تتجدد الحكايات داخل ملايين البيوت التى تعيش واقع الغربة والانتظار المريرين، فبينما يشعر الكثيرون بأهمية الترابط العائلى ودفء العلاقات الأسرية، يعيش نسبة كبيرة من الآباء المصريين سنوات طويلة بعيدين عن منازلهم سعيا وراء لقمة العيش، تاركين خلفهم زوجات يتحملن مسئولية الأسرة وحدهن.
وأبناء يكبرون على صوت المكالمات أكثر من دفء الحضور، وحينما يعودون يكتشفون أن أبناءهم كبروا بعيدا عنهم، لكل منهم عالمه الخاص الذى لا يعرفون عنه شيئا، يجلس الأب على مائدة أسرته كضيف ثقيل يحاول التقرب من أولاده، لكن المسافات بينهم أكبر من سنوات السفر نفسها، فالغربة لم تسرق من الأب عمره فقط، بل سرقت أيضا تفاصيل صغيرة صنعت فجوة صامتة داخل كثير من الأسر، حتى أصبح بعض الآباء يشعرون بأنهم غرباء داخل بيوتهم بعد رحلة اغتراب طويلة بحثا عن حياة أفضل.
بحسب أحدث بيانات صادرة عن الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء، يبلغ عدد المصريين بالخارج نحو 11.08 مليون مصري، وهى أرقام تعكس حجم ظاهرة الاغتراب التى أصبحت جزءا من الواقع الاجتماعى داخل كثير من الأسر.
أب لا يعرف ابنه
سافر عمرو محمود - 30 عاما - إلى إحدى الدول العربية بعد عام واحد فقط من زواجه، تاركا زوجته مع طفل رضيع لم يتجاوز عمره ثلاثة أشهر، كان يعتقد أن الغربة لن تطول، لكنها امتدت إلى ثمانى سنوات، يعود خلالها شهرا واحدا كل عام.. كبر الطفل وهو يرى والده عبر شاشة الهاتف فقط، وعندما عاد الأب نهائيا إلى مصر بعد انتهاء عمله، فوجئ بأن ابنه يرفض الجلوس معه أو التحدث إليه، بينما كانت كل تفاصيل حياته مرتبطة بالأم وحدها.. حاول عمرو فرض سلطته داخل البيت، لكن الابن كان يراه رجلا غريبا جاء فجأة ليغير قوانين حياته، فتحولت العودة التى حلم بها الأب سنوات طويلة إلى صدام يومى وشعور مؤلم بالغربة داخل منزله.
وحيدة فى مواجهة الحياة
منذ 10 سنوات تستيقظ هناء حسين كل صباح لتؤدى دورين معا (الأم والأب) زوجها يعمل خارج مصر ولا يعود إلا مرة كل عامين بسبب ظروف العمل.. تحملت وحدها مسئولية الدراسة والعلاج والمشكلات اليومية وتربية ثلاثة أبناء، كانت تضطر لاتخاذ كل القرارات وحدها، بينما يشارك الزوج عبر مكالمة هاتفية سريعة فى نهاية اليوم.. تقول هناء إن أصعب ما واجهته لم يكن التعب، بل شعورها الدائم أنها وحيدة فى مواجهة الحياة، ومع مرور السنوات أصبحت تشعر بأن المسافة بينها وبين زوجها لم تعد جغرافية فقط، بل عاطفية أيضا، حتى إن الحديث بينهما صار يقتصر على المصاريف والأولاد لا أكثر.
قريب وغريب
لم تعرف مريم على - 20 عاما- والدها بشكل حقيقى رغم أنه كان يرسل لها الهدايا باستمرار من الخارج.. كان يغيب معظم العام، وعندما يعود يحاول تعويض غيابه بالمال والطلبات، لكنه لم يكن يعرف شيئا عن تفاصيل حياتها أو مخاوفها أو حتى أصدقائها.. وعندما بلغت سن المراهقة أصبحت تجد صعوبة فى الحديث مع والدها، حتى إنها كانت تشعر بالتوتر أثناء جلوسه فى البيت خلال الإجازات القصيرة، لأنه بالنسبة لها شخص قريب وغريب فى الوقت نفسه.
الغائب الحاضر
تقول د. هالة منصور أستاذ علم الاجتماع بجامعة عين شمس إن رسالة الماجستير الخاصة بها كانت عن الأسر ذات العائل الواحد، وركزت فيها على الأسر التى تعولها الأم سواء بسبب الطلاق أو الوفاة أو سفر الأب للعمل بالخارج، كما أجرت دراسة حالات متخصصة على الأسر التى يعيش فيها الأب مغتربا خارج البلاد.
