيقية ليست فى توحيد المعاملة بين الجميع، وإنما فى تحقيق التوازن بين حق الدولة وحق المواطن.

علي عبد الحفيظ يكتب: الأزهر الشريف ووأد الفتنة
تامر عادل يكتب: كأس العالم من عاصمة مصر الجديدة
فى الاحتفال بيوم إفريقيا التمسك بالتنمية المستدامة