وتوضح أن الأب المسافر للخارج يتحول مع الوقت إلى صورة ذهنية لدى أبنائه أكثر من كونه صورة حقيقية موجودة فى تفاصيل حياتهم اليومية، وتؤكد أن الأسباب التى تدفع الأب للسفر تظل فى الأساس مرتبطة بالرغبة فى توفير حياة أفضل للأسرة والأبناء، لكن رغم ذلك تبقى الآثار النفسية والاجتماعية للغياب موجودة، فالأم تتحمل أعباء ضخمة داخل المنزل، والأب أيضا يتحمل ضغوطا قاسية فى الغربة، بينما يخسر الأبناء كثيرا من التفاصيل الإنسانية والعاطفية فى علاقتهم بوالدهم.
وتضيف: «جميع الأطراف يدخلون مع الوقت فى دائرة من الرغبة فى التعويض، فالأبناء ينتظرون تعويضا عن غياب الأب وضغط الأم، والأم نفسها تشعر أنها تستحق التعويض لأنها تحملت المسئولية وحدها، كما يشعر الأب أيضا بأنه يقدم تضحيات كبيرة ويستحق التقدير.. وكل طرف يرى نفسه مظلوما أو الطرف الأكثر تحملا للأعباء، وعند تحليل الوضع نجد أن الجميع بالفعل مظلوم ولكن من زوايا مختلفة، لأن الأسرة لا تعيش حياتها التكاملية الطبيعية التى تتوزع فيها الحقوق والواجبات بشكل متوازن»، وتشير إلى أن تطور وسائل التواصل الاجتماعى غير كثيرا من شكل الغربة، فأصبح الغائب حاضرا بشكل يومي، حيث يمكن للأب أن يرى أسرته ويتابع تفاصيل حياتهم لحظة بلحظة من خلال مكالمات الفيديو والتطبيقات المجانية، وهو ما قلل بدرجة كبيرة من الإحساس القديم بالغياب الكامل وقلص حجم الفجوة بينهم، وبالتأكيد التكنولوجيا قربت المسافات، لأن الأسرة أصبحت تعيش تفاصيل الحياة معا طوال اليوم تقريبا، لكن مع ذلك تبقى هناك أمور يتم إخفاؤها أحيانا بإرادة جميع الأطراف، وهو أمر قد يحدث حتى مع الأب الموجود داخل مصر، لأنه يظل معظم يومه خارج المنزل سعيا وراء توفير احتياجات الأسرة، وبالتالى أصبح التفاعل الأسرى الحقيقى ضعيفا سواء لدى الأب المغترب أو الأب المقيم.
وترى د. هالة أن الأسرة تتعامل أحيانا مع الأب المسافر باعتباره مصدرا أساسيا للمال، فتزداد الطموحات المادية والاستهلاكية داخل البيت، لأن فكرة السفر ترتبط دائما بقدرة أكبر على الإنفاق.. وفى المقابل، يكون الأب نفسه راغبا فى تحقيق تراكمات مادية سريعة حتى يؤمن مستقبله ومستقبل أسرته، خاصة مع غياب الاستقرار الوظيفى فى بعض الدول التى يعمل بها المصريون، مما يخلق ضغوطا جديدة من نوع مختلف.
وتوضح أن الغياب الطويل يؤثر على الصورة الذهنية للأب، إذ تصبح هذه الصورة هى المسيطرة بدلا من العلاقة الواقعية المباشرة، وبعض الأمهات قد يستخدمن هذا الأمر كوسيلة ضغط على الأبناء أو على الزوج نفسه، بينما يبدأ الأولاد أحيانا فى تبنى فكرة أن من حقهم الحصول على تعويض مادى مقابل غياب الأب عنهم، كما يحدث الأمر نفسه مع الزوجة التى تشعر أنها تقوم بدورين فى وقت واحد.
وتقول: «حتى الزوجة المقيمة مع زوجها داخل البلد تعانى أيضا من غيابه بسبب ضغط العمل، لكن غياب الأب المسافر يكون أكثر وضوحا، وارتفاع مستوى الدخل يؤدى غالبا إلى ارتفاع سقف الطموحات والإنفاق، لذلك لا تصل الأسرة أبدا إلى مرحلة الاكتفاء أو الراحة الكاملة، لأنه كلما زاد الدخل زادت معه الاحتياجات والرغبات»..
وتوضح أن الأب بدوره يواجه صعوبة فى تحمل المسئوليات الاجتماعية والأسرية أثناء الإجازات، لأنه اعتاد فى الغربة على تحمل الأعباء المادية فقط، لذلك يشعر أحيانا بعدم القدرة على التكيف مع الضغوط اليومية داخل المنزل، وقد يفضل السفر مجددا هروبا من هذه الضغوط، كما أن بعض الزوجات يعتبرن أنفسهن صاحبات القرار داخل البيت بعد سنوات من إدارة كل الأمور بمفردهن، وعندما يعود الزوج قد تحاول الزوجة الانسحاب تماما من المسئوليات خلال الإجازة باعتبار أن الوقت حان ليشارك الزوج فى تحمل الأعباء، وهو ما يخلق بدوره حالة من التضارب والتوتر داخل الأسرة.. وترى أن أكثر المتضررين فى النهاية هم الأبناء، لأنهم يعيشون وسط علاقة غير مستقرة بين الأب والأم نتجت عن الضغوط المستمرة، فتظهر الخسائر الاجتماعية بشكل واضح، ويبدأ كل طرف فى توجيه اللوم للطرف الآخر أو محاولة كسب مساحة أكبر لدى الأبناء.
وتقول: «علاج هذه المشكلة يبدأ أولا بمحاولة الحفاظ على التواجد النفسى والرمزى المستمر داخل الأسرة مهما كانت ظروف الغربة، مستفيدا من وسائل التواصل الحديثة، إلى جانب ضرورة وجود وضوح وصراحة بين جميع الأطراف بشأن التوقعات والرغبات والمشكلات، حتى لا تتراكم مشاعر الغضب أو الإحباط بسبب توقعات غير معلنة، بالإضافة إلى أهمية التفاهم بين جميع أفراد الأسرة، ووجود توازن حقيقى بين الحقوق والواجبات، بحيث يدرك كل طرف أن عليه مسئوليات كما أن له حقوقا، مع ضرورة تقدير التضحيات التى يقدمها الجميع، لأن كل أفراد الأسرة يدفعون ثمنا نفسيا واجتماعيا نتيجة ظروف الغربة والضغوط الاقتصادية».
الأب رب
من جانبه يقول د. على النبوى استشارى الطب النفسى وعلاج الإدمان أن الأب يمثل مفهوما كبيرا ومهما فى الطب النفسي، فهو يرمز للسلطة التى تؤثر على شخصية الإنسان فى حياته لاحقا، والتعرض لمواقف مختلفة مع الأب، ينتج عنها أفكارا نفسية تظهر فى شكل سلوك ما فيما بعد، فالأب الحانى قد يعطى إحساسا بالأمان، فيكون الشخص مبدعا، والأب القاسى والناقد ينتج عنه شخص هش لا يثق بنفسه، ويوجد فى الطب النفسى مرض يسمى الوسواس القهرى أو بمعنى آخر(سب الذات الإلهية) وفى أحد تفسيراته لدى علماء الطب النفسى التحليلى يقولون إن المريض قد تعرض للقهر من سلطة الأب، وبالتالى بدلا من أن يأتى السب للأب، يتحول السب للذات الإلهية، وفى الأمثال الشعبية المصرية العميقة يقولون إن (الأب رب) أى أنه رب للأسرة ومسئول عن شئونها كاملة وعن أخذ القرارات وإدارة الأسرة، وإذا غاب هذا الأب ستقوم الأم بأخذ القرارات لذلك تتشوه صورة الأب لدى الأبناء وقد أجريت دراسة نفسية قديمة على الاختلال الجنسى لدى الأبناء الذين سافر آباؤهم للخارج وهم فى مرحلة الطفولة المبكرة، لأنه كان يحن إلى صورة الأب فلا يجدها، فيصاب بالمثلية..
وعندما تأخذ الأم دور الأب لفترات طويلة من اغترابه بعيدا عن الأسرة ثم يرجع مرة أخرى ليعيش معهم فلا تقبل الزوجة وجوده ولا الأبناء، ويجد نفسه يحن للرجوع للغربة مرة أخرى، لأنه تطبع بها وأصبح منزله الأصلى غريبا عليه وهذه حالات رأيناها كثيرا حتى فى الأسر المصرية التى يغترب فيها الأب داخل مصر بأن يعمل فى محافظة أخرى ويرجع إجازة كل شهرين لمدة أسبوع، ولكن بعد أن ينتهى عمله ويخرج على المعاش ويجلس فى المنزل، لا تطيقه الزوجة ولا الأولاد لأنهم يكتشفون أنه شخص غريب عنهم وأنه كان فى الماضى يحل عليهم كضيف يتحملونه أياما قليلة، لكن مع التفاصيل وطول مدة إقامته تظهر مشاكل أكثر، لذلك قد يسافر بعض الآباء -حتى بعد الخروج على المعاش- ليعمل فى مكان آخر لأنه اعتاد على ذلك.
احتراق نفسي
وترى د. مروة شومان المستشار النفسى والخبير التربوى أن غياب الأب لفترات طويلة بسبب الغربة يعد من التحديات النفسية والاجتماعية المؤثرة على البناء الأسري، لأن وجود الأب لا يرتبط فقط بالدور المادي، بل بالأمان العاطفى والاحتواء النفسى داخل الأسرة، فالأب مصدر للدعم والانضباط والشعور بالحماية، وغيابه المستمر يخلق حالة من الفراغ الانفعالى أو الحرمان العاطفى لدى بعض الأطفال والمراهقين، وتأثير غياب الأب يختلف بحسب عمر الأبناء وطبيعة العلاقة قبل السفر ومدى جودة التواصل أثناء الغربة، فالطفل الصغير قد يظهر أعراضا نفسية غير مباشرة مثل القلق الانفصالي، اضطرابات النوم، التعلق الزائد بالأم، أو حتى السلوك العدوانى كوسيلة للتعبير عن الاحتياج العاطفي، أما فى مرحلة المراهقة، فقد يظهر ما يسمى بالانسحاب العاطفى أو ضعف الارتباط الوجدانى بالأب، خاصة إذا كان التواصل يقتصر على التوجيه أو الرقابة فقط دون مشاركة حقيقية فى التفاصيل اليومية..
وتشير د. مروة إلى أنه من أصعب اللحظات التى تمر بها الأسرة فى ظل غياب الأب هى الأزمات والانفعالات المرتفعة مثل المرض، المشكلات الدراسية، الخلافات الأسرية، أو المناسبات المهمة التى يشعر فيها الأبناء باحتياج شديد للدعم النفسى المباشر، كما أن الأم غالبا ما تتعرض لما يسمى بالاحتراق النفسى نتيجة تحمل الأدوار التربوية والانفعالية بمفردها لفترات طويلة، وهو ما قد ينعكس بدوره على المناخ النفسى داخل البيت.
أما عن التكنولوجيا ومكالمات الفيديو، فهى بالفعل ساعدت فى تقليل المسافة الجغرافية، لكنها لا تلغى المسافة الشعورية، أو لعلاقة الإنسانية الصحية تحتاج إلى الحضور الانفعالى وليس فقط الحضور الرقمي، فالمكالمات تصبح مؤثرة عندما تتضمن مشاركة وجدانية حقيقية، واهتماما بالتفاصيل اليومية، وإصغاء فعّال للأبناء، وليس مجرد سؤال روتينى أو متابعة دراسية فقط.
وللتخفيف من الآثار النفسية والاجتماعية لغربة الأب، من المهم الحفاظ على روتين تواصل ثابت، مع مشاركة الأب فى التفاصيل اليومية والقرارات الأسرية، حتى لو كان عن بعد، كما يفضل أن يكون هناك تعبير مستمر عن المشاعر داخل الأسرة، لأن كثيرا من الأسر تقع فى خطأ التعويض المادى بينما الاحتياج الحقيقى يكون للاهتمام والانتباه والدعم النفسي.. وبشكل عام، الغربة ليست بالضرورة سببا لتفكك الأسرة، لكن الخطر الحقيقى يحدث عندما يتحول الغياب الجسدى إلى غياب عاطفى أيضا، فالترابط الأسرى لا يقاس بعدد سنوات التواجد، وإنما بمدى جودة العلاقة، والشعور بالأمان، والاستقرار النفسى بين أفراد الأسرة.

من العشوائية إلى التطوير| «التونسى».. سوق عصرى بـ «استايل موحد»
«إعادة توظيف ثقافى وسياحى» على غرار العديد من الدول العربية والإسلامية
نصيب المصريين من المقامرات العالمية 1,7 مليار دولار!







